
بعد شهر واحد.. البرد القارس يخطف رضيعا آخر بغزة
ديسمبر 18, 2025
أبو بكر وانطلاقة الفتوح الإسلامية
ديسمبر 19, 2025بقلم: الشيخ سمير مصطفى – فك الله أسره*
إذا كنا نعيش زمان حثالة وفتن.. فاعرف الآن فقه الفتن!
حين مات النبي ﷺ وعلم الناس ذلك يقينًا كانت فتنة، وقام عمر رضي الله عنه وامتشق حسامًا ووعد بأن مَن خالفه سيجندله من ساعته.. مَن خالفني أن رسول الله لم يمت وإنما ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى ثم يرجع فيقطع أطراف المنافقين.. سأقتله! هكذا معنى كلامه رضي الله عنه، والناس من حوله في وهدة شديدة، وجوه مشدوهة، قلوب بلغت الحناجر، بل لا قلوب أصلاً!
فجاء أبو بكر رضي الله عنه وقد كانت له مصلحة بالسنح -مكان ناء عن المدينة وكان قد خرج عندما علم أن رسول الله ﷺ قد استقرت حاله- فرجع بعدما علم الخبر، فلم يلتفت إلى أحد ودخل إلى رسول الله ﷺ مباشرة، وناح عليه نيحة السنة، وأقول نيحة السنة لأنه لا يبتدع، ثم أتاه من قِبل رأسه فمدّ فاه وقبّل جبهته ثم قال: “وانبياه!” ثم رفع رأسه وحَدَر فاه وقبّل جبهته ثم قال: “واصفياه!” ثم رفع رأسه وحدر فاه وقبّل جبهته ثم قال: “واخليلاه! مات رسول الله ﷺ”.. وقال: “بأبي أنت يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كُتبت عليك فقد متها”. وكأنه يريد أن يقول: لا تذوق الآن تعباً ولا ألماً ولا عرقاً، بل قد وفدت على ربك الذي لطالما أظمأت له الهواجر، وصبرت على الحثالة، حتى نجاك الله عز وجل، وأديت الأمانة.
ثم انصرف خارجًا وقام بجوار المنبر، ثم خطب الناس بقولته الشهيرة المحفوظة: “مَن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومَن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت”.
تأمل شخصية هذا الرجل جيدًا، لقد سبق أبو بكر الناس -خلا الأنبياء- في كل شيء، قد تمالك أبو بكر عقله وقلبه في هذه المحنة تمالكًا عجيبًا، ولَمْ يصعد المنبر وهو يريد أن يخطب الناس بل وقف جواره لأن رسول الله ﷺ لا يزال على وجه الأرض وهو الإمام المطلق! ألهذا القدر لا زال عقل أبي بكر فيه؟ نعم! ولم يقل (مَن كان يعبد رسول الله) بل قال (محمداً)، وذلك لأنه في جناب التوحيد فلا مزاحمة! كما قال موسى بن نصير وقد دعا يومًا واستسقى لجيشه فلما نزل قالوا له: هلا دعوت لأمير المؤمنين؟ قال: “إن هذا مقام لا يُدعى فيه غير الله!” فما أتم كلمته حتى هطلت السماء.
وسيوفنا الآن لا زالت على عواتقنا ندفع عن رسول الله ﷺ وعن دينه كما كان رسول الله يدفع، نحن على الجادة الآن..
أي قلب هذا المتمالك؟ ولتعلموا جيدًا أن أهل السير قالوا: إن أبا بكر لما جيء به ليصافَح ويبايَع بيعة علنية مشهورة ارتجف وبكى! فمن الذي ثبته في ذلك الموقف؟ ومن الذي خوّر قواه بعد ذلك؟
انظر جيدًا إلى شخصية أبي بكر رضي الله عنه في الفتن، فتنة فتناء كتنصيب خليفة للمسلمين، قيّض الله سبحانه أبا بكر أيضاً فقام في المهاجرين والأنصار، وقال ما معناه: يا معشر الأنصار إننا الأمراء وأنتم الوزراء، وأنتم تعلمون ذلك جيدًا أن الدعوة بدأت من عندنا، وأن الذي ذاق مرها وحمل شدتها هو نحن، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، بايِعوا أبا عبيدة وعمر بن الخطاب. فقال عمر: يأبى الله ورسوله إلا أنت يا أبا بكر! فبسط أبو بكر يمينه فبايعه الناس، فوأد الفتنة أيضاً.
