
طبائع الكفر ومصارع الكبر (٢)
فبراير 4, 2026
اكتشاف مقبرة جماعية بحي التضامن ينكأ جروح السوريين
فبراير 5, 2026مؤمن سحنون
كاتب تونسي
يأتي هذا الكتاب، للأستاذ المؤرخ محمد إلهامي، كإضافة مميزة للمكتبة الإسلامية المعاصرة، لا في رفوفها الهادئة التي لا تشتبك مع الواقع قصد تغييره، بل في أروقتها الساخنة التي تستهدف بؤرة التغيير ومعركته، بالتالي لا يصلح هذا الكتاب إلا لمن يقرأه بقصد معرفة طريق العمل في الواقع للمشاركة والدفع نحو تغييره، أو لتلقي بيان قضية سبيل الرشاد، خاصة ونحن نعيش على مشارف تحولات تاريخية عظيمة، نأمل أن ترسو بعدها سفينة الأمة على تحرر راشد على منهاج قويم.
ومن هنا تأتي أهمية موضوع هذا الكتاب، الذي كُتب بنفس ديني، وتاريخي، وسياسي، وواقعي.
لماذا الإسلام؟!
لم يكن لهذا السؤال ليُطرح في أزمنة قريبة من عمر الأمة، لبديهية التصور الجمعي لدى المسلمين أنه لا يوجد أصلًا حل لأحد مشاكل المسلمين إلا من داخل هذا الدين، لكننا اليوم نجد أنه لا بُدّ من إعادة تقديم الإسلام من جديد لبيان مركزيته وكونه المنطلق لمعالجة كل ما يهم المسلمين في دينهم ودنياهم؛ لإماطة الغربة والغرابة التي أنشأها النشاط العلماني -وريث الاحتلال الأجنبي- الذي عمل على نشر الشبهات وهزّ ثقة (وإيمان) المسلمين بجدارة دينهم ومنهج نبيهم وسبيله في إصلاح حياتهم في أي لحظة من لحظات التاريخ.
فما هي إذن مقومات هذا الدين الإصلاحية؟
إن الإيمان بأن الإسلام هو سبيل النجاة الوحيد في الآخرة لكافٍ لأن يغمر المسلمين بالقناعة التامة بضرورة وحتمية اتباع منهجه، وإن كان هذا المنهج -وحاشا لله أن يكون- غير مؤدٍّ للفلاح الدنيوي، إن يقين البشر بحتمية الموت واعتقاد المسلمين بأن خلف هذا الموت حياة أخرى تنتظرهم بعد هذه المدة المحدودة في الحياة، إن الإيمان بهذه الحقيقة مقترن باتباعهم لهذا الدين، وإن هذا -وحده- لكفيل بأن يجعلهم لا يفكرون بأي منهج خارج هذا الدين، فمن ذا الذي يبيع حياة الخلود بأيام معدودة في الحياة الدنيا؟
فما بالك وأن هذا الدين -مع أنه هو السبيل الوحيد للنجاة في الآخرة- فهو كذلك السبيل الوحيد للفلاح في الدنيا، ولا دليل على صلاحية قيام دنيا الناس على ركائزه أكثر من الألف عام ويزيد من الزمن الذي عاشته الأمة تطبق في واقعها نظام هذا الدين في اجتماعها واقتصادها وإعلامها وسياستها، وما ضاعت دنيا الناس وسُلبت إلا يوم انفكت عُرى حكمهم بدينهم، إثر دخول مناهج الاستعمار الغربي، التي أعادت ترتيب أوضاعهم وفق نموذج الدولة القومية المعاصرة، وكان أحد أهداف ذلك سلب خيرات المسلمين الدنيوية.
وبما أن المخاطَبين بتكاليف هذا المنهج والمدعوين لسلوك هذا السبيل وحمل رسالته هم أصلًا مسلمون، يعمر الإسلام جزءًا كبيرًا من حياتهم وينظم فعليًا قسمًا مهمًا من أنشطتهم ومناسباتهم، وهذا رغم كل ما حدث في عقود التغريب، فقد بقي خيار المسلمين في لحظات تحررهم دائمًا هو هذا الدين، فليس أسهل ولا أقرب من أن يُخاطَبوا في خطاب الإصلاح بما يُخاطَبون به إذا كان المنهج هو ذات دينهم القريب لطبيعتهم وحياتهم وجزء كبير من نشاطاتهم.
