
نَبِيٌّ يُكْرِمُ النِّسَاء ﷺ
فبراير 9, 2026
عودة مرضى غزة عبر رفح في ظل قيود مشددة
فبراير 10, 2026(3/3)
- علماء الأمة لابد أن يكونوا على وعي كامل بما يدور حولهم
- إحياء الجهاد في عصرنا واجب فالعدو أراد أن يقرنه بالإرهاب
- حقق المجاهدون إنجازات لم يتخيل أحد تحقيقها
- غزة ضربت أروع الأمثلة في الجهاد والتضحية
- دور أهل العلم إعداد العدّة وتجهيز الأمة
م. خالد الأحمر الأنصاري
سفير الشباب بالهيئة العالمية لأنصار النبي- الجزائر
س: فقدنا في الأشهر الماضية القريبة وما زلنا نفقد كثيراً من المحدثين والمسندين المعمرين -رحمهم الله وعوّض الله الأمة خيرًا فيهم-هل من ذكريات علمية مع بعضهم؟
ج: حقيقةً فَقْد العلماء مصيبة كبيرة، ومن أكبر المصائب فقد رواة الحديث أيضًا، لأنه بفقد المعمرين تنزل الرواية طبقة لا سيما مَن عندهم مسموعات عالية، فتنزل الرواية طبقة وربما طبقتين. فلا شك أن فقد هؤلاء له أثر كبير جدًا. وكنا نفقد في كل عام واحداً أو اثنين، لكن سبحان الله، قريباً فقدنا ربما ثلاثة معمرين خلال أسبوع واحد، منهم الشيخ عبد الوكيل الهاشمي -رحمه الله- وهو صاحب أسانيد عالية، لي طبعاً ذكريات كثيرة معهم لاسيما مَن التقيته منهم، أما من قرأت عليهم من خلال البث فليس لي معاملات معهم، لأنني لا أحاول الاتصال بأحد، وإنما أسمع إلى المجالس فقط، لا أحاول التواصل مع أحد وأكتفي بسماع المجالس على أكثر من شيخ، كل يوم ربما بمعدل 5 أو 6 ساعات يوميًا أسمع هذه المجالس على مشايخ متعددين.
لكن الذين التقيت بهم لي معهم ذكريات لا تُنسى، مثلاً عندما كنا نسمع سنن النسائي، كنت دائمًا أحرص على أن أكون في السماعات في الصف الأول أو الصف الثاني، وغالباً أترك الصف الأول لعلّه يأتي من يحتاج هذا الكلام، وفيما أذكر كنت في مجلس سنن النسائي أنظر إلى المشايخ وهم يتابعون قُراء الكتاب، ولا سيما كنت أدقق النظر على الشيخ ظهير الدين المباركفوري. وهو معمر كبير نحيف الجسم وقعيد يتحرك على الكرسي، كنت أنظر إليه كثيرًا أثناء القراءة لكي أتأكد من أنه يتابع القراءة من الكتاب أم لا، فكنت أراه -والله-كأنه صقر في النظر للكتاب، ويتابع الكتاب بدقة شديدة جدًا، فكنت أتعجب رغم سنه ومرضه إلاّ أنه يستمع سمعاً دقيقاً للقراءة.
ومن اللّطائف أنه لما صلى معنا المغرب فيما أذكر، وانتقلنا في أحد هذه الأيام وهم ينتقلون للمنصة ونحن ننتقل إلى مكان جلوس الطلاب، فذهبت وسلمت عليه ثم حملته بكرسيه كاملًا ووضعته على المنصة، خفيف جدًا ما شاء الله.
أذكر أيضًا في ختم مجلس مسند الإمام أحمد، صُنعت لنا وليمة كبيرة جدًا، ووضعت طاولات وغير ذلك، فكان يجلس بجواري الشيخ حافظ عيسى خان -رحمه الله- فكرهت أن أنتقل إلى طاولته خشية أن يكون للمشايخ طعام ليس كطعامنا، فجلست حتى انتهى من الأكل، ثم قمنا جميعاً وبدأت الأسئلة والسماعات ومن عنده فوت.