كأنك الآن تقول: ومن أبو بكر هذا؟ وما هي مقومات أبي بكر التي جعلته وآداً وئآّدًا للفتن؟
لما مات النبي ﷺ وقبل ذلك حينما اشتد مرضه، تنبأ أناس ليصدق عليهم قول النبي ﷺ: “سيكون بعدي ثلاثون كذابًا كلهم يدّعي النبوة”، فتنبأ الأسود العنسي، وتنبأ مسيلمة، وبعد ذلك تنبأ طليحة حينما ملك أبو بكر رضي الله عنه زمام الحكم، ما إن جلس أبو بكر على سدة الخلافة حتى ظهرت الفتن، يجب أن تعرف عن ذلك فهناك قوم يريدون منا اليوم أن نأخذ قرآناً وسنة من رجل غير مسلم، فضلًا عن أنه غير عربي، وليس لسانه بمستقيم!
تأمل جيدًا.. ما أن تولّى أبو بكر الخلافة حتى ارتدت أحياء العرب، فلا ترى إلا الإسلام إلا في مكة والمدينة وبعض القرى المترامية، ولا أقول “بعض” حتى لا تظنها كثيرة، فقد ذكر أهل السير أنه كانت مدينة جواثا بالقرب من البحرين هي التي كانت على الشريعة، وقام أصناف ناس -وتأمل وضع نفسك الآن مكان أبي بكر وأنت تحكم أمة- قام أصناف ناس فمنهم من يقول: لا أؤدي الزكاة لأن الله عز وجل قال لنبيه: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَ الِهِمۡ صَدَقَةࣰ﴾ [التوبة: ١٠٣] أما إذ مات نبينا فمن الذي سيأخذ؟ لا أدفع الصدقة!
وقام صنف آخر وارتد عن الإسلام جملة وتفصيلًا، وقام صنف ثالث فتنبأ كمسيلمة قال: “إن الأمر كان بيني وبين محمد”.. يعني منقسماً إلى شطرين! بل تجرأ وأرسل إلى رسول الله في حياته خطابًا يقول: “إن الأرض بيني وبينك”.
وقام صنف رابع وهم على غير ملة الإسلام فإذا بهم تشرئب رؤوسهم يريدون أن ينتزعوا بيضة الإسلام، وأن يفتّوا في عضد دولة المسلمين، ليثأروا لأنفسهم من حقبة ماضية، وعلى عدوة الدنيا، الفرس يمدونهم بالمال: أعرابًا يريدون أن يخرجوا على أبي بكر؟ خذ مالًا، رجل يريد أن يتنبأ ويدعي النبوة؟ خذ مالًا..
ولم يعلم هؤلاء الحثالة -كانوا حثالة لم يكن عند هؤلاء فقه- أن رسول الله قد ربى أصحابه..
إن ملك الروم قد أرسل إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما يومًا حينما كانت الحرب على قدم وساق بينه وبين علي رضي الله عنه، فقال: أبا يزيد إن شئت مالًا أمددتك بمال، وإن شئت جندًا وعتادًا أمددتك بالجند والعتاد. فصكّ معاوية سمعه، وغطى حلقومه، وأرسل إليه قائلًا: من معاوية بن أبي سفيان إلى كلب الروم، إن تقدمت نحوي خطوة كنت أنا وابن عمي عليك فتظن أنني قاتلت عليًا الآن غير متأول، أو لحقد بيني وبينه كما يحدث عندكم؟ إنما قاتلني علي وقاتلت عليًا نصرة لله ورسوله!
