
الهند تشهد موجة احتجاجات غير مسبوقة تحدياً لحكم مودي وقوائم الناخبين
أكتوبر 29, 2026
فاتورة.. قادتني إلى الإسلام!
أكتوبر 30, 2026
إسحاق موانزا – أحد المسلمين الجدد من دولة ملاوي
اسمي إسحاق موانزا، أعمل سائقًا لحافلة صغيرة في مدينة ليلونغوي، ملاوي. كنت أتنقل كل يوم بين الأحياء والأسواق والمحطات، وأعرف الطرق الرئيسية والفرعية أكثر مما أعرف بعض أفراد عائلتي. كان عملي يعتمد على الانتباه؛ فالراكب يريد أن يصل في الوقت المناسب، والطريق المزدحم لا يرحم من يسرح بفكره، والسيارة القديمة التي أقودها كانت تحتاج مني إلى عناية مستمرة. كنت أقول دائمًا إنني أعرف كيف أصل إلى أي مكان، لكنني لم أفكر يومًا في سؤال مختلف تمامًا: إلى أين تمضي حياتي نفسها؟
لم أكن شخصًا متدينًا بالمعنى الذي يتصوره الناس، ولم أكن معاديًا للدين أيضًا. كنت أؤمن أن هناك خالقًا لهذا العالم، وأذهب أحيانًا إلى الكنيسة مع أمي في المناسبات، ثم أعود إلى حياتي المعتادة. لم أكن أقرأ كثيرًا، ولم تكن لدي رغبة حقيقية في الدخول في نقاشات دينية. كنت أرى أن كل إنسان يختار ما يناسبه، وأن الأفضل ألا يتدخل أحد في معتقد الآخر.
لكن بعض الأسئلة لا تستأذن عندما تدخل إلى رأسك!
بدأت قصتي في صباح ممطر. كنت أقود الحافلة في أحد الشوارع المزدحمة عندما طلب مني أحد الركاب أن أتوقف قليلًا عند مسجد صغير على جانب الطريق. أوقفت السيارة، فنزل الرجل، ثم رأيته يتوضأ عند مكان مخصص بجوار المسجد قبل أن يدخل. كنت قد رأيت المسلمين يصلون مئات المرات، لكنني في ذلك اليوم لاحظت شيئًا لم أنتبه إليه من قبل. كان الرجل مستعجلًا في طريقه، ومع ذلك توقف للصلاة وكأن هناك موعدًا لا يستطيع تأجيله.
عندما عاد إلى الحافلة سألته دون تفكير: ”ألا تستطيع الصلاة عندما تصل إلى مكانك؟“
ابتسم وقال: ”أستطيع أن أؤجل أشياء كثيرة، لكنني لا أريد أن أؤجل صلاتي“. لم أجادله، لكن لم تمر إجابته عليّ مرور الكرام!
في المساء، وبينما كنت أنظف الحافلة، وجدت نفسي أفكر فيها. أنا كنت أؤجل أشياء كثيرة: زيارة أمي، الاتصال بأخي، إصلاح بعض الأخطاء المالية، وحتى التفكير في مستقبلي. كنت دائمًا أقول إن الوقت سيأتي.
فلماذا كان هذا الرجل يتعامل مع الصلاة كأنها موعد لا يمكن تأجيله؟!
في الأيام التالية بدأت ألاحظ المسلمين من حولي بطريقة مختلفة. لم أكن أراقبهم لأحكم عليهم، بل لأن السؤال أصبح يهمني. رأيت بعضهم يترك عمله دقائق للصلاة، ورأيت آخرين يصلّون في أماكن بسيطة جدًا، ولم أفهم لماذا يمنحون الصلاة هذه المكانة.
ذات يوم سألت زميلًا مسلمًا يعمل في محطة الحافلات. قال لي إن الإسلام يبدأ من التوحيد، أي أن الإنسان يعرف أن الله واحد، وأن العبادة حق له وحده. ثم تحدث عن الصلاة باعتبارها صلة دائمة بالله، وليست مجرد حركة يؤديها الإنسان.
قلت له: ”لكن لماذا تحتاج إلى الصلاة خمس مرات؟ ألا يكفي أن تؤمن بالله؟“
قال: ”لو كان الإيمان مجرد فكرة في الرأس، ربما كفى أن تقول إنك تؤمن. لكن الإنسان ينسى، ولذلك يحتاج إلى أن يعود إلى الله باستمرار“.
أعجبتني الفكرة، لكنني لم أعتبرها دليلًا يقودني إلى الإسلام.
بدأت أبحث بنفسي. قرأت عن التوحيد، ثم عن القرآن، ثم عن النبي محمد ﷺ. كنت حذرًا جدًا؛ لأنني لم أُرِد أن أتخذ قرارًا بسبب إعجابي بسلوك شخص أعرفه.
