
الاحتلال يقتحم الأقصى ويصعّد الهدم بالقدس
فبراير 4, 2026
قراءة في كتاب سبيل الرشاد.. معالم طريق التحرر الإسلامي (1/2)
فبراير 4, 2026أحمد هاني
كاتب وطالب بكلية الطب
ومن طبائع الكفر أنه يتعامى عن جرائمه التي تجلت، وخبائثه التي أطلت، ثم يتصدر قاضياً على جماعة الإسلام إذا أخطأت أو زلّت.. في تجسيد حي للمثل الشهير “رمتني بدائها وانسلت”!
ولتبحر معي في أغوار أكثر القصص تكراراً في القرآن الكريم، قصة أعتى طغاة التاريخ فرعون مع نبي الله موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام. حينما أتى نبي الله موسى يدعو هذا الطاغية إلى عبادة الله الواحد الأحد والكف عن تعذيب بني إسرائيل وإرسالهم معه؛ فاستخدم الطاغوت -كعادته- ماضي موسى عليه السلام لمحاولة التشويش على دعوته أمام الملأ.. فقال فرعون ﴿قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِینَا وَلِیدࣰا وَلَبِثۡتَ فِینَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِینَ * وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِی فَعَلۡتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ﴾ [الشعراء: ١٨-١٩].
هنا يقف العقل مندهشاً، والفطرة تُصدم، والمنطق ينقلب رأساً على عقب، أمام ما قاله فرعون!
فرعون الذي كان يصدر الأوامر بارتكاب أبشع الجرائم التي ينهى عنها كل دين وتشمئز منها كل فطرة وهي “قتل الأطفال”، قتل سنوي للأطفال! ثم قتل سنة وترك سنة! يدعي أمام موسى الإنسانية والفضيلة ويعيره بأنه “قتل نفساً بغير حق”!
وانظر إلى أي مدى وصل ادعاء فرعون للإنسانية والفضيلة إلى الحد الذي جعله يقول “وفعلت فعلتك التي فعلت”! ويكأن “إنسانية” و”رقة” فرعون جعلت لسانه لا يستطيع التلفظ بلفظ الجريمة لأن لسانه دائماً رطب بذكر “الإنسانية والعدل والحق”!
***
ثم يتكرر نفس هذا المشهد بعدها بألفي سنة مع نبينا ﷺ ومع فراعنة ذلك الزمان.. أرسل رسول الله ﷺ سرية بقيادة عبد الله بن جحش رضي الله عنه لاعتراض قافلة لقريش بقيادة عمرو بن الحضرمي، وبالفعل استطاعت السرية الاستيلاء على الأموال وقتل عمرو بن الحضرمي، وكان هذا على الراجح في شهر رجب وهو من الأشهر الحرم التي يحرم فيها القتال.
فعيّر المشركون المسلمين بأنهم لا يراعون حرمة الأشهر الحرم! نعم إنهم المشركون! تخيل معي أبا جهل الذي قتل ياسر رضي الله عنه الشيخ الكبير من كثرة تعذيبه له، وقتل زوجته العفيفة سمية رضي الله عنها وطعنها بحربته، وكان يعتدي على رسول الله ﷺ سباً وتحقيراً في قلب الحرم! يتحدث عن “إرهاب” محمد وصحبه وكيف أنهم لا يراعون حرمة الشهر الحرام!
تخيل معي أن هؤلاء المشركين الذين صدوا عن سبيل الله، وعذبوا من آمنوا به، ثم أخرجوهم وهجروهم من ديارهم.. من المسجد الحرام! يتحدثون عن “الحرمة”!
فأنزل الله تعالى قوله: ﴿یَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالࣲ فِیهِۖ قُلۡ قِتَالࣱ فِیهِ كَبِیرࣱۚ﴾، أي أن القتال في الأشهر الحرم إثم عظيم ومستنكر عند الله، ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ﴾، كما أن الصد عن سبيل الله والكفر به أيها المشركون عظيم ومستنكر، وإخراج أهل المسجد الحرام منه أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام. ﴿وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ﴾ [البقرة: 217] أي أن الشرك الذي أنتم عليه أشد وأعظم عند الله من القتل.