وأذكر أيضاً في أول رحلة، ونويت أن تكون رحلة علمية، من مدينة الرياض إلى حيث كنت أعمل هناك إلى المدينة المنوّرة، فاتصلت بالشيخ قربان لكي أقرأ عليه وأسمع، لكنه كان مريضًا في هذه الفترة، وفعلاً توفي بعدها بفترة قصيرة. وعندما انتقلت إلى مكة واتصلت بالشيخ عبد الوكيل الهاشمي، وهو يعيش في المدينة يعني على حدود بين الطائف ومكة، فاعتذر أيضًا بأنه مشغول في هذه الفترة، ولكن سمعت عليه بعد ذلك عبر البث.
أما شيخنا عبد الله السعد فلنا معه من المواقف ما لا يعد ولا يحصى، ولنا معه رؤى عجيبة وغريبة ولنا معه أحوال سبع سنين متابعة. فطبعًا لنا معه أحوال، وجلست مع كثير من مشايخنا من أهل نجد سواء كانوا من أهل الرواية أو من غير أهل الرواية بفضل الله عز وجل. وكان لي لقاء خاص مع الشيخ ابن عثيمين، سمعت له كثيراً من المحاضرات في مكة وفي مدينة الرياض، لكن التقيت به في إحدى السنوات في الحج وكان عائداً من رمي الجمرات فانفردت به وسألته كثيراً من الأسئلة وسِرت معه حتى أوصلته إلى مخيمه، أما الشيخ ابن باز فدخلت بيته في مكة ودخلت بيته في الرياض وجلست عنده وأكلت في بيته رحمه الله، وكان يمد الموائد لكل من يأتي ويدخل بيته..
س: ظهرت نوازل ومستجدات في زماننا في طرق تلقي الحديث النبوي، وقد ذكرتَ أن لك قناة على (التلجرام) لتلقي الحديث والرواية، حسب اجتهادك.. ما حكم استعمال وسائل التواصل في تلقي رواية الحديث عبر البث المباشر أو التسجيل الصوتي؟ ما المشروع والممنوع في ذلك؟
ج: الحقيقة انتقال مجالس الرواية إلى البث عبر النت أو البث المباشر عبر النت حقق فوائد عظيمة جدًا في تيسير السماع لكل من هب ودب من البشر، من طلاب العلم أو من غير طلاب العلم، ولكن مع هذا ظهرت آفات كثيرة كنا نحاول علاجها دائمًا إما بكتابة المقالات أو بالتنبيه على أشياء وغير ذلك أو أثناء المجالس.
لكن القضية التي ظهرت وهي من أعظم القضايا وهي مسألة: هل يجوز السماع من التسجيل؟ أم لابد من حضور المجلس على البث المباشر؟ وهذه من أصعب القضايا التي ظهرت. وبعض مشايخنا وبعض إخواننا صنفوا فيها، وبعض مشايخنا أبدى فيها آراء، أنا في الحقيقة كنت أخالف كل هؤلاء من أول يوم ظهر فيه هذا البث، وقلت إنه يجوز السماع من التسجيل، يجوز السماع من التسجيل في عدم وجود الشيخ ما دام الشيخ لا يزال حيًا فلك أن تروي عنه بسماعك من التسجيل، لاسيما أن الشيخ قد سمح لك بذلك وأن تقول إنك سمعت الشيخ وقد سمعته بالفعل، وهو أذن لك بذلك. وكتبت ما يقارب 13 مقالة في هذا الباب أدعو إلى ذلك، لأنه طبعًا الزمان اختلف والمكان اختلف وظروف الناس اختلفت، وهذا كله من باب التيسير على طلاب العلم.
والحقيقة مثل هذه المسائل المستجدة يفتي فيها علماء الأصول، وعلماء الفقه الذين يفتون في النوازل الحادثة، وليس طلاب الحديث، طلاب الحديث يرجعون لكتب المصطلح ويأخذونها بألفاظها وهي تتكلم عن طلاب العلم قديماً، لا تأخذ الكلام الموجود في كتب المصطلح قديماً وتطبقه على ما هو موجود الآن. لأن هذا تطبيق خاطئ. وهذه المسألة سُئل فيها الشيخ زين العابدين الكنتي وهو رجل أصولي وفقيه وصاحب رواية فأفتى بالجواز، وهذا كان بعد مجلس من المجالس، وسمعت هذا بنفسي وسُئل مثله أيضاً الشيخ مساعد البشير، وهو رجل أصولي وفقيه ومن أصحاب الرواية، فأفتى فيها بالجواز، والأقوال التي قلتها وافقها كثير من المشايخ.
