
شياطين الإنس والميثاق الغليظ
يونيو 6, 2026
النبي محمد ﷺ في القرآن الكريم.. تجليات الرحمة والكمال الإنساني
يونيو 6, 2026بقلم: الشيخ حسن الخطيب – عضو رابطة علماء فلسطين
عندما بُعث الله محمداً ﷺ رسولاً للعالمين، لم يكن اعتراض كفار مكة على شخصه الكريم ﷺ، فهم يعلمون أنه الصادق الأمين ﷺ، فعن علي رضي الله عنه أنه قال: قالَ أبو جَهْلٍ للنَّبيِّ ﷺ: “إنَّا لا نُكَذِّبُكَ، ولَكِن نُكَذِّبُ ما جئتَ بِهِ”. فأنزلَ اللَّهُ: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾1.
فكان الاعتراض على هذا الدين ومنظومته الجديدة التي تخالف المنظومة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وفكرة (الاستبداد والهيمنة) القائمة كفكرة متجذر في عقول المستكبرين المجرمين، كما أن الاستعباد متجذر في عقول الفئة المنتفعة من الفئة الحاكمة وأتباعهم من العبيد، وهذا ما قاله المتنفعون من تَأَلُهِ فرعون ونظامه الاستبدادي، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨].
الطوفان يهز عرش الاحتلال وأعوانه
يعلم رجال الطوفان -بفضل الله تعالى- أن الطوفان سيهز عرش الاحتلال وكل المنتفعين بوجوده من المطبعين والمزمرين والمرجفين، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، ليس فقط في منطقتنا العربية، بل عالمياً.. فالحراك الشعبي العالمي ضد اليهود فوق المتصور، من خلال المعطيات التالية:
ـ حجم الإجرام اليهودي في غزة فاق كل التصورات، الذي أيقظ كل الضمائر الحية في العالم.
ـ كشفت حرب الإبادة على غزة طبيعة النفس العدوانية لليهود ضد الغير.
ـ فضح الطوفان كل الأنظمة ذات العلاقة الخفية مع العدو الصهيوني.
ـ أدركت معظم شعوب الأرض خطورة الوجود اليهودي في بلادها.
ـ بالتالي تحركت جيوش المعترضين والمحتجين ضد الحرب في كل مكان، وكل الأقلام لتجود بمدادها، وتعلو بأصواتها، بعد أن كان الاقتراب أو حتى المس باليهود من المحرمات.
ـ كشف الطوفان حجم المؤامرات التي تحيكها الجماعات الصهيونية في معظم بلاد العالم وخاصة الإسلامية، ليكون ذلك إيذاناً بفضيحة المطبعين وسقوطهم.
ـ تورط الكثير من الدول لنهب ثروات الشعوب امتداداً لنظام السيطرة الاستعمارية، لتكون بداية السقوط المدوي للمنظومة الصهيوغربية.
لتسمعن الأذى الشديد
لقد أدرك العدو الصهيوأمريكي، ومن معهم من المجرمين والعبيد خطورة الطوفان والحراك العالمي ضدهم، بعد أن انهارت نظرية الردع على يد رجال الطوفان يوم السابع من أكتوبر..
فكان لا بد لهم من نظرية حاسمة جديدة تعيد لهم هيمنتهم وهيبتهم على المنطقة على جميع المستويات المحلية والإقليمية والدولية، باستخدام نظرية الدفاع الشامل التي تعتمد استخدام القوة المفرطة لتحقيق النصر المطلق بكل أبعاده، وهذا ما فعلوه، بمساعدة ماكينة الإعلام الغربية والعربية، وأبواق الحقد والحسد والعهر والفجور، ومئات الآلاف من الأطنان المتفجرة والصواريخ والقنابل لبث الرعب والخوف ليقبل الناس بالهزيمة بشكل سريع، فبداية الحرب على غزة وعد (بلينكن) وزير خارجية أمريكا الشخصيات التي التقى بها في المنطقة أن الحرب لن تطول أكثر من ثلاثة أسابيع على غزة، وها هي تقترب من السنة الثالثة..
كما في الحرب على إيران قال ترمب إن الحرب ستستغرق عدة أيام فقط.. وما زالت الحرب مستمرة، لم يحققوا شيئاً.
فكان منهج التدمير الشامل لكل شيء، والذي يرافقه إعلام خبيث كاذب، يبث سمومه في كل مكان لجهة الاستضعاف والإبادة لإضعاف الخصم نفسياً وعسكرياً، قال الله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، في هذه الآية يبين الله تعالى أن حجم القوة المفرطة ستنال من الأموال والأنفس، لكنها لن تنال من عزيمة الرجال وإرادتهم، وسيرافق هذه القوة العسكرية قوة إعلامية بمئات الإعلاميين الحاقدين؛ من سحرة ومشايخ كذبة ومأجورين فسفة ليكونوا أبواقاً إرجافية، تتحرك من خلالهم الأفاعي والعقارب بكل اللؤم والحقد لِيُسْمِعُوا خصومهم الأذى الشديد، ليتزامن سُّمَّهم مع إلقاء القنابل والصواريخ المدمرة في كل مكان في نفس الوقت.