ولا يمكن لفكرة أن تتجسد في واقع إذا لم تُخالط المكابدة أنفاس معتنقيها ذلك الواقع، فكم من فكرة لا تملك أن تنهض بأصحابها ليسيروا بها في طريق تحقيقها في الواقع، لما يقتضيه ذلك من تكاليف ضرورية لأي تغيير في حياة الناس، هذا بالنسبة للأفكار عامة، فما بالك أننا نتحدث عن دين ينبع من عقيدة تُخالط القلب والروح والجسد، أما الإسلام فيمكن معتنقيه بجذوة وقود من الطاقة الثورية الحركية الفائقة، أخرجت منذ ميلاد فجر هذه الأمة أجيالًا من الأبطال والعظماء والمجاهدين الذين عملوا في أقصى الظروف على تمكين هذا الدين في واقع الحياة، لنشر العدل والحرية والخير في الحياة.
وليس المسلمون -وهم المخاطبون بحمل هذه الرسالة ـ مكلفين فقط بتحرير أنفسهم بمنهج وسبيل دينهم، بل يحثهم هذا السبيل وهذا المنهج على تحرير كافة البشرية من الظلم والطغيان، إن الإسلام رسالة عالمية، تصنع رجالًا لا يرضون عن ظالم مهما كان دينه أو عرقه أو نسبه أو لونه، فهو تكليف بتحرير البشر -كل البشر- من عبادة البشر والخضوع لنظم البشر واختلال معاييرهم، إلى العدل البيّن والخير الوفير.
إنها رسالة حرية عالمية..
منهج الإسلام في السياسة
كان لغياب المنهج السياسي في الحكم في الإسلام طيلة العقود السابقة أثره في وعي المسلمين المعاصرين، إذ يتوهم الكثير منهم عدم وجود هذا المنهج أصلًا، ويتوهم غيرهم أن النموذج الغربي المعاصر هو نموذج الحرية في مقابل نموذج الاستبداد، وهذا لبعد البَين بيننا وبين الحياة في ظلال المنهج الإسلامي، فما هو هذا المنهج؟
قال رسول الله ﷺ مبينًا أن الدين جاء ليسوس حياة الناس: “كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي”، وفي هذا دليل أن السياسة هي وظيفة الأنبياء، لكن طال هذا المصطلح ـ أي السياسة ـ التشويه في واقعنا المعاصر بعد تمكن النموذج الغربي المادي وهيمنة مفاهيمه، فأصبحت السياسة تعني عند عموم الناس الكذب والبراغماتية والانتهازية والوعود الزائفة، حتى إذا سمع الناس بمنهج سياسي للإسلام، سارعت العقول إلى تلك الصورة النمطية التي أنتجتها السياسة الغربية ـ وفي بلاد الإسلام بالتبعية للنموذج الغربي ـ خاصة بعد تجارب فاشلة كانت في ظاهرها مسحة من الدين لكنها سارت في مسار النموذج الوافد، بل ابتلعها فخ النموذج الغربي داخل مصيدته، وبلغ بها أن أسلمت هذا النموذج.
إن السياسة في الإسلام كما عرفها ابن خلدون “هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي من مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبار بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به”. وكما قال الجويني: “الإمامة رياسة تامة وزعامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا”.
فالأمر إذن مختلف اختلافًا واسعًا مع السياسة بمفهومها الغربي، ففي الإسلام يحتكم الناس (الحاكم والمحكوم) لقيم جاء بها الوحي، لا هي من عند الحاكم ولا يملك أن يغير فيها أو يبدلها بما يلائم أهواءه ومصالحه.
وجريًا على التقسيم المعاصر لعلم السياسة، الذي ينقسم إلى نظرية سياسية ونظم سياسية وعلاقات دولية، على أن النظرية هي مجمل الأفكار ورؤية أصحاب الحكم للحياة، ينبثق عن تلك النظريات نظم سياسية، وهي التطبيق العملي للنظرية، وبقدر ما يكون الفارق بين النظريات والأفكار يكون الفارق بين النظم، وفي عالمنا المعاصر الذي هيمن عليه النموذج الغربي أصبحت “الدولة” مبحثًا منفردًا عن النظام السياسي، لأن نموذج الدولة أصبح أداة من أدوات النظام العالمي، يتدخل لتغيير حكامها ويعطي شرعيتها أو ينزعها وقتما وكيفما يشاء.