أما المشايخ الذين قالوا بغير ذلك فكلٌ له قول مختلف عن باقي الأقوال، فأحدهم يقول لا تعتبر وِجادة، والآخر يقول: هذه تعتبر مناولة، والآخر يقول أسمح لك بالسماع من التسجيل للأفوات ولا أسمح لك بسماع المجلس كاملًا ولا فرق، طبعًا هناك من وافق وهناك من خالف وهذه أعظم مسألة حادثة إلى الآن في باب الرواية عن المشايخ، وأنا كما قلت: أرى أنه لك أن تسمع ما هو مسجل من هذه المجالس في أي وقت تشاء، وفي أي مكان تشاء، وفي أي زمن تشاء، ولك أن ترويها عني وعن المشايخ الذين وافقوني في هذا الأمر، وهذا من باب التيسير على طلاب العلم. ما دام الشيخ حيًا فلك أن تروي عنه، أما إذا مات الشيخ فستكون هذه وِجادة سمعية. أما في حياة الشيخ فلا تُسمى وجادة فالوجادة تكون بعد الوفاة وجادة مكتوبة يعرفون أن هذا من خط الشيخ، أما هذه فوجادة سمعية بعد وفاة الشيخ. أما في حياة الشيخ فلا تسمى وجادة.
وكذلك مسألة المناولة: قديمًا كانت المناولة أن يناولك الشيخ كتابًا ويجيزك بأن تروي عنه هذا الكتاب يدًا بيد. الآن لو أن الشيخ يناولك بعض كتبه أو بعض الكتب لو سمح لك برواية هذه الكتب عنه هذه مناولة أيضاً لكنها مناولة إلكترونية عبر البث، لا بأس أن تسمى مناولة وهذا من التجديد في هذا الباب، وأنا لا أزعم أنني أحمل لواء التجديد في هذا الباب فنحن نضبط المسائل حسب ما درسنا في علم الأصول وحسب ما درسناه في علم الاصطلاح ونسأل مشايخنا ونأتي بهذه الأشياء التي فيها تيسير لأهل العلم وطلابه لأن الأصل أن يصل العلم لكل الطلاب ولا يكون هناك حكر أو تشديد، أو تصعيب الأمر على الطلاب. حتى يكثروا من دراسة هذه الكتب، فالأصل أن يصل العلم بأي صورة من الصور وأنا على مذهب الشيخ القطري الذي كان يطبع الكتب في قطر ويوزعها لطلبة العلم وغيرهم، وكان هناك من يأخذ الكتب ويبيعها ونُقل إليه ذلك فقال: “ألسنا نوزع الكتب لتنتشر وتصل إلى الناس؟ إذن فقد حققنا الهدف”.
س: يوجد من الدعاة والعاملين في حقل الدعوة من يقدح في المهتمين بالحديث والرواية ليس لهذا الاعتبار، إنما لعدم اهتمامهم بقضايا المسلمين في أقطار الأرض وأمصارها، ويسألون: أين أهل الحديث من محنة المسلمين في بورما؟ وأين هم من المعسكرات التي يعذب فيها إخوانهم الإويغور في الصين؟! أين هم من 70 ألف نفس موحدة قتلت في غزة؟ ويصفون بعض أهل الرواية أنهم يعيشون في الكهوف لا يسمعون ولا يرون ما يحدث لإخوانهم! شخصيًا أقول: ليتهم كانوا في كهف، لكنهم يرون الدماء وأشلاء وأعراض ودور وممتلكات المسلمين تستباح ليل نهار من أحفاد القردة والخنازير. بماذا تعلقون؟
ج: هذا الكلام فيه ظلم بيِّن لأهل الحديث، فهم ليسوا بعيدين عن قضايا الأمة، فهم لا يعيشون في كهوف ولا يعيشون في أبراج عالية وإنما يعيشون بين المسلمين، وكل من لم يهتم بقضايا المسلمين فكيف يبتليه الله عز وجل وهو ليس له موقف في مثل هذه القضايا؟ فنحن أمة واحدة كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦۤ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةࣰ وَاحِدَةࣰ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92].
