
فارس الأندلس الأخير: موسى بن أبي الغسان
يناير 17, 2026
العريس آخر من يعلم!
يناير 18, 2026د. محمد موسى الشريف
فك الله أسره
بعد أخذ النصارى -لعنهم الله- طليطلة شرعوا في تغيير الجامع إلى كنيسة بعد شهرين، مع أن نصوص تسليم المدينة قد نُص فيها على أن يحتفظ المسلمون إلى الأبد بمسجدهم الجامع، ولما ذهب النصارى إلى الجامع لم يجدوا فيه إلا “الشيخ الأستاذ المغامي آخر من صدر عنه، واعتمده في ذلك اليوم ليتزود منه.. وبين يديه أحد تلامذته يقرأ، فكلما قالوا له: عجل، أشار هو إلى تلميذه بأن أكمل، ثم قام ما طاش ولا تهيب فسجد به واقترب، وبكى عليه ملياً وانتحب، والنصارى يعظمون شأنه ويهابون مكانه، لم تمتد إليه يد، ولا عرض له بمكروه أحد”1.
وقد فطن الشاعر ابن العسال لحقيقة ما يجري فصاح بالأندلسيين:
حثوا رواحلكم يا أهل أندلس ** فما المقام بها إلا من الغلط
السلك ينثر من أطرافه وأرى ** سلك الجزيرة منثوراً من الوسط
من جاور الشر لا يأمن بوائقه ** كيف الحياة مع الحيات في سفط2
وهي دعوة لا تخلو من اليأس والقنوط من انصلاح الحال.
- وبعد سقوط بَرْبَشتر قُدر عدد الأسرى والقتلى ما بين خمسين إلى مائة ألف شخص! “وحصل للعدو من الأموال والأمتعة ما لا يُحصى، حتى إن الذي خص بعض مقدمي العدو -وهو قائد خيل رومة- نحو ألف وخمسمائة جارية أبكاراً! ومن أوقار3 الأمتعة والحلي والكسوة خمسمائة جمل! واقتسم الفرنجة الناس وأخذ كل واحد منهم داراً بمن فيها من أهلها، وكان الفرنج -لعنهم الله تعالى- يفتضون البكر بحضرة أبيها، والثيب بعين زوجها وأهلها، وجرى من هذه الأحوال ما لم يشهد المسلمون مثله قط فيما مضى من الزمان، ومن لم يرض منهم أن يفعل ذلك في خادم أو ذات مهنة أعطاهن خدمه وغلمانه يعيثون فيهن عَيثة، وبلغ الكفرة منهم يومئذ ما لا تلحقه الصفة على الحقيقة، ولما عزم ملك الروم على القفول إلى بلده تخير من بنات المسلمين الجواري الأبكار والثيبات ذوات الجمال ومن صبيانهم الحسان ألوفاً عدة حملهم معه ليهديهم إلى من هم فوقه”4.
وأورد أبو حيان -رحمه الله تعالى- قصة تبكي القارئ وتذهل العاقل.. وحاصلها أن تاجراً من تجار اليهود جاء إلى بَرْبشتر ليفتدي بعض بنات ذوي الوجوه المسلمين ممن نجين من الحادثة، وكانت تلك البنات قد وقعن في سهم رجل من النصارى يعرفه، فقال:
“فهُديت إلى منزله فيها، واستأذنت عليه فوجدته جالساً مكان رب الدار، مستوياً على فراشه رافلاً في نفيس ثيابه والمجلس والسرير كما خلفهما ربهما يوم محنته لم يغير شيئاً من رياشهما وزينتهما، ووصائفه مضمومات الشعور، قائمات على رأسه، ساعيات في خدمته، فرحب بي وسألني عن قصدي.. فأشرت إلى وفور ما أبذله في بعض اللواتي على رأسه وفيهن كانت حاجتي.
فتبسم وقال بلسانه: ما أسرع ما طمعت فيما عرضناه لك، أعرض عمن هنا وتعرض لمن شئت ممن صيرته لحصني من سبيي وأسراي أقاربك فيمن شئت منهن.
فقلت له: أما الدخول إلى الحصن فلا رأي لي فيه، وبقربك أنست، وفي كنفك اطمأننت فسُمني ببعض من هنا فإني أصير إلى رغبتك.
فقال: وما عندك؟ قلت: العين الكثير5 الطيب، والبَز الرفيع الغريب، فقال: كأنك تشهيني ما ليس عندي! يا مجّة (ينادي بعض أولئك الوصائف، يريد يا بهجة فغيره بعجمته) قومي فاعرضي عليه ما في ذلك الصندوق. فقامت إليه وأقبلت ببدر6 الدنانير وأكياس الدراهم وأسفاط7 الحلي، فكُشف وجُعل بين يدي العلج8 حتى كادت تواري شخصه، ثم قال لها: أدني إلينا من تلك التخوت، فأدنت منه عدة من قطع الوشي والخز والديباج الفاخر مما حار له ناظري وبهت واسترذلت ما عندي.
ثم قال لي: لقد كثر هذا عندي حتى ما ألذ به، ثم حلف بإلهه أنه لو لم يكن عنده شيء من هذا ثم بذل له بأجمعه في ثمن تلك ما سخت بها يداه، فهي ابنة صاحب المنزل، وله حسب في قومه، اصطفيتها لمزيد جمالها لولادتي حسبما كان قومها يصنعون بنسائنا نحن أيام دولتهم وقد ردّ لنا الكرة عليهم فصرنا فيما تراه، وأزيدك بأن تلك الخودة الناعمة9 (وأشار إلى جارية أخرى قائمة إلى ناحية أخرى) مغنية والدها التي كانت تشدو له على نشواته إلى أن أيقظناه من نوماته.. يا فلانة (يناديها بلكنته) خذي عودك فغني زائرنا بشجوك.
