
الاحتلال يهاجم أسطول الصمود ويعتقل عشرات الناشطين
أبريل 30, 2026
العدد الثامن والأربعون
مايو 2, 2026في الشيعة الإمامية الإثنى عشرية
يوسف القرضاوي
رحمه الله*
من ينظر إلى علاقة أهل السنة من المعاصرين بالشيعة الإمامية يجدهم على ثلاثة أقسام:
فالطرف الأول: هم الذين يكفرون الشيعة عامة
ويُخرجونهم من ملة الإسلام، وقد نُقل هذا عن بعض علماء السلف، وهو اتجاه غالب السلفيين. ولعل أهم من كتب مُعَبّرًا عن ذلك، هو الأستاذ السيد مُحب الدّين الخطيب المؤرخ والمحقق، وصاحب مجلتَي الفتح والزهراء، اللتين حملتا لواء الإصلاح في زمنهما، ورئيس تحرير صحيفة (الإخوان المسلمون) اليومية، ورئيس تحرير مجلة (الأزهر) لعدة سنوات.
كتب الأستاذ الخطيب رسالته الشهيرة تحت عنوان: (الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة الإمامية الاثني عشرية)، وأثار قضايا خطيرة عن القرآن عند الشيعة والقول بتحريفه ونقصه، ومن ألف في ذلك من الشيعة، وخصوصًا كتاب (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب) أي: القرآن العظيم، للنوري الطبرسي، الذي احتفل الشيعة بوفاته احتفالاً كبيراً، ودفنوه بالقرب من قبر الإمام علي الرضا1.
وبين موقف الشيعة من السُّنَّة، وموقفهم من الصحابة، ومن التقية، ومن عدة أمور، باين فيها مذهبهم مذهب أهل السنة مباينةً واضحة قاطعة.
وكَتب محب الدين الخطيب عدة كتب ورسائل يدافع فيها عن الصحابة، مثل تحقيقه وتعليقه ونشره للجزء الخاص بموقف الصحابة من كتاب العلامة المالكي القاضي أبي بكر ابن العربي، المعروف باسم (العواصم من القواصم). ومثل حواشيه على كتاب (المنتقى من منهاج الاعتدال) للذهبي. كما كتب كتابًا سماه (مع الرعيل الأول)، أبرز فيه مكانة الصحابة في الدين وجهادهم وجهودهم في نصرة خاتم النبيين.
وبعد ذلك بمدة، ظهر كتاب العالم الباكستاني الشهير إحسان إلهي ظهير، الذي وسع ما كتبه الخطيب، ودلل عليه من كتب الشيعة، ووقف بالمرصاد لرد دعاوى الشيعة، وإبطال شبهاتهم، حتى انتهى به الأمر إلى اغتياله في أحد الاحتفالات، وقد اتهم الشيعة بتدبير اغتياله.
ورأيي أن في هذا الموقف بعض الغلو ضد عموم الشيعة، ولا سيما أن قضية التكفير -بمعنى الاتهام بالكفر الأكبر المخرج من الملة- قضية خطيرة، وقد كتبت فيها من زمن طويل رسالتي (ظاهرة الغلو في التكفير)، وأرى الواجب في هذا المقام وجوب التحري والتدقيق والأناة وطول البحث والمشاورة، قبل الحكم على فرد بالكفر، فكيف بالحكم على جماعة تعد بعشرات الملايين؟!
وأود أن أقول: إنَّ لدى الشيعة أيضًا غلاةً مُكَفِّرين لأهل السُّنَّة، حتى إنَّ منهم من كفر الصحابة، ومنهم من كفر الأمة كلها إلا فرقتهم، كما في كتاب (الأنوار النعمانية) للشيخ نعمة الله الموسوي الجزائري.
الطرف الثاني: من ينظر إلى الشيعة من خلال مواقفهم السياسية فقط
والطرف الثاني المقابل لهؤلاء المُكَفِّرين الذين لا ينظرون إلى الشيعة من خلال معتقداتهم ولا أصولهم، التي خالفوا بها جماهير الأمة المسلمة، ولا موقفهم من القرآن والسُّنَّة والصحابة، ولا إلى قولهم بأنَّ الأئمة معصومون ويعلمون من الغيوب ما لا يعلمه الأنبياء، ولا إلى قولهم بأن إمامة هؤلاء من أصول الدين، ومن أنكرها فهو كافر، ولا إلى سلوكياتهم العجيبة التي تُحيّر الألباب، مثل إحيائهم مأساة الحسين له كل عام، بلطم الخدود، وضرب الصدور إلى حد إسالة الدم، وشق الجيوب، وقد مضى عليها أكثر من ثلاثة عشر قرناً، ومثل إيمانهم بأن المهدي موجود، وأنه دخل سردابًا لم يخرج منه، منذ أكثر من أحد عشر قرنًا، وهو خلاف سنة الله المعتادة في البشر عامة، وفي هذه الأمة خاصة.
أغفل هؤلاء كل ذلك ونظروا إلى الإنجازات السياسية التي قامت بها ثورة الإمام الخميني، وأبرز ما فيها تحدي أمريكا: الشيطان الأكبر، وربيبتها إسرائيل، وتزعّم حزب الله الشيعي المقاومة في لبنان، وتحقيقه نصرًا عليها، بإخراجهم من جل جنوب لبنان، ووقوفه ضد الغارة الإسرائيلية على جنوب لبنان صيف سنة ٢٠٠٦م.