كانت وما زالت أزمة المناهج الحاكمة هي إيجاد التوازن بين الحرية والأمن، وقد يبدو للوهلة الأولى لمن يرى النموذج الغربي المعاصر أنه حقق هذا التوازن، لكن الحقيقة غير ذلك.
وإذا كان ولا بد من الانطلاق من الواقع الذي نحياه بقصد إحداث التأثير التغييري الشامل، تعترضنا مسألة استخدام الموازنات في عناصر هذا الواقع، إلا أنه قد شاب هذا المصطلح ـ الموازنات ـ ما شابه من سوء الفهم وسوء التوظيف، إذ تتحول المسألة إلى تبرير تراجع عن حق ممكن، وتمركز حول مصلحة الكيان، أو إسباغ الحركة في الواقع صبغة منحرفة تحت غطاء الموازنات. فإن كان من ضرورة لتفعيل التوازنات في الواقع، فلا بد أن ينطلق هذا التفعيل من نفسية متجردة للحق، تعمل لمصلحة الإسلام والمسلمين والأمة، تجتهد وتثابر لتجد نقطة الاتزان للموازنات بلا تفريط في حق ولا إفراط في حذر، ولا تبديد طاقات المسلمين ولحظاتهم الفارقة في مسارات وهمية.
بين نموذج الإسلام ونموذج الغرب
أما منهج هذا الدين فإنه يقوم على ركائز متينة: منها كونه ينطلق من عقيدة “لا إله إلا الله”، وهذه الكلمة هي المبدأ التحريري الأكبر، الذي منه تنبثق التصورات وطبيعة العلاقات، فبما أننا نؤمن بأنه لا إله إلا الله الواحد القهار، فهذا يعني أن ما سوى الله مهما كانوا فهم ليسوا بآلهة ولا يُصرف الخضوع إلا لله وحده، فلا إله إلا الله تجرد كل الناس من سطوة ادعاء أحقية الطاعة لذواتهم، ما يحرر هذه البشرية من أغلال الخضوع للبشر ولأهواء البشر.
ولا إله إلا الله تعني فيما تعنيه أن الخالق والآمر هو الله سبحانه، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]، فلا قوانين ولا تشاريع متبعة إلا التي شرعها الله خالق هذه البشرية لتنظيم حياة هذه البشرية، ولا خضوع لأوامر ونواهٍ إلا إذا كانت مصدريتها هذا الدين الذي أقره الله للبشر.
تلك الشرائع التي لم يكتبها الناس في لحظة انتصار ما، أو لم تدونها أيادي العباد بعد اجتهاد في إقرارها، بل نزلت من عند الله الواحد، نزلت فتلقتها النفوس المؤمنة بيقين أنها المنظومة القيمية المثلى لترتيب وتنظيم وحكم حياة الناس، طالما هي من عند الله سبحانه وعن طريق رسوله ﷺ.
وبما أن منظومة التشريع في الإسلام من عند الله، وليست من عند الحاكم أو من عند مجالس تشريعية وضعية، يكون بالتالي لهذا التشريع الهيمنة على الجميع، الحاكم والمحكوم.
فلا أفضلية للحاكم في التعامل مع هذا التشريع بالتغيير أو التنقيح أو التبديل، بل إن طاعة المحكومين لهذا الحاكم منوطة باتباعه لهذه التشاريع، وكل خروج عن ذلك الاتباع يحتم انفكاك روابط طاعة المسلمين لحاكمهم.
فضلًا عن تميز الشريعة في الإسلام ببساطة طرحها وقربها من الجماهير، وليست معقدة تعقيد القوانين الوضعية المعاصرة، بل يسهل لعامة المسلمين معرفتها، وبالتالي مراقبة سلامة اتباعها وحسن إقامتها في المجتمع، ما يحوّل كل المجتمع إلى حارس يقظ، تمنع حراسته من طغيان الحاكم ومن الظلم والتحريف.
وقد أشيع أن النموذج الغربي في السياسة متميز بميزة الفصل بين السلطات الذي يمنع طغيان الجمع بينها، وهي علامة تدعم الحرية فيه، لكن إذا دققنا في حقيقة هذا النموذج سنجد أنه على نوعين: نوع حكم برلماني مركز السلطة فيه هو رئيس الحكومة، ونوع رئاسي مركز السلطة فيه هو الرئيس.