كلما قرأت أكثر، بدأت أجد أسئلة جديدة. كيف نعرف أن القرآن وحي؟ كيف نعرف أن محمدًا ﷺ نبي؟ لماذا يرفض الإسلام فكرة الوسيط بين الإنسان وربه؟ وهل الإسلام دين خاص بالعرب أم رسالة للناس جميعًا؟
قررت أن أبحث عن شخص يمكنه أن يناقشني دون أن يحاول دفعي إلى قرار سريع. وصلت إلى مشروع بصيرة، وتواصلت مع أحد المحاورين. قلت له منذ البداية: “لا أريد أن تقول لي إن الإسلام جميل. أريد أن أعرف لماذا هو حق”. قال لي: “إذن لنبدأ بالسؤال الذي تريد أنت أن تصل إليه، لا بالسؤال الذي أريد أنا أن أجيب عنه”. شعرت بالارتياح.
بدأنا بالحديث عن وجود الله، ثم عن صفاته، ثم عن معنى التوحيد. لم يكن الحوار عبارة عن خطبة، بل كان أقرب إلى نقاش طويل بين شخصين؛ أسأل وهو يجيب، ثم أعترض، ثم يعود إلى النقطة التي لم أفهمها. في إحدى المرات قلت له: ”أنا أؤمن أن للكون خالقًا، لكن لماذا أحتاج إلى نبي أتبعه؟“
شرح لي أن العقل يستطيع أن يدل الإنسان على وجود الخالق، لكنه لا يستطيع وحده أن يعرف كل ما يريده الله من الإنسان، وهنا تأتي الرسالة والوحي. ثم بدأنا الحديث عن محمد ﷺ.
حدثني عن نشأته وعن حياته قبل النبوة، وعن أمانته، وعن دعوته، وعن تحمله للأذى، ثم قرأت أجزاء من القرآن بترجمة مفهومة بالنسبة إليّ.
شيئًا فشيئًا تغير نوع الأسئلة التي أطرحها. في البداية كنت أسأل: ”أين الخطأ في الإسلام؟“ ثم أصبحت أسأل: “كيف أفهم هذه الآية؟” ولم أنتبه إلى التحول إلا عندما أشار إليه المحاور. قال لي ذات مساء: ”هل لاحظت أنك لم تعد تبحث عن سبب لرفض الإسلام؟“
ضحكت وقلت: ”ربما لأنني لم أجد السبب بعد!“. لكن الحقيقة كانت أعمق، كنت قد بدأت أقتنع، المشكلة لم تعُد في الدليل، وإنما في حياتي!
كنت أعرف أن الإسلام سيطلب مني أن أعيد النظر في أشياء كثيرة. كنت أعيش بطريقة لا أفكر فيها إلا في نفسي، وأحيانًا أستغل حاجة بعض الركاب إلى الوصول بسرعة لأطلب منهم أجرة أعلى. لم أكن أعتبر ذلك سرقة، لأنني كنت أقول إنهم وافقوا!
لكنني عندما بدأت أفكر في الأمانة والمسؤولية في الإسلام، لم أعد قادرًا على تبرير بعض تصرفاتي بالطريقة نفسها.
في أحد الأيام جاءني رجل مسن إلى المحطة. كان يريد الذهاب إلى منطقة بعيدة، وكان معه مبلغ قليل. أخبرته بالأجرة المعتادة، ثم اكتشفت أن الطريق سيكون مزدحمًا وأنني سأحتاج إلى وقود إضافي. في السابق كنت سأطلب منه مبلغًا أكبر، لكن هذه المرة لم أفعل. قلت له: ”ادفع الأجرة المعتادة“. قال: ”لكن الطريق طويل“. قلت: ”هذا هو السعر“. بعد أن نزل، ظللت أفكر في الأمر! لم أكن قد أسلمت بعد، لكنني كنت بدأت أختبر شيئًا مما أتعلمه. وفي تلك الليلة أخبرت المحاور بما حدث.
قال لي: ”أحيانًا يبدأ التغيير من داخل الإنسان قبل أن ينطق بالشهادة، عندما يعود لفطره الحقيقية ويبدأ الصدق الذي تعلمه في تغيير قراراته“. قلت له: ”وهذا يخيفني قليلًا!“. سألني: ”لماذا؟!“ قلت: ”لأنني بدأت أرى أشياء في نفسي لم أكن أريد رؤيتها“.
قال: ”معرفة الإنسان بضعفه ليست نهاية الطريق، بل بدايته“. قلت: ”لكن ماذا أفعل بكل ما فعلته سابقًا؟“
شرح لي معنى التوبة في الإسلام، وأن الإنسان لا يدخل الإسلام لأنه أصبح بلا أخطاء، بل لأنه عرف إلى مَن يعود عندما يخطئ ليصحح أخطاؤه.