ومع ذلك فشلوا فشلاً ذريعاً، وما زالت الحرب على غزة مستمرة، ولم يحققوا من إجرامهم سوى الدمار والقتل، ولتنهار نظرية الردع الجديدة ثانيةً.
ويعود أهل مسجد الضرار ثانية
إن من أعظم ما حققته الصهيونية العالمية في حربها ضد الإسلام والمسلمين واحتلال ديارهم، أنِ استخدمت عدداً لا بأس به من مدعي العلم وشيوخ السلطان؛ للطعن في رجال الله الذين أفشلوا بفضل الله تعالى بثباتهم وصمودهم كل مخططات الإبادة..
هؤلاء الذين يقومون بدورهم السيئ في كل الحروب التي تُشن على الإسلام وأهله، منذ منافقي أهل مسجد الضرار، إلى أبواق المتخاذلين في زماننا، أهل القعود المتخلفين، الذين هم ضد كل ناجح ومبدع من علماء الأمة المجاهدين، بافتراءاتهم وأكاذيبهم وتضليلهم، بِلَيِّ أعناقِ النصوص، افتراء على الله، وتضليلاً للسذج من الناس وعوناً للمعتدين، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧].
ولأن حبل الكذب قصير، وأن كل ما افتراه المرجفون المكذبون ينافي عقيدة الولاء والبراء، والنصرة والمحبة، بل كان ذنب شيوخ السلطان الأبشع، ما تحركت قلوبهم قبل ألسنتهم، وحثوا عليها بأفعالهم، من ذلك:
ـ أولاً إنهم أعوان الاحتلال في ترديد سرديته وروايته.
ـ اعتماد منهج الكفر في تفتيت الأمة، وأن أمة محمد ﷺ ليست أمة واحدة، بل أمماً وشعوباً متباينة في عباداتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وأن كل امرئ مرجع مسؤوليته دويلته.
ـ اعتماد المنهج الدولي في العلاقات الدولية.
ـ القيام بدور المنافقين الأُوَل في طعن وخذلان المجاهدين.
ـ الاستهزاء بكل جهد بشري لرجال الله.
ـ تعظيم عمل الكافرين والاغترار بهم.
ـ الاستسلام لمقدرات العدو الكافر.
ـ نفي موعود الله ونصره، وعدم الاعتماد عليه.
ـ الاعتماد على قدرات المرء وقطع أمله بالله، لنفي مبدأ التعاون ومنهجه.
ـ وأخيرا وليس آخراً تخصيص الاهتمام بعداوة واحدة، بمعنى أن بعضهم يختص بعداوة البوذية وبعضهم بالهندوسية، وبعضهم بالمجوسية، وآخر بالوثنية، وآخر باليهودية وآخر بالنصرانية… إلخ.
وهذا لا يكون إلا عند الطلب.. ولا يجوز لأحدهم الاقتراب من اليهودية والنصرانية..
وهذا سبب فشلهم أولاً بفضل الله تعالى، ثم بصبر أهل غزة وثباتهم، وانتظارهم لموعود الله والرضا بقدره، فقدموا لأجل ذلك الدماء الزكية المقرونة بإيمانهم، الذي فضح كل ادعاءات المعتدين ونذالة المتخاذلين، وليعلم الناس زيف الرواية الصهيونية وحقيقة الصراع على أرض فلسطين، وأنه حقاً قول الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢].
إن الله ناصر دينه ومُظهر نبيه ﷺ
عندما اشتدت وطأة الكفار على النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم، خرج ﷺ إلى الطائف ليجد ما وجد في مكة، ثم ليرجع إلى مكة ويقف على أبوابها ليقول زيد بن حارثة رضي الله عنه لسيدنا رسول اللّه ﷺ: “كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟” يعني قريشاً، فقال ﷺ: “يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه”2.
ويقف أهل غزة على أبواب الحج والعيد وقد حُرِمُوا جمال هذه الأيام، ولكنهم ما حُرموا ثقتهم بالله وانتظار موعود الله.
بأي حال عُدتَّ يا عيدُ؟
يستقبل أهل غزة عيد الأضحى وأيام الحج، وقد مُنِعُوا من الحج والمناسك والشعائر والأضحيات.. وما حرموا حُسْنَ ظَنِّهِم بالله وثقته به وبنصره، لا يثنيهم عن ثباتهم وصبرهم ظلم المجرمين، ونذالة المتخاذلين.