وكذلك الله عز وجل قال: ﴿وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِیعࣰا وَلَا تَفَرَّقُوا۟﴾ [آل عمران: 103]، وكذلك الأمر للجميع: ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةࣲ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَیۡلِ﴾ [الأنفال: 60]، وعلماء الحديث والمهتمون بالحديث وغير الحديث وعلماء الأمة بصفة عامة، لابد أن يكونوا على وعي كامل بما يدور حولهم من قضايا، لاسيما قضايا الأقليات وقضايا الجهاد وغير ذلك، لا سيما وأن وسائل معرفة هذه القضايا ومتابعتها سهلة بعد ظهور البث والقنوات، بخلاف ذلك قديمًا كانوا أحيانًا لا تصلهم الأخبار البعيدة، أو كما قال الشيخ محمود شاكر في كتابه الرسالة إلى ثقافتنا الذي هو مقدمة كتابه المتنبي ما معناه أن بعض المشايخ يدجنون، يعني يعيشون في وادٍ والعالم في وادٍ آخر. لذلك لم تكن تأتي فتاواهم مناسبة لواقعهم.
أما في العصر الحديث تستطيع أن تطلع على كل القضايا المعاصرة، ولابد أن تكون هناك مشاركة لاسيما من أهل العلم، فالأصل أن أهل العلم هم الأولى بالإمارة، وهم الأولى بالاتباع، وهم الأولى أن يُرجع إليهم. وفي العصر الذي نحن نعيش فيه الآن فلا بد أن يكون العالم على قدر كبير من الوعي ومن الثقافة بكل ما يدور حوله، ليس في قضايا الأقليات ولا في قضايا الجهاد فقط، بل بكل ما يدور حوله. حتى إذا خرج بفتوى يخرج بفتوى دقيقة جدًا تتناسب مع الأمور الحادثة والواقع ومع مقتضيات العصر الذي نحن نعيش فيه.
دور طلاب علم الحديث في هذا الباب: لابد من أن يكون هناك توعية للمسلمين بهذه القضايا، سواء كانوا علماء الحديث أم غير علماء الحديث. لابد أن يوعى المسلمون بمثل هذه القضايا ويوجهون من قبل العلماء والخطباء وغيرهم، وأن تكون لهم مواقف جادة في هذه القضايا ولو خالفت اتجاهات السياسيين، لأن السياسيين لهم اتجاه يختلف عن العلماء، لهم حسابات تختلف عن حسابات أهل العلم، فالعلماء لابد أن يَدُلّوا الناس إلى قضايا مهمة جدًا. وأظن كثيرًا منهم قام بهذا الأمر، من التنبيه على مسائل المقاطعات والرد على شبهات الذين كانوا يعرّضون بالجهاد ويسبون أهله ويتهمونه باتهامات خطيرة. الحمد لله، كان هناك رد من كثير من أهل العلم على هذا الأمر.
وأكثر اهتمام طلاب علم الحديث بالذات في هذا الأمر أنه قُرئت كثير من الكتب على القنوات الفضائية خاصة بالجهاد وأحكام الجهاد وفضائله وغير ذلك. هذه كثيرة جدًا من القنوات سمعنا هذه الأشياء، وأنا واحد من هؤلاء. قرأت أفضل ما صنف في هذا الباب وهو كتاب “مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق ومثير الغرام إلى دار السلام” للإمام ابن النحاس الدمياطي قرأت مختصره لأن الكتاب كبير وفيه تفصيلات وزيادات وغير ذلك، فاختصره الشيخ صلاح الخالدي رحمه الله، فقرأت مختصره على الطلاب في القنوات الفضائية.