ومن أجل ذلك يجب أن نسكت عن مذهبهم وعن معتقداتهم، وعن خططهم لغزو المجتمعات السنية، وما رُصد لذلك من ملايين؛ بل بلايين، وما أعد لذلك من رجال قادرين على النزال، في حين ليس لدى أهل السنة أي دفاع، وعلماؤهم لم يُحصنوهم بأي ثقافة واقية، وتركوا صدورهم عارية؛ لأي سهام توجه إليهم من يمين أو شمال.
وأرى هنا ضرورة التفريق بين الموقف السياسي والمذهب العقائدي؛ فنحن نشترك معهم في الموقف المُعْلَن من العدوان الصهيوني والأمريكي على الأمة، ولقد ناصرت حزب الله في حربه مع إسرائيل، ورددت على العالم السعودي الكبير الشيخ ابن جبرين في فتواه عن مناصرة حزب الله في حربه مع إسرائيل، في حلقة كاملة من حلقات (الشريعة والحياة).
ولكن يبقى تحفظنا على المذهب قائماً، ويبقى موقفنا من أصوله واضحًا، ويبقى موقفنا من نشر المذهب في ديارنا السنية ومجتمعاتنا المسالمة جلياً وثابتاً.
الطرف الثالث: فئة الوسط
وبين الطرفين المذكورين تقوم الفئة الوسط، التي تعارض الشيعة فيما تختص به من معتقدات وأصول، وما تتفرد بها من سلوكيات أو شعائر؛ مثل الشهادات الثلاث في الأذان، ومثل إحياء البلوى بمصيبة الحسين كل عام؛ مع أن الفقهاء يرون أنه لا عزاء بعد ثلاثة أيام! ولكن هؤلاء لا يصلون بالشيعة إلى حد الكفر البواح، أو الكفر الأكبر، إلا ما لا يحتمل التأويل ويقطع بكفر صاحبه.
وأنا من هؤلاء الذين لا يُكَفِّرون عموم الشيعة، ولكن يخالفونهم في جملة قضايا أساسية.
فرق واضح بين مذهب السُّنَّة ومذهب الشيعة الاثني عشرية
هناك من الشيعة من لا نرى بيننا وبينهم فرقاً كبيراً، لا في أصول العقائد ولا في الفروع، مثل جُل الشّيعة الزيدية، الذين يعيشون في اليمن، والذين يعترفون بكتب أهل السُّنَّة، مثل البخاري ومسلم وبقية الكتب الستة، والموطأ ومسند أحمد، وسائر دواوين كتب الحديث. وبعض كتبهم لا تختلف عن كتبنا في المصادر وفي الاتجاه، مثل (الروض النضير في شرح مجموع الإمام زيد). وقد يوجد خلاف في بعض فروع العقيدة، مثل بعض ما يوجد بين السُّنَّة والمعتزلة، ولكن الزيدية يترضون عن الصحابة، ويؤمنون بأن القرآن لا زيادة فيه ولا نقصان… إلخ.
ولكن الخلاف في هذا المجال هو بين السنة والشيعة الإمامية الاثني عشرية.
أما في الأمور الفقهية والأحكام الفرعية، فلا شك أن الخلاف أقل؛ وإن كان هناك أشياء عملية منكرة عند الشيعة مثل الشهادات الثلاث في الأذان، بزيادة: “وأشهد أنَّ علياً ولي الله” وإن كان علماؤهم يقولون بأنها زيادة منكرة عندهم، ولا أصل لها في فقههم، وإنما تركوها خشية هياج العوام!
إنما الخلاف الحقيقي بين المذهبين هو في الأصول لا الفروع، في المبادئ لا في التفصيلات، ولذا كان العنوان الأوضح لهذا الخلاف أنه بين فِرْقَتَيْن: أهل السُّنَّة والجماعة من جانب، والشيعة الإمامية من جانب، وليس بين مذهبين فقهيين.
عقلاء نعم، هناك في الشيعة في العراق وإيران تيار إصلاحي في التقارب مع السنة لكنه ضعيف، ومن الواجب على أهل السنة التقارب مع الشيعة الإصلاحيين لقطع الطريق على الغلاة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* يعد الشيخ يوسف القرضاوي صاحب أوسع تجربة، وآخر تجربة معاصرة للتقريب بين السنة والشيعة، وقد سجل خلاصة تجربته هذه من بدايتها وفصول تطورها وانتهائها في كتابه “وقفات مع الشيعة الاثنى عشرية” وهو آخر ما كتب في هذا الباب، فهو قوله الأخير في هذا الموضوع.
ويمكن تحميل الكتاب من هذا الرابط qaradawibooks.com/book-204
المصدر: يوسف القرضاوي، “وقفات مع الإمامية الاثنا عشرية”، ضمن: موسوعة الأعمال الكاملة لسماحة الإمام يوسف القرضاوي، ط1 (اسطنبول: الدار الشامية، 2022م)، 105/ 171 وما بعدها.
1 الصواب أنه دفن بالمشهد المرتضوي بالنجف، وقبر الرضا في قم بإيران، وفرق بين مشهد الرضا والمشهد المرتضوي.





