
العدد السادس والأربعين
مارس 1, 2026
انقلاب رمضان!
مارس 2, 2026د. محمد الصغير
رئيس الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ
التشيع السياسي يقوم على مبدأ الرفض، وعقيدة الروافض تقوم على رفض خلافة صاحب النبي ﷺ في الغار “ثاني اثنين” والله معهم وعينه تكلؤهم، وكل مَن رفض أفضلية أبي بكر الصديق وأحقيته بالخلافة وتشيع لغيره فهو من الروافض.
وبذلك أكون قد بينت المسألة وأزلت اللبس، فإن أحقية أبي بكر الصديق بالخلافة وتسليم الصحابة له وإجماعهم على ذلك، مرده لما فهموه من توجيه النبي ﷺ لهم، فقد بعثه خليفة عنه في حج العام التاسع من الهجرة، ولما نزلت آيات سورة التوبة بعد شخوصه من المدينة أرسل النبي ﷺ علي بن أبي طالب في إثره ليقرأها على أهل الموسم، ويعلن لهم براءة الله ورسوله من المشركين، ولما وافى الصديق قال له: أأمير أم مأمور؟ فقال علي: بل مأمور بقراءة براءة على الناس، وذلك جرياناً على عادة العرب في تمديد العقود أو إبطالها، إنما يكون ذلك عن طريق صاحب العهد أو أقرب الناس نسباً إليه.
ثم كانت الخلافة العظمى والمقام الأسنى في استخلاف أبي بكر للصلاة بالمسلمين في مرض رسول الله ﷺ، وهذا مستند إجماع الصحابة على خلافته، حيث قالوا: “رضيه رسول الله ﷺ لديننا ألا نرضاه لدنيانا”؟! ولو كانت الإشارة إلى علي أو العباس رضي الله عنهما لسارع الناس إلى تنفيذ ذلك، لاسيما وبني هاشم أكثر وفرة وشهرة ممن سواهم، ولو كان لهم شبهة حق ما تخلفوا عن تحصيله، وهو عين ما عبر عنه أمير المؤمنين الحسن بن علي رضي الله عنهما في وصيته الأخيرة لأخيه الحسين، والتي أوردها الإمام السيوطي في (تاريخ الخلفاء)، وفيها أنه قال له: “إن القوم قدموا أبا بكر لأن جدك قدمه للصلاة، ثم جعلها أبو بكر في عمر وأبوك حاضر شاهد، ثم جعلها عمر في أهل الشورى فكانت من أبيك قدر رمية بحجر فصرفها الله إلى عثمان”.
ولو أن المتجرأ على خير رجل طلعت عليه الشمس بعد النبيين، قال بأحقية عمر أو أختار أبا عبيدة على الصديق لاتهمنا فهمه وتحصيله فقط، أما أن يكون التقليل من مكانة الصديق تحت ستار تقديم آل البيت فهو الرفض والتشيع ومخالفة ما عليه أهل الإسلام، سواء فعل ذلك عن عمد وقصد، أو جهالة وغواية.
وقد ابتدع الروافض الجدد مصطلحاً حديثاً يتترسون خلفه، وهو قداسة الصحابة، سعياً منهم للنيل من عدالة الصحابة، التي أثبتها لهم القرآن الكريم، وأكدها رسول الله ﷺ، قال الله تعالى: ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَـٰجِرِینَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِینَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَـٰنࣲ رَّضِیَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُوا۟ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتࣲ تَجۡرِی تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدࣰاۚ ذَ ٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِیمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال رسول الله ﷺ: “خير الناس قرني ثم الذين يلونهم”1.
وفي آل أبي بكر تحديداً فإن علو مكانتهم ثابتة في صريح التنزيل، فليس من الصحابة من تعد إنكار صحبته كفراً إلا الصديق رضي الله عنه، لأنها صريحة مفردة في قوله تعالى: ﴿إِذۡ یَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ﴾ [التوبة: ٤٠].
والتعرض لعِرض المرأة في الإسلام كبيرة فيها حد القذف، إلا أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر فالطعن فيها كفر لنزول براءتها في عشر آيات من سورة النور، لكن من اختار العتمة، وسلك طريق الظلمة، سيمشي فيه مكباً على وجهه.
