
السودان يتهم الإمارات وإثيوبيا بقصف الخرطوم
مايو 5, 2026
الاحتلال يهدم منشآت فلسطينية ومستوطن مسلح يقتحم مدرسة بالضفة
مايو 6, 2026بقلم: د. حسين عبد العال – رئيس هيئة أمة واحدة
اللهم ارزق الحج لكل مسلم حرم حج بيتك الكريم، ومتع ناظريه برؤية الكعبة المشرفة، ومتعه بأداء المناسك وزيارة الأماكن المقدسة! فمن أكرمه الله تعالى بالحج، يعلم مدى الارتباط العجيب بين إبراهيم عليه السلام مع أسرته المباركة، وبين مناسك الحج التي أقرها ورسمها وسنها لنا رسولنا الكريم محمد ﷺ، ومن يعلم أنَّ محمدًا ﷺ جاء ليتبع ملة إبراهيم عليه السلام، ويسير على نهجه وأنه أولى الناس بإبراهيم عليه السلام، فإنه سيزول عجبه.
فأول مناسك الحج الطواف حول البيت الذي بناه إبراهيم عليه السلام، ثم يسعى بين الصفا والمروة كما سعت هاجر زوج إبراهيم عليه السلام بحثًا عن الماء لها ولإسماعيل عليه السلام، ورمي الجمرات تمامًا كما فعل إبراهيم عليه السلام، بل والهدي والذبح والنحر على سنة إبراهيم عليه السلام، وحتى تكبيرات العيد يكبرها كما كبرها إبراهيم عليه السلام، ولم لا؟ أليس نبينا ﷺ هو دعوة إبراهيم عليه السلام حيث قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 129].
عظمة التضحية التي قام بها إبراهيم عليه السلام
والحق إنَّ إبراهيم عليه السلام ضحى بما لم يضح به أحد ولا يقدر على مثله أحد، فلقد ضحى إبراهيم أولاً بنفسه يوم أن ألقاه قومه في النار، فألقي فيها راضيًا محتسبًا، وهو ينتظر أن يحرق ولم يجزع، ولم يتراجع، وما كان يعلم ولا يظن أنَّ الله سيحيل النار عليه بردًا وسلامًا.
ثم ضحى بفلذة كبده وابنه الوحيد الذي جاءه على كبر، فكان بلاؤه في ابنه الوحيد أشدَّ من بلائه السابق في تضحيته بنفسه، وضحى به راضيًا مستسلمًا لأمر الله تعالى، وهكذا كان الرضا أيضًا من إسماعيل عليه السلام في موقف عجيب ونادر أن يوجد مثله، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: 103]، وهنا قمة التضحية مع قمة الاستسلام، ولذا في هذه اللحظة بالذات يكون إبراهيم عليه السلام قد أدى ما عليه وفعل ما أُمر به، وعندها قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: 104-105]، لكن هذا البلاء ليس يسيرًا رغم أن الله فرجه عن إبراهيم عليه السلام؛ لذا قال ربنا: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: 106]، فمن يقدر على بلاء مثل بلائك يا إبراهيم؟!
عطاء الله لإبراهيم عليه السلام بعد البلاء
ولذلك بعد هذا البلاء الشديد، لابد أن تأتي العطايا الربانية لمن صدق مع الله تعالى، وتحَمَّل هذا البلاء، فجاءت لإبراهيم عليه السلام عطايا عدة، لنتأملها سويًا، ولنعلم كيف هو عطاء الله لمن صدق وصبر وقام بأمر الله:
– فداء إسماعيل عليه السلام وهذا من أعظم العوض، قال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 107]، فصارت الأضحية كل عام سنة.
– الذكر الحسن لإبراهيم عليه السلام إلى قيام الساعة، ومن كل الخلائق، حتى من غير المسلمين، وحق لإبراهيم عليه السلام أن ينال هذا الشرف بالذكر الحسن جزاء ما قدم، قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: 108- 109].
– وصفه بالإيمان والإحسان وهي أعلى مراتب القرب من الله، وأعظم مراتب المعرفة بالله تعالى، وأفضل مراتب العبادة لله تعالى، قال تعالى معقبًا على قصة الذبح والفداء: ﴿كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: 110- 111].
– إعطاؤه الزيادة من جنس ما ضحى به، فقد ضحى بولده لأمر الله تعالى، فأبقى الله له إسماعيل عليه السلام وزاده بإسحاق خلافًا لنواميس الكون، قال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: 112]، يبشره بالولد الذي جاء على غير قوانين الدنيا مما أثار عجب سارة زوج إبراهيم -عليهما السلام- من ذلك، فقالت كما ذكر القرآن الكريم: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: 72]، بل والأعجب أنه ليس ولدًا عاديًا بل نبيًا كريمًا من الصالحين.
– البركة التي حلت على إبراهيم عليه السلام ولحقت معه إسحاق عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ﴾ [الصافات: 113]، وكل هذا من جراء الاستجابة لأمر الله عز وجل والصبر على البلاء.