وهذا الكتاب له مكانة خاصة في هذا الباب بالذات؛ لأن الإمام ابن النحاس رحمه الله الدمشقي الأصل، انتقل إلى مدينة دمياط مرابطًا فيها ضد الحملات الصليبية، وكان يدرس للطلاب وكان يعلمهم أحكام الجهاد ويفتيهم فيها، وكان أيضًا يتدرّب ودخل معركة تسمى معكرة الطينة نسبةً إلى البلدة التي كان فيها، وكانت المعركة ضد الصليبيين، فقال وصدق الله فصدقه الله واستُشهد ومات شهيدًا. فمصنف هذا الكتاب مات شهيدًا في سبيل الله؛ فكتب وعلم وحكم وأفتى وجاهد واستشهد، فهو مثال حي. وهذا الكتاب من أفضل ما صُنّف في هذا الباب “مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق” أو المسمّى “مثير الغرام إلى دار السلام”. فشرحت مختصره في أكثر من ثلاثين مجلسًا ربما بضع وثلاثين مجلسًا.
وقرأت أيضًا على الطلاب عبر البث كتاب الجهاد؛ قرأت نصفه تقريبًا أو قريبًا من نصفه من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية. وكل هذا التنبيه والتعليم والإعداد للأمة حتى إذا تيسّر لهم هذا الأمر يستطيعون أن يكونوا جاهزين لمثل هذا الأمر.
والحقيقة أنّ إحياء الجهاد في عصرنا أمر مهم جدًا، كما قال الشيخ أبو بكر الجزائري رحمه الله: “الجهاد فرصة ذهبية للأمة الإسلامية” لأن العدو أراد أن يقرن الجهاد بالإرهاب حتى سمّى الجهاد إرهابًا، وصار كل مجاهد عندهم إنما هو إرهابي. وإن كانوا صدقوا في التسمية، لكنهم كذبوا في إلصاق الجهاد بالإرهاب، صدقوا في التسمية لأن الله قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60] فالجهاد إرهاب لهؤلاء الكفار إرهاب للمعتدين، ولكن المقصود غير ذلك عندهم إنما لتشويه المجاهدين وصورة الإسلام ولاستخدام هذا المصطلح كذريعة لإجرامهم.
والجهاد شاءوا أم أبوا ظهر وانتشر، وحقق المجاهدون إنجازات لا أقول كانت في الخيال لكنها صارت حقيقة؛ فاستطاعت أفغانستان بعد سنوات طويلة أن تستقل وأن تُخرج أمريكا وهي تجر أذيال الخزي والعار، وصارت أول دولة إسلامية أو إمارة إسلامية ظهرت في العالم الإسلامي. وكذلك استطاع المجاهدون في سوريا أيضًا أن يسيطروا وأن يحكموا مناطقها، ونسأل الله أن يسهّل عليهم ليحكموها بالإسلام وليس بالقوانين العلمانية. وكذلك الإخوة في غزة ضربوا مثلًا من أروع الأمثلة في الجهاد والتضحية في سبيل الله، وهم رمز أيضًا في هذا الزمان للتضحية والجهاد في سبيل الله، هذا أيضًا أمر مهم جدًا.
ودور أهل العلم وطلاب العلم هو الحديث عن هذه الأشياء وإعداد العدّة وتجهيز الأمة لمثل هذه المواقف؛ لأنه كما غزونا قبل ذلك لسنوات طويلة، لا بأس أن يعودوا إلينا مرة أخرى وإن كان قد عاد بالفعل في صور ثقافية، ولكن قد يعود الاحتلال بوجهه العسكري كما يفعل اليهود الآن في فلسطين بصفة عامة، وكما يفعل الصينيون مع إخواننا الإيغور، وكما يفعل بإخواننا الروهنجا؛ قد يعود هؤلاء إلينا مرة أخرى فيجب على المسلمين الإعداد لهذا.
والحقيقة دور العلماء الأساسي وطلاب العلم بالذات هو الرد على الشبهات كالتثبيط عن الجهاد، ونشر أحكام هذا العلم الذي كان لسنوات طويلة يقرأ في الكتب ولا نرى له مثالًا حيًا على أرض الواقع، والآن نراه مثالًا حيًا على الأرض. فهذا دور طلاب العلم أن يتناولوا هذه الأحكام وهذه الفضائل ويتناقلونها ويردّوا على الشبهات التي تطعن بمثل هذه الأشياء.