من شاء أن يؤمن ومن أراد أن يكفر، فلا إكراه في الدين، ولكن الرجل الحق أو صاحب المبدأ هو الذي يعلن عن اختياره دون مواربة أو تحايل.
من بلايا الزمن الحاضر، ورزايا وسائل التواصل، أن من شاء يتحدث فيما شاء، وكأن ملكية الجهاز وإمكانية الكتابة عليه، يتيحان لصاحبه أن يهرف بما لا يعرف، ويعلن كفره بالتخصص، ولو طلبت منه رأياً في شأن هندسي أو طريقة عمل الترزي، لقال لك: اسأل به خبيراً، أما قضايا الشريعة وأبواب العقيدة فهما الكلأ المباح، لكل من يحسن الضجيج والصياح، ومن علامات الجهل بالدين ومخاصمة العلم بيقين، إنكار التخصص الذي وضع قاعدته رسول الله ﷺ فيما رواه عَمْرِو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، أنه قَالَ: “مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يَكُنْ بِالطِّبِّ مَعْرُوفًا، فَأَصَابَ نَفْسًا فَمَا دُونَهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ”2.
إن ما تخلفه بعض المقالات من عاهات فكرية لا تقل خطورتها عن العاهات البدنية، لذا وجدت لزاماً عليّ البيان حول ما أثاره ممثل مصري على وسائل التواصل من شغب على الثوابت، وإثارة لغبار الفتنة النائمة التي لعن الله من أيقظها.
مشكلة قطاع كبير من الواجهات الإعلامية، أو من لهم خلفيات سينمائية، أنهم لا يستطيعون الحياة بعيداً عن الأضواء، وإذا غابت عنهم لحظة، أو انحسرت عنهم هنيهة، افتعلوا قضايا تعيدهم مرة أخرى إلى بؤرة الضوء، حتى مَن ترك منهم مجال التمثيل وأعلن التوبة عما اقترفه فيه، رأيناه في اليوم التالي يطل علينا في صورة الداعية، ويبدأ مشواره الجديد في التمثيل على البسطاء اعتماداً على تاريخه السابق، وفي حالتنا هذه فإن تقمص الممثل لدور الرفض والتشيع له بُعد آخر، مردُّه إلى أن مَن ينتسبون إلى المعارضة المصرية في الخارج، يرون من لوازم المعارضة أن يدلي المعارض بدلوه فيما عرف وما لم يعرف، وقديماً قالوا: “من تحدث في غير فنه أتى بالعجائب”، وهذا الفنان افتعل معركة مع طواحين الهواء، وتكلم بنقيض مقصوده -إن كان حسن القصد والنية- حيث دعا إلى الوحدة في مواجهة الغطرسة الأمريكية، مستدعياً صورة سقيفة بني ساعدة بعد وفاة رسول الله ﷺ، فكان كمَن نفخ في الرماد بحجة إطفاء اللهب، فكان شراً من حمالة الحطب .
وبعيداً عن عبث الممثل ودوره السيء في المشهد، فإن العقلاء من المسلمين أجمعين لا يرون في صلف ترمب ودقه لطبول الحرب، وسعيه للاعتداء على إيران، إلا صورة من الحرب على المنطقة بأسرها، وخطوة في مرحلة تسييد إسرائيل على الشرق الأوسط، وبداية فعلية لحلم إسرائيل الكبرى الذي بدأ يتحدثون عنه علانية، وهذا الموقف المنصف هو نتيجة لقراءة التاريخ وفهم الواقع وحقوق الجغرافيا، وبعيداً عن قضية الإمامة، وطعن أبي لؤلؤة المصري لأبي بكر الصديق، ومحاولته خلط الخمر باللبن، فإن تقديم التشيع السياسي القائم على فقه التوازن وتحقيق المصالح، على الأصل العقدي القائم على قاعدة “لكم دينكم ولي دين”، هو عين الغبش العقدي والحول السياسي الذي يروج له “مولى المغيرة”.
ـــــــــــــــــ
1 متفق على صحته.
2 أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَغَيْرِهِمَا.