– إكرامه ببناء البيت العتيق، والصلاة فيه، والدعوة إليه، قال تعالى: ﴿إِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 26- 27]، وهذا من الذكر الحسن الذي جعله الله لإبراهيم عليه السلام فلا يذكر الحج ولا البيت إلا ويذكر إبراهيم عليه السلام.
فما أعظم عطاء الله تعالى! هذا في الدنيا فكيف بعطائه في الآخرة؟!
إبراهيم عليه السلام وبناء البيت
بعد أن نَجَّى الله إبراهيم عليه السلام من النار، ثم نجى له إسماعيل عليه السلام من الذبح، أكرمه الله تعالى ببناء البيت، فهذه عطيةُ ومِنَّةٌ من الله تعالى له، فلا يستحق أن يذكر ببناء بيت الله إلا خليل الله، والذي ابتلي في الله فصبر صبرًا جميلًا، إنه إبراهيم عليه السلام فبعد أن أراه الله مكان البيت، حثه على بنائه ورفع قواعده مع ولده إسماعيل -عليهما السلام- ولم لا؟ أليسا هما أصحاب التضحية العظيمة عند البيت قبل سنوات قليلة؟ أليسا هما من تحديا الشيطان ورجماه بالحصى كي لا يثنيهما عن تنفيذ أمر الله؟
بلى هما بعينيهما، إذن هما أحق من يذكر ببناء البيت إلى قيام الساعة، قال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 127- 129]، عن سعيد بن جبير قال ابن عباس رضي الله عنهما: “ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ قَالَ: وَتُعِينُنِي قَالَ: وَأُعِينُكَ قَالَ: فَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾”.
فيكون كلما حج بالبيت حاجٌ، أو طاف بالبيت طائفُ، يكون لكل نبي من النبيين العظيمين بمقدار أجره، فهما اللذان بنيا البيت الذي يطوف حوله.
إبراهيم عليه السلام والدعوة للحج
وكما أكرم الله إبراهيم عليه السلام ببناء البيت، أكرمه أيضًا بالدعوة إليه، قال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 27- 29]، فكل من حج البيت بعد إبراهيم عليه السلام فهو من ثمرة دعوته للحج بالبيت.
محمد ﷺ واتباع إبراهيم عليه السلام
فكما كان سيدنا محمد ﷺ هو دعوة إبراهيم عليه السلام، فقد أُمِرَ أن يكون على ملته، وأن يقتفي أثره، وأن يهتدي بهديه، فقد أمره الله تعالى باتباع هدي الرسل من قبله وكان على رأسهم إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]، ثم أمره مباشرة أن يتبع ملة إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 123]، ثم بيّن له أنه هو أولى الناس بإبراهيم عليه السلام وليس اليهود ولا النصارى، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 68].
“الديانة الإبراهيمية” المزعومة (الخبيثة)
جاء إبراهيم عليه السلام بالحنيفية السمحة، وجاء الأنبياء والرسل كلهم من بعده يقتدون به، حتى جاء موسى وعيسى -عليهما السلام- بذلك، ثم إنه خلف من بعدهما خلف جاؤوا ببدع من القول، فحرفوا التوراة والإنجيل، حتى أرسل الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ بالحنيفية السمحة على ملة إبراهيم عليه السلام، فعاداه اليهود والنصارى، ووقفوا في وجه دعوته، فأظهره الله تعالى عليهم، فغلبهم وقهرهم، وانتشرت دعوة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ولا يزال الكفرة من أهل الكتاب يهودًا ونصارى يحاربون دعوته ويتربصون بها، ومن آخر اختراعاتهم الخبيثة ما يسمى زورًا وبهتانًا بـ”الديانة الإبراهيمية”، وإبراهيم عليه السلام بريء منهم، وهم يريدون بزعمهم تحويل المسلمين عن دينهم، من أجل الاعتراف بالديانات الباطلة من اليهودية والنصرانية، فيزعمون جمع الثلاثة في دين واحد، كل ذلك لسلخ المسلمين من دينهم.
ولعلم الله سبحانه وتعالى المسبق بهذا الهراء الذي حدث في زماننا، فقد نبهنا بهذا وما تركنا لنتخبط فيه، فصرح لنا منذ بعثة النبي ﷺ بأن إبراهيم عليه السلام بريء من اليهودية ومن النصرانية، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]، ثم حسم الله تعالى القضية بما لا يدع مجالًا للحديث فيها بقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، وقوله: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].
فليحذر المسلمون لدينهم، وليحذروا من مخططات اليهود للقضاء على الإسلام، وليعلم المسلم أن الاعتراف بالديانة الخبيثة الجديدة المسماة بالإبراهيمية كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة، فمن يعترف بالديانة الإبراهيمية يكفر بالله، ومن يتبعها يكفر بالله.
عافانا الله وإياكم والمسلمين!