لم يكن هؤلاء يدرون ذلك، لكنه أمر قد حدث، اشرأبت رؤوس المنافقين، وكذلك اشرأبت نفوس الكافرين، وصارت الدنيا تموج بكفر لا يقوى عليه أحد، ولا أجد عبارة أعظم ولا أجمع من هذه التي قالها بعض المؤرخين فإنه قال: بالدراسة لأحوال الأمم الماضية والإمبراطوريات العتيدة القديمة، يُعلم أن مثل هذه الفتنة لو قامت في دولة قديمة عتيدة لتداعت أركانها، ولصارت أطلالًا، لكنها دولة ناشئة عمرها عشر سنوات وفقط، ومع ذلك قامت أمام هذه المحن!
لنأخذ هذا المعنى ونعلم أن ديننا إكسير ناجع في الفتن، إذا ما احتدم الأمر عليك في أي باب فوجّه قلبك نحو الله عز وجل، وأصلح ما بينك وبين سبحانه، فبحمده تُرفع المحنة، وتُكشف الإحنة.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهو يصف لك أحوال الصحابة يومها والأمة برمتها: لم يكن منا أحد إلا قال يوم هذه الفتنة: لنعبد الله عز وجل وننزوي في دورنا حتى يأتينا اليقين! أي حتى نموت، الذي يقول هذا الكلام هو عبد الله بن مسعود كما ذكر ابن الأثير في الكامل في التاريخ، ما منا من أحد إلا قال هذا، انزوِ في بيتك وأغلق عليك بابك وانتهى، لقد تداعت أركان أمتنا!
حتى دخل عمر رضي الله عنه هذا الـمُحدّث الملهم، ومع ذلك فإن الفتنة اقتاتت بعض أمله، فدخل على أبي بكر رضي الله عنه وقال: يا أبا بكر أتقاتل قومًا- وقد عزم أبو بكر على القتال- يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ وقد قال النبي ﷺ: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم وحسابهم على الله”؟
فانتفض أبو بكر رضي الله عنه وإذا كنت تعرف وصف عمر فمنا الكثير الذي لا يعرف وصف أبي بكر، هذا الذي انتفض ما نفضه هكذا إلا الحمية لدينه والولاء لله ورسوله، هذه معالم نحن الآن نفتقدها، لذلك وقعنا في محنة مماثلة لكننا لا نستطيع أن ننهض منها، قام أبو بكر هذا النحيف الذي وصفه البعض قائلًا: كان جلدًا على عظم، كأنه لم يكن فيه لحم، وليس أنجع ولا أبهى في وصفه لما قال لرسول الله ﷺ: “إن إزاري يسقط من أحد شقيه”، يعني كان أبا بكر -كما نقول باللفظ الدارج- لا وسط له من نحافته!
هذا النحيف قام وانتفض إلى عمر رضي الله عنه وقال: “ويلك يا ابن الخطاب أجبّار في الجاهلية وخوّار في الإسلام”! كنتَ في الجاهلية جريئًا والآن تجبن؟ “والذي نفسي بيده لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا يا عمر” والله لو منعوني عنزة، لو منعوني عناقًا، صغير الشاة الهزيل “كانوا يؤدونه إلى رسول الله لأقاتلنهم على منعها، أيختلف الدين وأنا حي”؟
بردت النفوس الآن حينما يُسب رسول الله ﷺ، لماذا بردت؟ لأن كلما تتصفح الجريدة اليوم تجد سبًا للنبي ﷺ من دويلات حقيرة صغيرة، حينما نذكر أجدادنا نعلم أنهم دهسوا صماغ آذانهم بالأمس القريب بأقدامهم حتى كان الأكاسرة والقياصرة على عروشهم يرتجفون من رسالات محمدية أو هجمات بكرية أو غزوات عمرية وملاحم عثمانية، لكنهم اليوم داسوا هم صماغ آذاننا ومُنحوا أكتافنا!
لترجع إلى نفسك، أجدادك عاشوا الذي تحياه أنت اليوم، ونجّاهم الله من محنتهم..
