
بين الجبال… وجدت الإسلام
ديسمبر 8, 2025
من كلية العلوم.. إلى نور الإسلام
ديسمبر 8, 2025أليو مبانغا
دوالا- الكاميرون
وُلدت في حيٍّ مزدحمٍ تعج شوارعه بالأصوات، بين موسيقى الصباح التي يذيعها الجيران، وضجيج الباعة في السوق، وصيحات المراكب في الميناء.
كنت أعمل منذ صغري في محلٍّ صغير لتأجير مكبرات الصوت للمناسبات والحفلات. كنت أحب الموسيقى أكثر من أي شيء في الدنيا. لم أكن أتخيل يومًا أنني سأقضي ساعة واحدة من دونها.
كبرت، وصرت منسق موسيقى في الحفلات الليلية. كانت شهرتي محدودة لكنها تدرّ عليّ مالًا كافيًا للعيش بترفٍ نسبي.. كنتُ أرى الدنيا مسرحًا صاخبًا، وكل ما فيها مؤقت. لم أسأل نفسي يومًا: من أين جئتُ؟ ولا إلى أين أذهب؟ كنت أعيش بلا تفكير، بلا هدفٍ واضح سوى أن أسمع التصفيق كل ليلة.
لكنّ حادثًا بسيطًا قلب حياتي..
في إحدى الليالي، أثناء حفلٍ كبير في فندقٍ على شاطئ “ليمدي”، تعطّل أحد مكبرات الصوت، فحدث تماسٌّ كهربائيٌّ كاد أن يصيبني. سقطتُ على الأرض وشعرت للحظةٍ أنني أموت. لم أر شيئًا إلا الظلام، ولم أسمع سوى صوتٍ داخلي يقول: “لو متَّ الآن، إلى أين كنت ستذهب؟”
بعد أن استعدت وعيي، لم أستطع أن أنسى السؤال. صار يلاحقني في كل حفلة. لم يعد يطربني صوت الموسيقى، بل صار يؤلمني. بدأت أبحث على الإنترنت عن “معنى الحياة” و”الراحة النفسية”. كنت أجد مقاطع كثيرة، لكن أغلبها كلام تحفيزي سطحي.
وفي إحدى الليالي، وبينما كنت أتصفح منصات السوشيال ميديا، ظهر لي مقطع بعنوان: “هل خلَقنا الله عبثًا؟” كان المنشور لمشروع اسمه “بصيرة الدعوي”. فقرأت كلمات هذا المنشور:
“كل إنسان، مهما علا شأنه أو غرق في اللهو، يمرّ بلحظة يسأله فيها قلبه: لماذا أنا هنا؟ تلك اللحظة ليست ضعفًا، بل نداء من الله.” تواصل معنا لمعرفة المزيد عن الله وعن الإسلام.
توقفت عند الجملة، كأنها كُتبت لي أنا وحدي!! فتحت الرابط بلا تردد، وكتبْتُ للداعية في مشروع بصيرة: “أنا لا أعرف شيئًا عن الإسلام ولا أبحث عن اللإسلام، لكنني أشعر أني ضائع في هذه الدنيا!”
فأجابني: “مرحباً بك يا صديقي، كلنا كنا ضائعين قبل أن نهتدي. ما الذي يثقل قلبك؟”
بدأنا حديثًا طويلًا امتد لبضعة أيام. سألني عن حياتي، عن إيماني السابق، وعن معنى “النجاح” عندي.
قلت له: “النجاح عندي هو أن أكون مشهورًا.”
فقال: “وماذا بعد الشهرة؟ ماذا ستأخذ منها إن متَّ اليوم؟”
سكتُّ طويلاً. لم أجد جوابًا!
أرسل لي نصوصًا من القرآن، منها قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]، قرأتها عشرات المرات. كنت أشعر أنني أقرأ رسالة من الله إليّ.
في اليوم التالي، سألته: “هل الله في الإسلام يغفر لمن أضاع عمره في اللهو؟”
فقال: “الله يغفر الذنوب جميعًا إن تاب العبد، لا يهم كم أخطأت، المهم أن تعود وتتوب.”
تلك الكلمات كانت بداية عودتي.
صرت أتابع المقاطع الدعوية، وأقرأ عن الإسلام. كنت أسأل عن كل شيء:
- لماذا نصلّي؟
- ما فائدة الصيام؟
- لماذا لا يُجسّد الإسلام الإله في صورة؟
وكان المحاور صبوراً، يجيبني بعقلٍ وهدوء، لا يهاجمني ولا يلومني. وفي إحدى الليالي، أرسل لي مقطعًا قصيرًا عن “سجود المؤمن”، رأيت فيه رجلًا يسجد لله على الأرض ويقول: “هنا يجد القلب السكينة.” أغلقت هاتفي وبكيت. لم أفهم لماذا، لكنني شعرت أني أريد أن أكون مثله. في تلك الليلة، كتبت للداعية: “أريد أن أتعرف على الله كما تعرفونه.”
فقال لي: “ابدأ من التوحيد. قل من قلبك: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.”
فسألته: “هل أستطيع قولها الآن؟”
قال: “إن كنت تؤمن بها حقًّا، فقلها.”
فقلت بصوتٍ مرتجفٍ ودموعي تنهمر: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.”
كانت تلك اللحظة أثقل من كل صخب عشته، لكنها كانت أنقى من كل موسيقى سمعتها.
في الصباح، أغلقت هاتفي وأخذت أمشي على الشاطئ. كانت الموجات تصطدم بالصخور، لكن قلبي هادئ. قلت في نفسي: “هذا هو السكون الذي كنت أبحث عنه.”
بعد إسلامي، تركت عملي في النوادي الليلية، وبدأت أتعلم مهنة تصليح الأجهزة الصوتية. لم أعد أستخدم صوتي لإفساد القلوب، بل لتسجيل تلاوات القرآن، ومقاطع تعليمية يرسلها مشروع بصيرة إلى المهتمين بتعلم تعاليم الإسلام بالفرنسية. صرت جزءًا من عالمٍ جديد، عالمٍ نظيف، صادق، مطمئن.
كل يومٍ أحمد الله على تلك الليلة التي تعطلت فيها مكبرات الصوت، لأنها كانت سبب سماعي لصوت الحق.
الحمد لله الذي هداني إلى الحق.
شكراً مشروع بصيرة..