ويجب عليك أخي المسلم أن تتمعن في طبيعة الرد الإسلامي على مثل هذه الهجمات الإعلامية الشركية، فلا تكون منهزماً أمام المشركين كما يفعل اليوم بعض المنتسبين إلى الدعاة والمشايخ! بل تحق الحق وتذكر الباطل بأن جرائمه وخبائثه أشنع وأقبح وأعظم من زلات بعض المسلمين المنحرفين.
***
ثم يتكرر المشهد مجدداً في القرن العشرين والواحد والعشرين.. فيقوم “الدعاة على أبواب جهنم” بتصوير وإنتاج أعمال سينمائية ودرامية يصورون فيها المتدينين والمتدينات على أنهم إرهابيون وإرهابيات! متناسين الإرهاب الذي يمارسونه على شعوبهم من قمع وقهر في سجونهم ومسالخهم البشرية! وبضع نظرات في رواية “يسمعون حسيسها” أو “شذرات من أقبية الأبالسة” أو “القوقعة” كفيلة بأن تجعلك تعتقد بأن هؤلاء ما هم إلا شياطين في جثمان إنس!
أنست مظالمهم مظالم من خلوا ** حتى ترحمنا على نيرونِ
يصمون الملتزمين والملتزمات بالسقوط الأخلاقي في أفلامهم ومسلسلاتهم، بينما هم من يتولون كبر الفسق والفجور أمام الناس على الشاشات ناشرين الدياثة والخلاعة والخباثة! في مشهد مضحك..
وكم ذا بمصر من المضحكات ** ولكنه ضحك كالبكا
مشهد عنوانه: “إنه عادل إمام، أتاكم يعلمكم أمور دينكم “!
ثم انظر إلى “عاد الثانية” عذراً أعني الولايات المتحدة الأمريكية، راعية الحرية والسلام في العالم، تلقي قنابل نووية على مدينتي هيروشيما وناجازاكي وتمسح هذه المدن بسكانها من الوجود، ثم تقوم بتصنيف جماعة (الإخوان المسلمين) منظمة إرهابية! الذين لا أعلم لهم بلداً عربياً أو إسلامياً لم ينكل بهم فيه!
أمريكا التي احتلت أفغانستان وشردت الملايين من الأفغان وحاصرتها اقتصادياً وأفقرت وجوّعت الشعب الأفغاني تصف طالبان بأنها منظمة إرهابية! أما هي فقد أتت لنشر السلام والديمقراطية!
أمريكا التي حاصرت العراق بمعاونة “الدعاة على أبواب جهنم” ثم انقضت عليه تحتله وتقتل أهله وتنشر فيه الخراب والنزاعات الطائفية بأسلوب أنجلوساكسوني خبيث! لا أجد ما يعبر عنه سوى المثل الأيرلندي: “إذا رأيت سمكتين تتشاجران في المحيط فاعلم أن بريطانيا زارت إحداهما بالأمس”، وما أشبه أمريكا بأمها بريطانيا!
تصف المقاومين في العراق من أهل السنة بأنهم إرهابيون وجب محاربتهم! لأنهم خطر يهدد عملية نشر السلام والديمقراطية!
أمريكا التي أكلت أصنام “المواثيق الدولية” و”احترام سيادة الدول” وقامت منذ أسابيع بشن حملة عسكرية على فنزويلا وخطف رئيسها وزوجته في مشهد فج أمام العالم “الحر”! ما زالت ترى في الإسلاميين بكل طوائفهم رعاة للإرهاب يهددون السلم الدولي والنظام العالمي القائم على الحرية والعدالة واحترام سيادة الدول بالطبع!
وكم من المشاهد والأمثلة، والأحداث والأزمنة، التي تستطيع منها استخلاص هذا الطبع الكفري، ويكأنه جين من جيناته، وحلقة أساسية من حلقاته، فلابد للكفر من أن يلمع نفسه، ويغسل سمعته، ولابد له أن يشوه الأتقياء، ويشنع على الأنقياء، فكيف وأنت قد علمت أنه فعلها مع الأنبياء!
وهكذا، فليس عجيبًا أن يُخوِّنوا الدعاة، ويُجرِّموا المصلحين، ويُشيطنوا المقاومين؛ فذلك هو دأب الكفر منذ قال فرعون: “وفعلت فعلتك التي فعلت”، وسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فاطمئن أيها المسلم: كلما اشتد صراخهم باسم الإنسانية، فاعلم أن جرائمهم قد فاحت رائحتها.





