جرحى بقصف الاحتلال لمناطق في قطاع غزة
مايو 9, 2026
عذاب الله لكل من تخاذل وغدر
مايو 10, 2026بقلم: أ. د. قيس عبد العزيز الدوري – أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية
الحمد لله الذي اصطفى من خلقه رسلاً وأنبياء، وجعل محمداً ﷺ خاتمهم وأفضلهم، وأيده بمعجزاتٍ وبيناتٍ تثبت صدقه وتظهر محبته له. ومحبة الله لرسوله ليست مجرد كلمة، بل هي حقيقةٌ تجلت في آيات القرآن الكريم، وفي مواقف السيرة النبوية، وفي كل تفصيل من تفاصيل تكريم الله له. إنها محبةٌ تجلت بالرعاية، والحفظ، والنصر، والتثبيت، والعناية الفائقة في أصعب اللحظات.
أولاً: محبة الله تظهر في حسن الخطاب والتزكية
من أبلغ مظاهر محبة الله لرسوله ﷺ أن الله تعالى ناداه بألطف الألقاب وأكرمها، فقال في سورة الضحى: ﴿وَٱلضُّحَىٰ * وَٱلَّیۡلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ [الضحى: 1-3]. هذه الآيات نزلت رداً على من ظن أن الله قد ترك نبيه ﷺ أو أبغضه بعد فترة من انقطاع الوحي. فنفى الله عنه سبحانه أن يكون قد ودعه أو قلاه، بل أكد له أن رعايته مستمرة ومحبته أبدية. إنها رسالة طمأنينة من المحب إلى حبيبه، تُظهر أن عناية الله بنبيه لا تعرف فتوراً ولا انقطاعاً.
كما أن الله زكاه ﷺ في مواضع متعددة، فأمره بالصلاة والاقتراب إليه في نهاية سورة العلق، بعد أن توعده أبو جهل بالويل إن لم ينتهِ عن صلاته، فقال عز وجل: ﴿كَلَّا لَا تُطِعۡهُ وَٱسۡجُدۡ وَٱقۡتَرِب﴾ [العلق: 19]. إن طلب الاقتراب من الله بالسجود هو تشريفٌ عظيم، دليل على مكانة النبي ﷺ الخاصة عند ربه.
ثانياً: حماية الله لنبيه في مواجهة الطغاة
حينما هدد أبو جهل -ذلك الطاغية المتجبر- بأنه إن رأى النبي يسجد عند الكعبة ليطأن على رقبته.. لم يترك الله نبيه ﷺ دون رد، بل نزلت الآيات من سورة العلق تحذره وتتوعد له: ﴿كَلَّا لَىِٕن لَّمۡ یَنتَهِ لَنَسۡفَعَۢا بِٱلنَّاصِیَةِ * نَاصِیَةࣲ كَـٰذِبَةٍ خَاطِئَةࣲ﴾ [العلق: 15، 16]. هذه الآيات فيها وعيد شديد لمن يتعرض لرسول الله ﷺ، بل إن الله وصف ناصيته بأنها كاذبة خاطئة، واستعد لإذلاله في الدنيا والآخرة. أليست هذه علامة محبة؟ أن يدافع الله عن نبيه قبل أن يدافع النبي ﷺ عن نفسه ويوعد أعداءه بأشد العذاب؟
ثالثاً: في الطائف.. أعظم موقف تجلت فيه الرعاية الإلهية
لكن أجلى صورة لمحبة الله لرسوله ﷺ كانت في رحلة الطائف. لقد خرج النبي ﷺ يدعو أهلها إلى الإسلام، فكان جزاؤهم أن سفهوا أمره، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، فشجوه حتى سال دمه على قدميه. في تلك اللحظة الحزينة، لم يشتكِ إلى الله بشيء من أمر الدنيا، بل رفع رأسه إلى السماء وقال: “اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس… إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي”. هذه الكلمات تزلزل القلوب، فبدلاً من أن يدعو عليهم، سأل الله العفو والرضا.