يأتي الحَجُّ عليهم للمرة الثالثة، وهم في الخيام محبوسون، ليس لعذر فيهم، بل لحابس الكفر والظلم والطغيان والحرب الضروس والحصار والخذلان الرسمي والشعبي، فستة أعياد تمر على غزة والخوف والجوع والحصار والموت والدمار والنزوح والجراح النازفة، ضيوفاً دائمين لا يغادرون أهل غزة، يُحِلُون حيث حَلَّوا، ويرتحلون حيث ارتحلوا، رغم اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أطلق يد الغدر والخيانة، وكبل يد المقاومة، باستمرار القصف والاغتيالات، دون توغل، بعيداً عن أعين الإعلام الذي انشغل في مشاكل جانبية، وقد عَمِي عن دماء المسلمين في غزة، ومنع الحَجِّ للسنة الثالثة، ورغم ذلك لم يُحَرِّك أحد من أهل الإسلام ساكناً، لا على الفريضة، ولا شلال الدم النازف!
بل ازداد طعن المتخاذلين والمرجفين في أهل غزة المجاهدة، في الوقت الذي حلّ وقت الحج وطواف المسلمين حول الكعبة، أهل غزة ينزحون من مدينة إلى مدينة، ويطوفون من حَيٍّ إلى حَيٍّ، ومن زقاق إلى زقاق، عندما استجابوا بالطوفان لنداء الجهاد، يدعون بعزة الكرام وصبر الأباة المؤمنين الثابتين رب الأنام، وهم يواجهون بأكفهم مخرز شر الطغيان والعدوان ونذالة الخذلان!
بعد أن فقد الناس الحياء وماء المحيا، غزة تنزف ماء الحياة في سبيل الله وفداء لأمة الإسلام، بكل الوجع والألم، وأبناؤها يتضورون جوعاً..
تساؤلات يفرضها دخول الحج للمرة الثالثة
ـ يجيب عليها شيوخ السلطان الذين تلطخت ألسنتهم بأعراض أهل غزة..
ـ يجيب عليها مَن رأى بلاد المسلمين منتهكة بقواعد الكفر والكافرين ولم يحرك ساكناً..
ـ يجيب عليها من تجاهل القرآن وآياته..
ـ يجيب عليها من انشغل عن مسرى الرسول ﷺ وهو يُدَنَّسْ من المحتل البغيض..
ـ يجيب عليها من اتخذ عدواً غير ﴿أشد الناس عداوة للذين آمنوا﴾..
ـ يجيب عليها من اتهم أهل غزة في دينهم..
ـ يجيب عليها من برأ عدو الإسلام والمسلمين والأشد عداوة للذين آمنوا..
ـ يجيب عليها من يحج كل سنة وأهل غزة ممنوعون من الحج..
السؤال الأول: ما معنى قول الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون أخوة﴾؟
السؤال الثاني: ما معنى قول الرسول ﷺ: “لا تَحاسَدوا، ولا تَناجَشوا، ولا تَباغَضوا، ولا تَدابَروا، ولا يَبِعْ بَعضُكُم على بَيعِ بَعضٍ، وكونوا عِبادَ اللهِ إخوانًا. المُسلِمُ أخو المُسلِمِ، لا يَظلِمُه، ولا يَخذُلُه، ولا يَحقِرُه”3.
السؤال الثالث: ما معنى قول الرسول ﷺ: “المُؤمِنونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهم، ويَسعى بذِمَّتِهم أدناهُم، وهُم يَدٌ على مَن سِواهُم”؟4
السؤال الرابع: ما هو واجب المسلمين إذا احتُلت ديار المسلمين أو قُطراً من أقطارها؟
السؤال الخامس: ما حكم تحالُف بعض دول المسلمين مع الكيان الصهيوني ﴿أشد الناس عداوة للذين ٱمنوا﴾؟
السؤال السادس: ما حكم من تَسَيَّدَ أرضاً.. وإخوانه وأبناؤه من أهل ملته في قبضة عدو لئيم يستخدم كل أساليب الخسة والنذالة لقتلهم وتجويعهم وإذلالهم؟
السؤال السابع: ما حكم من بات شبعاناً.. وأمه وأبوه في ذل الهوان وقسوة الجوع والعطش مسربلين؟
السؤال الثامن: ما حكم مَن في النهار لاهٍ وعلى فراشه الوثير آمن، وأهل غزة يفترشون الأرض ويلتحفون السماء؟
السؤال التاسع: ما حكم من افتتح دور الخنا والعهر والفجور في بلاد المسلمين، وأهل غزة يُمْنَعُونَ من الحج ويتضورون في خيامهم جوعاً؟
السؤال العاشر: أيهما أولى: الحج أم الجهاد؟ في زمن معظم بلاد المسلمين محتلة، وقد استخدم العدو معظم بلاد المسلمين يسلب خيراتها وينهب مواردها ومقدراتها؟
وننتظر الإجابة يا علماء الأمة!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 عمدة التفسير ج١ ص٧٧٠، وأخرجه الترمذي برقم ٣٠٦٤ بسند صحيح، وغيره.
2 زاد المعاد لابن القيم، ج3 ص٣٠.
3 رواه مسلم.
4 رواه أبو داوود والنسائي وغيرهما بسند صحيح.