هذه عقيدة أبي بكر اعترف بالحق، وعلم الحق فلا ينزوي عنه مطلقًا، لا أقول ذلك فحسب، بل خرج أبو بكر ليري الناس ذلك فانطلق رضي الله عنه مع الجيوش التي قد نصبها لقتال أهل البغي والردة حتى بلغ مكانًا يقال له ذو القَصة أو القِصة، فأتاه علي رضي الله عنه متعلقًا بذيله وقال: “يا أبا بكر ارجع فوالذي نفسي بيده لو قُتلت يا أبا بكر لانفرطت عُرى الإسلام كما تنفرط الحبات من العقد”، لا يكون للناس قوامًا لأن الآن وقت فتنة، وأنت الآن تغلق الفتنة، يا أبا بكر فلئن قتلت ما عاد إسلام، فسمع أبو بكر له ورجع رضي الله عنه ثم بعث بعد ذلك وبث سراياه..
وتعجب عندما تقرأ أن كان من أول سرية وجيش بعثه أبو بكر هو جيش أسامة، كان النبي ﷺ في آخر حياته قد أرسله لقتال الروم، الآن أقول لك ليس ثمة إلا مكة والمدينة هم على الإسلام والأعراب يهاجمون مكة والمدينة، أيصلح الآن أن يرسل أبو بكر جيشًا إلى الروم يتجاوز الذين ارتدوا من بين يديه؟
نعم، دخل عليه عمر ودخل عليه الناس وقالوا يا أبا بكر كيف تنفذ بعث أسامة ونحن نحتاج إلى كل جندي؟ إن الناس قد ارتدوا وأنت أعلم بما يحدث يا أبا بكر، فانتفض أبو بكر وأمسك بلحية عمر كما ذكر ابن الأثير في كامله، أمسك بلحية عمر وجذبه منها وهو يزأر، كأنه قمر أو ضَيغم هِصر، أو حية ذكَرٌ، أو عارضٌ هطِل، قال: ويلك يا عمر أحل عقدة عقدها رسول الله ﷺ؟
هذا فقط هو السبب.. أن الرسول أرسله فلا يستطيع المخالفة، أحل عقدة عقدها رسول الله ﷺ؟ ثم زأر ثانية: “والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله ﷺ، ولو أن الطير تخطفنا، والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين، لأجهزن جيش أسامة”.. أفأطيع رسول الله حيًا وأعصيه ميتًا؟
هذه معالم منقذ الأمة، إن شئتم أن تنقذوها الآن من وهدتها، أفأطيعه حيًا وأعصيه ميتًا؟ الآن نعظم أناسًا كأن لهم في الدعوة باع كبير وليس لهم مثيل أو مضاهٍ، هذا الرجل الذي يعمد إلى صحيح البخاري فيقول هذه أحاديث باطلة، الآن يمجده البعض؟ حزبية وعصبية مقيتة، هذا هو الذي حل بنا..
وكما أقول دائمًا لا تظنن أنك بمنأى عن عدوك فإن حدود طمعه عنقك، لا أقول عنق أخيك الذي بجوارك، بل عنقك أنت! فإذا كان هو الآن عند بعض إخوانك بجوارك، وأنت مصدق بهذا المسمار العفن الذي دقه المستعمر قديمًا ولا تعترف أننا أمة واحدة، فأقول لك -حتى تنزلًا على ما تعتقده- إنه غدًا سيكون فوق رأسك، وعدوك كما قال الله عز وجل: ﴿سَتُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ قَوۡمٍ أُو۟لِی بَأۡسࣲ شَدِیدࣲ﴾ ليس معه مهادنة ولا موافقة ولا مسالمة، إذا مُكّن من عنقك ضربك وقطعك! ليست عنده مروءة لا قانون ولا عرف ولا إنسانية، ليس ثمة إلا عقيدة بينك وبينه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* المقال مقتبس من خطبة للشيخ سمير مصطفى: موقع إلكتروني: (يوتيوب)، منشورة في 23-11-2023 بعنوان: ثبات الصديق الأكبر.