وفي حالة الحكم البرلماني لا يخرج الأمر عن حالتين: حالة تكون فيها الأحزاب متشاكسة ولا يمثل أحد منها ثقلًا كبيرًا، وفي هذه الحالة تتشكل الحكومات الائتلافية التي تنهار بانسحاب العضو والعضوين ليعاد تشكيل حكومة جديدة وهكذا، ما ينتج وضعًا من عدم الاستقرار، والنوع الثاني هو أن يكون هناك حزب كبير يستحوذ على الأغلبية الساحقة، فيشكل هذا الحزب بأغلبيته البرلمانية الحكومة ويكون هناك استقرار نسبي، لكن في هذه الحالة يستحوذ رئيس الحكومة على السلطات الثلاث، فالفوز بأغلبية برلمانية يعطيه الاستئثار بالسلطة التشريعية في البرلمان، وإذا استحوذ على التشريع استحوذ على السلطة القضائية، ثم هو يسيطر على السلطة التنفيذية بكونه رئيسًا للحكومة، ما يسهل عليه تباعًا السيطرة على الإعلام الذي هو بمثابة السلطة الرابعة.
وهذا النظام البرلماني إذن بين طريقين: إما طريق التشرذم والفوضى، وإما طريق استئثار حزب واحد والطغيان الناتج عن السيطرة على السلطات الأربع.
والنوع الثاني هو النظام الرئاسي، وهو على حالين: إما أن يكون الرئيس من نفس الحزب الحاكم صاحب الأغلبية البرلمانية، ما يؤدي إلى استئثاره بالسلطات الثلاث تشريعية وتنفيذية وقضائية ومعها الإعلام، وإما أن يكون الرئيس من حزب وغالبية البرلمان من حزب، وهنا ندخل في تنازع بين من يملك السلطة التنفيذية ومن يملك السلطة التشريعية وسباق بينهما على الاستئثار بالسلطة القضائية والإعلام.
لهذا أقر كثير من الغربيين بعدم حقيقة مبدأ الفصل بين السلطات في النموذج الغربي، وأن هذا المبدأ في الواقع غير فعال وغير حقيقي، خاصة في اللحظات الحرجة التي تعصف بها القلاقل السياسية بالحكومات، إذ يبرز بالفعل احتكار السلطة عند من يملك السلطة التنفيذية. لكن ما هو الوضع بالنسبة للحاكم في الإسلام فيما يتعلق بمسألة الفصل بين السلطات؟
إن الحاكم في الإسلام أو الخليفة وإن كان يملك السلطة التنفيذية، لكنه لا يملك السلطة التشريعية، لأن التشريع منزل من عند الله، ولا يستطيع الحاكم في الإسلام إلا الإذعان والتحاكم إليه، فهو سلطة أعلى من الحاكم، وإذا كان الحاكم لا يملك السلطة التشريعية فهو لا يملك السلطة القضائية، إنه يعين القضاة، لكنهم يحكمون بشرع الله لا بأهواء الحاكم، كما يتدرج القاضي في الإسلام عبر سلم تعليمي لا دخل للحاكم في كتابة مناهجه التعليمية ولا في السيطرة على مؤسساته التربوية، فتلك مهمة العلماء الربانيين الذين يعملون في استقلال تام عن مؤسسة السلطة، خاصة فيما يخص محتوى البرامج التعليمية والمؤسسات العلمية.
فإذا كان الحاكم في الإسلام غير مسيطر على السلطة التشريعية ولا القضائية فهو كذلك ليس بيده السيطرة على السلطة الإعلامية، التي تعود إلى علماء المسلمين ووعاظهم وشعرائهم، صحيح قد يتقرب أحد هؤلاء للقصر فيمدح شاعر ما الحاكم، وقد تتداول أشعاره بين الناس، لكن ذلك يتم بوعي من المجتمع أن القائل ما قال الذي قاله إلا لطمع في ما عند الحاكم.
لذلك كله نقول بوضوح: إن أشد حكام التاريخ الإسلامي استبدادًا كانت صلاحياته أقل كثيرًا من أكثر حكام الديمقراطية المعاصرة.
وللحديث بقية في المقال القادم، إن شاء الله.





