
من ضجيج الموسيقى إلى سكون الإيمان
ديسمبر 8, 2025
الاحتلال يُكثّف التدمير بالقطاع والشتاء يهدد 1.7 مليون فلسطيني
ديسمبر 8, 2025مارسيل أكادي
بورتو نوفو – دولة بنين.
كنتُ طالبًا في كلية العلوم، متخصصًا في البيولوجيا. كنت أؤمن بالعقل فقط، أقدّس التجربة والملاحظة، ولا أؤمن بشيء لا يُرى. كنت أرى الأديان مجرد إرثٍ بشريٍّ تراكميّ، يختلف باختلاف الجغرافيا.
كنت دائمًا أقول لزملائي: “العلم يكفينا، لسنا بحاجة إلى دين.”
كنت قارئًا نَهِمًا، أتابع مقاطع عن الفلسفة والإلحاد والمنطق. وكنت منبهرًا بمقولة “الإنسان خالق مصيره بنفسه”.
لكن حين مات صديقي المقرب فجأةً في حادث سير، وجدت نفسي أمام سؤالٍ لم أستطع الرد عليه علميًّا: “أين ذهب الآن؟ وهل انتهى حقًّا؟”
منذ تلك الحادثة، بدأتُ أفقد توازني. لم يعد العلم يملأ فراغي. كنت أستيقظ ليلاً وأنا أفكر: لو متّ الآن، هل سينتهي وعيي؟ أين سأكون؟
وبينما كنت أبحث عن أي معلومة على الإنترنت تتحدث عن “الوعي بعد الموت وهل هناك حياة أخرى بعد الموت؟!”، وجدتُ منشوراً لمشروع دعوي يسمى “مشروع بصيرة” يتحدث عن الروح والحياة بعد الموت والحساب واليوم الآخر. ودعوة للحوار مع داعية من المشروع من خلال رابط (الواتس آب)!
ضغطت على الرابط بدافع الفضول، وكتبت “أنا لا أؤمن بأي دين، لكنني أبحث عن تفسير لما لا يستطيع العلم تفسيره.”
بعد دقائق، أجابني أحد الدعاة من مشروع بصيرة وقال: “العقل نعمة من الله، لكنه لا يكفي وحده. فالعلم يرى الظواهر، أما الإيمان فيرى الغاية.” “العلم يجيب عن كيف؟ لكن الدين يجيب عن لماذا؟”
بدأ بيننا حوار طويل ومفيد جداً. كنت أسأله أسئلة فلسفية معقدة:
- هل يمكن للعقل أن يثبت وجود الله؟
- الدليل على أن القرآن من عند الله وليس من عند بشر؟
- هل التناقض بين العلم والدين حقيقي؟
كان يجيبني بكل صبر، مستخدمًا أمثلة علمية مألوفة لي. حدثني عن ترتيب الكون، وعن القوانين الدقيقة التي لو اختلت بمقدار ضئيل لانتهى الوجود. قال لي: “هل يُعقل أن يكون هذا الإحكام العظيم صدفة؟” ثم أرسل لي الآية: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 88].
كأنني قرأت قانونًا فيزيائيًا بلغة السماء. بدأت أقرأ ترجمات لمعاني القرآن. كنت أدهش من انسجامه مع المنطق، وكلما وجدت آية، كنت أبحث عنها في المراجع العلمية لأتأكد، ولم أجد شيئًا يناقض الحقيقة، بل وجدت تكاملًا مدهشًا.
في أحد الأيام، سألته: “لكن ما الذي يضمن أن الإسلام وحده هو الطريق الصحيح؟”
فقال: “انظر إلى جوهره: توحيد الخالق بلا شريك، وعدل، ورحمة، وعلم، وسلام. أي طريقٍ آخر يجمع كل هذا؟”
لم أستطع الرد.. ظللت صامتًا دقائق، ثم كتبت: “أشعر أني أقترب من الإيمان، لكني أخاف أن يكون مجرد انفعال.”
فقال لي: “الإيمان ليس انفعالًا، بل هداية وإدراك، وإذا استقر في القلب لم يزله شك.”
في تلك الليلة، أغلقت هاتفي، وخرجت أمشي في شوارع “بورتو نوفو”. كانت السماء صافية، والنجوم تملأها كأنها عيون تنظر إليّ. رفعت رأسي وقلت بصوتٍ خافت: “يا من خلقت هذا الكون.. إن كنت حقًّا موجودًا، فاهدني إلى طريقك الحق.”
وفي صباح اليوم التالي، عدتُ إلى المحادثة، وقلت للداعية: “أريد أن أكون مسلمًا، لا لِأهجر العلم، بل لأفهمه حق الفهم.”
فقال لي: “قلها من قلبك وردد معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.”
فنطقت بها. كنت أبكي، وأشعر كأنني أتنفس للمرة الأولى.
منذ تلك اللحظة، تغيرت نظرتي لكل شيء، صرت أرى في قوانين الفيزياء دلائل على عظمة الخالق، وفي الخلية الحية معجزة النَّظم الإلهي. لم أتخلَّ عن العلم، بل ازداد يقيني به بعد أن ربطته بخالقه.. اليوم، بعد مرور عام منذ أن أسلمت، أعمل مدرسًا للعلوم في مدرسة ثانوية، وأقوم بترجمة محتويات علمية مبسطة للباحثين تساعدهم في الوصول إلى الحقيقة والهداية.
كلما جلست مع طلابي، أقول لهم: “العلم يقودك إلى باب الإيمان، أما القلب فهو محل الإيمان.”
وأختم قصتي بهذه الكلمات: لقد كنتُ أبحث في المعامل عن دليلٍ على الله، فوجدته في نفسي، وفي بديع صنع ربي لهذا الكون بمخلوقاته وكائناته. ومن كان صادقًا في بحثه، سيقوده الله إلى نوره، ولو بدأ من مختبرٍ صغير في قلب (بِنين).
وشكراً لمشروع بصيرة وجزاكم عني كل خير.
والحمد لله رب العالمين.