وهنا جاء الرد الإلهي المذهل: أرسل الله إليه ملك الجبال (ملك الزلازل) يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين (جبلين عظيمين) فيدمرهم جميعاً. لكن ماذا كان رد النبي ﷺ؟ قال: “لا، بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً”.
يا لعظمة محبة الله لرسوله! إنه عز وجل قد يمسخ مدينة بأكملها لأجل نبيه، لكن النبي ﷺ كان رحيماً، فأظهر بذلك شأواً في الكرم والعفو، وكأن الله يريد أن يُري الملائكة: انظروا إلى حبيبي كيف يرحم من آذوه. هذه الرعاية ليست رعاية نبي فقط، بل رعاية حبيبٍ عزيز على ربه.
رابعاً: تثبيته في الشدائد
قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَیۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِیَ نَفَقࣰا فِی ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمࣰا فِی ٱلسَّمَاۤءِ فَتَأۡتِیَهُم بِـَٔایَةࣲۚ﴾ [الأنعام: 35]. هذه الآية نزلت تثبيتاً للرسول ﷺ، بأن الله يعلم حجم الألم الذي يشعر به بسبب إعراض قومه، لكن الحل ليس في البحث عن معجزات خارقة لأنفسهم العنيدة، بل الثبات على الدعوة. وفي نهاية الآية يذكّره الله بأن الذين يستجيبون هم الذين يسمعون، وأما الموتى الذين ماتت قلوبهم فسيبعثهم الله للحساب.
فيها تعزية للمصطفى بأن النصر قادم، وأن مهمته هي البلاغ فقط، أما الهداية فبيد الله وحده. وهذا عين المحبة: أن يمسح الله على قلب نبيه في لحظات الإحباط.
خامساً: دعاء النبي ﷺ لأمته امتثالاً لمحبة ربه
وقد دعا النبي ﷺ لقومه وظل يردد: “اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون”. هذا الدعاء ليس فقط من رحمته هو، بل هو ثمرة لمحبة الله له. لأن الله علّمه أن يكون رحيماً، وأظهر له أنه بهذه الرحمة ينال الأجر وترتفع الدرجات. لقد انتصر النبي ﷺ ليس بسلاح مادي، بل بسلاح الدعاء والرحمة والصبر، حتى حفظ الله به أمته، وأوصل رسالته إلى العالمين. وهذا أعظم انتصار، لأن الله أراد لنبيه ﷺ أن يرى ثمرة تعبه بأمم تدخل في دين الله أفواجاً.
وخلاصة القول: محبة الله لرسوله نموذج يحتذَى
إن محبة الله لرسوله محمد ﷺ تجلت في كل صغيرة وكبيرة: في الآيات التي نزلت تطمئنه، وفي الملائكة التي سُخرت لخدمته، وفي الدفاع عنه أمام أعدائه، وفي تثبيته عند الضعف، وفي إجابة دعائه لأمته.
فمن أراد أن يعرف قدر نبيه فلينظر كيف يدافع الله عنه وهو في السماء، وكيف يذل أعداءه، وكيف يربيه على الأخلاق العظيمة.
وما علينا إلا أن نتعلم من هذه المحبة أن نحب نبينا ﷺ كما يحبه ربه، فنصلي عليه، ونتبع سنته، ونذب عن عرضه، ونستعد لنصرته كما نصرته السماء. فمحبة الله لرسوله هي الحجة الكبرى على صدق رسالته، وهي الباب الذي يدخل منه المؤمنون إلى معرفة عظمة من اصطفاه الله ليكون رحمة للعالمين.
نسأل الله أن يرزقنا حب نبيه، وحب ما يحبه، وأن يحيينا على سنته، ويميتنا على ملته، ويحشرنا في زمرته. آمين.