كانت هذه الفكرة هي التي كسرت آخر حاجز داخلي عندي. كنت أظن أن عليّ أن أصلح نفسي أولًا، ثم أقترب من الله. اكتشفت أنني كنت أنتظر شيئًا مستحيلًا! فلو انتظر الإنسان حتى يصبح كاملًا قبل أن يعود إلى الله، فلن يعود أبدًا!
بعد عدة أسابيع من الحوار والقراءة، وصلت إلى قناعة واضحة بأن الإسلام هو الحق. لم تكن قناعتي نتيجة موقف واحد أو مشهد مؤثر، بل نتيجة أسئلة كثيرة تراكمت إجاباتها أمامي. ومع ذلك، أجلت الشهادة عدة أيام. كنت أقول لنفسي: ”سأفعلها عندما أكون مستعدًا تمامًا“.
ثم تذكرت الرجل الذي نزل من الحافلة للصلاة. كان قد قال لي: ”أستطيع أن أؤجل أشياء كثيرة، لكنني لا أريد أن أؤجل صلاتي!“. فهمت يومها أنني كنت أفعل العكس تمامًا. كنت أؤجل أهم قرار في حياتي لأنني أخاف من المسؤولية التي تأتي بعده.
ذات ليلة، كنت في غرفتي بعد انتهاء عملي. لم يكن هناك أحد معي. فتحت هاتفي وتواصلت مع المحاور. قلت له: ”أعتقد أنني أعرف ما أريد“. قال: ”ما هو؟“ قلت: ”أريد أن أدخل في الإسلام“.
فرح كثيرًا ثم شرح لي الشهادتين ومعناهما مرة أخرى، ثم سألني إن كنت مقتنعًا بالله وحده وبأن محمدًا ﷺ رسول الله وأن عيسى عبد الله ورسوله. قلت: ”نعم“. ثم نطقت بالشهادتين.
ثم ساد الصمت! شعرت براحة عميقة تشبه شعور الإنسان عندما يصل أخيرًا إلى عنوان ظل يبحث عنه طويلًا.
في الأيام التالية بدأت أتعلم الصلاة والوضوء. أخطأت كثيرًا، ونسيت كثيرا ولكن مع الصبر والإصرار تعلمت، ولم أشعر بالحرج. كنت أقول لنفسي إنني عندما بدأت قيادة الحافلة لم أكن أعرف كل الطرق، ومع ذلك لم يقل لي أحد إن عليّ أن أحفظ المدينة كلها قبل أن أقود أول مرة. بدأت أتعلم خطوة خطوة مع قسم التعليم بمشروع بصيرة، جزاهم الله عني كل خير.
أخبرت أختي بعد فترة. كانت مفاجأة كبيرة، لكنها لم تغضب. سألتني فقط: ”هل اتخذت القرار لأن أحدًا أجبرك؟“ قلت: ”لا“. قالت: ”وهل بحثت جيدًا؟“ قلت: ”نعم، لأسابيع“. ثم قالت: ”إذن سأرى ما سيفعله هذا القرار بك“.
كانت كلماتها بسيطة، لكنها جعلتني أفهم شيئًا مهمًا: الناس قد لا يصدقون كلامك عن التغيير، لكنهم يستطيعون أن يروا التغيير في سلوكك.
ومنذ ذلك اليوم بدأت أحاول أن أكون أكثر أمانة في عملي، وأكثر صبرًا مع الركاب، وأكثر اهتمامًا بأمي وإخوتي. لم أصبح إنسانًا كاملاً. ما زلت أغضب أحيانًا، وما زلت أندم على أشياء فعلتها، وما زلت أحتاج إلى التعلم. لكن الفرق أنني لم أعد أهرب من أخطائي بالطريقة القديمة،أصبحت أعرف أن هناك بابًا أعود إليه.
والغريب أنني، بعد إسلامي، أصبحت أنظر إلى الطرق التي أعرفها بطريقة مختلفة، كنت أفتخر بأنني أعرف كل شوارع المدينة، لكنني أدركت أن معرفة الطريق ليست هي المشكلة دائمًا، لكن المشكلة الحقيقية أن تعرف إلى أين وجهتك الصحيحة.
قد يستطيع الإنسان أن يقود سيارة عشرين عامًا، ويحفظ كل الطرق، لكنه يظل تائهًا إذا لم يعرف غايته. أما أنا، فقد كنت أظن أنني أعرف الطريق، ثم اكتشفت أنني كنت أحتاج إلى أن أسأل السؤال الأهم أولًا: إلى أين أمضي؟!
وحين عرفت الإجابة، لم تصبح الرحلة سهلة. لكنها أصبحت ذات معنى، وتسحق الكفاح من أجلها، فهي طوق النجاة! فالحمد لله الذي هداني إلى الطريقه بلا حول مني ولا قوة.. أسأل الله الثبات.