أي عالم من علماء المسلمين أو طالب علم يغيب عن الوعي في هذه المعركة، لا شك أنه خاسر مهما نال من العلم ومهما صار له من الشأن لا بد أن يكون حاضرًا، ومن لم يستطع فإن النبي ﷺ قال: “من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”.
فهذا دور العلماء: الكتابة والخطابة والدروس وغير ذلك بتوعية المسلمين حول هذا الأمر، والرد على شبهات المثبطين في هذا الأمر، حتى لا يكون عالماً مدجناً كما قال الشيخ محمود شاكر، إنما ينبغي أن يكون عالماً منفتحاً على كل المسائل العصرية سواء في الاقتصاد أو الربا أو السياسة الشرعية وغير ذلك. هذه كلها أمور ينبغي على طالب العلم أن يهتم بمعرفتها، ومعرفة هذه القضايا حتى تأتي فتواه مطابقة ومناسبة لهذا العصر.
س: ما نصيحتكم لطلبة العلم والحديث عامة وطلبة “القبة الخضراء” خاصة، والتي هي إحدى مشروعات الهيئة العالمية لـ أنصار النبي ﷺ؟
ج: نصيحتي طبعًا لطلاب العلم أن يهتموا بعلوم الدراية أولًا، فهي الأصل والأساس ثم ينتقلون إلى علوم الرواية. يبدؤون حتى بالعلوم التي هي ليست أصلية، بالعلوم الفرعية: كعلم النحو والصرف والبلاغة والبيان وغير ذلك، ثم ينتقلون إلى العلوم الأساسية للعلوم الشرعية: من فقه وحديث وعقيدة وغير ذلك. فإذا تأصّلت عندهم هذه العلوم، ينتقلون بعد ذلك إلى الرواية. لا يشغلون أنفسهم بالرواية دون الدراية لأنهم لن يستفيدوا شيئًا.
كما قال السفاريني رحمه الله في إجازته لبعض طلابه: “إن العلم الحقيقي هو ما تعلمته دراية، وأن العلم المعنوي ما تأخذه رواية” أو كما قال في هذا المعنى. ثم قال: “ولو ملأت ثبَت أمك إجازات”، يعني ولو كان عندك إجازات كثيرة جدًّا، فلا فائدة فيها ما دمتَ غير ضابط للكتاب غير فاهم للكتاب غير عارف بشرح الكتاب، فلن يكون هناك فائدة.
ومهمة راوي الحديث أن يضبط الكتاب على مشايخه حتى يعلمه صحيحاً متقناً لطلابه، وأن يكون فقيهاً عالماً بأكثر ما في الكتاب إن لم نقل كله أيضاً، أن يكون ضابطاً لمروياته وأسانيده، وأنصح طلاب العلم بأن يعملوا بما يعلموا ولو مرة واحدة فكلما مرّ عليك حديث أو آية فيها أمر من الأعمال فاعمل به ولو مرة واحدة، ولو على الكفاية، حتى تكون قد أتيت بالفرض إن كان فرضًا، أو بالسنة إن كانت سنة، ولو مرة واحدة، حتى لا يخالف قولك عملك. فلننتبه جيدًا لهذا الأمر حتى تكون هناك فائدة من هذا العلم.

م. خالد الأحمر الأنصاري: بارك الله فيك وجزاك الله كل خير شيخنا ومجيزنا الشيخ المسند النبيل بن سابق السبكي على وقتك الثمين، وأسأل الله عز وجل أن ينفع بك وبعلمك الأمة، وأن يجري الخير على يديك، وينثر بك سنة نبيه ﷺ في مشارق الأرض ومغاربها.
الشيخ المُسند النبيل السبكي: وجزاكم وبارك فيكم وأعانكم الله، ويسر لنا ولكم كل عسير، وجعلنا جميعاً من أنصار النبي ﷺ ومن المتابعين له قولًا وفعلاً حتى يتحقق فينا قول الخطيب البغدادي رحمه الله: “العلم شجرة، والعمل ثمرة، ولا يكون العالم عالماً إلا إذا كان بعلمه عاملًا”. فالعالم لا بد أن يكون عاملًا بعلمه، وإلا لا فائدة منه ولا فائدة من علمه.
هذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ولا غالب إلا الله.