قال: فأخذت العود، وقعدت تسويه وإني لأتأمل دمعها يقطر على خدها، فتسارق العلج مسحه واندفعت تغني بشعر ما فهمته أنا فضلاً عن العلج، فصار من الغريب أن أظهر الطرب منه، فلما يئست مما عنده قمت منطلقاً عنه، وارتدت لتجارتي سواه، واطلعت لكثرة ما لدى القوم من السبي والمغنم على ما طال عجبي به”10.
وكفى بهذه القصة دليلاً على ما أصاب المسلمين من الذل، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
يا غافلاً وله في الدهر موعظة ** إن كنت في سنة فالدهر يقظان11
وماشياً مرحاً يلهيه موطنه ** أبعد حمص تغر المرء أوطان12
تلك المصيبة أنست ما تقدمها ** وما لها مع طول الدهر نسيان
یا راكبين عتاق الخيل ضامرة ** كأنها في مجال السبق عقبان13
وحاملين سيوف الهند مرهفة ** كأنها في ظلام النقع نيران14
وراتعين وراء البحر في دَعَة15 ** لهم بأوطانهم عز وسلطان
أعندكم نبا من أهل أندلس ** فقد سرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم ** قتلى وأسرى فما يهتز إنسان
ماذا التقاطع في الإسلام بينكم ** وأنتم يا عباد الله إخوان
ألا نفوس أبيّات لها همم ** أما على الخير أنصار وأعوان
يا من لذلة قوم بعد عزهم ** أحال حالهم كفر وطغيان
بالأمس كانوا ملوكاً في منازلهم ** واليوم هم في بلاد الكفر عبدان
فلو تراهم حيارى لا دليل لهم ** عليهم من ثياب الذل ألوان
ولو رأيت بكاهم عند بيعهم ** لهالك الأمر واستهوتك أحزان
يا رُبَّ أم وطفل حيل بينهما ** كما تفرق أرواح وأبدان
وطفلةٍ مثل حسن الشمس إذ طلعت ** كأنما هي ياقوت ومرجان
يقودها العلج للمكروه مكرهة ** والعين باكية والقلب حيران
لمثل هذا يذوب القلب من كمد ** إن كان في القلب إسلام وإيمان16
- وبعد سقوط غرناطة يحدثنا التاريخ عن هذا المشهد:
“صعد الكردنال إلى أحد الأبراج بالقصر (قصر الحمراء)، ونصب فوقه صليباً كبيراً من فضة ولواء الملكية المسيحية.. وما إن أبصرت الملكة الصليب منصوباً فوق قصر الحمراء حتى انحنت نحو الأرض واقفة على ركبتيها وهي تصلي وتوجه الشكر إلى ربها، أثار المشهد الحماس في نفوس أعضاء حاشيتها فعكفوا يرتلون الأناشيد الدينية. عند ذلك بدأ فيرديناند وبعض علية القوم وأعيانهم، يزحفون نحو غرناطة، ولما دخلوا تقدم نحوه أبو عبد الله (ملك غرناطة) ممتطياً جواده ولما دنا من فرناندو تهيأ للنزول عن صهوته ليقدم التحية إلى الملك النصراني، لكن هذا الأخير أومأ إليه ألا يفعل، شفقة عليه، فقبل أبو عبد الله -مع ذلك- ذراع فيرديناند اليمنى وقدم إليه مفاتيح القصر17.
وهذا الذل الذي قبل به أبو عبد الله الصغير كان رجاء أن يوفي النصارى بوعودهم للمسلمين بالحفاظ على شعائر الإسلام وحرية التدين، فماذا حدث بعد هذه الذلة وهذا التنازل للنصارى؟
لا تسأل بعد ذلك عما حدث من الملكين فرديناند وإيزابيلا؛ من نكث الوعود وإحراق كتب المسلمين18 لإزهاق الحضارة الإسلامية، ومن فرض التعميد على الأطفال، ومن منع أداء شعائر الإسلام، ومن منع التسمي بأسماء عربية، ومن منع الختان، ومن منع التحدث بالعربية… إلخ.
“ثم بعد ذلك دعاهم -أي ملك غرناطة النصراني- إلى التنصّر وأكرههم عليه، وذلك في سنة أربع وتسعمائة، فدخلوا في دينه كرهاً، وصارت الأندلس كلها نصرانية، ولم يبق من يقول فيها لا إله إلا الله محمد رسول الله جهراً، إلا من يقولها في قلبه أو خفية من الناس، وجعلت النواقيس في صوامعها بعد الأذان، وفي مساجدها الصور والصلبان بعد ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، فكم فيها من عين باكية وكم فيها من قلب حزين، وكم فيها من الضعفاء والمعدومين، ومن لم يقدروا على الهجرة واللحوق بإخوانهم المسلمين، قلوبهم تشتعل ودموعهم تسيل سيلاً غزيراً مدراراً، وينظرون أولادهم وبناتهم يعبدون الصلبان ويأكلون الخنزير ويشربون الخمر فلا يقدرون على منعهم، ومن فعل ذلك عوقب أشد العقاب، فيا لها من فجعة ما أمرها ومصيبة ما أعظمها!”19.
وسمي المسلمون الباقون بالأندلس بالمدجنين، وبعد فرض التعميد على المسلمين سُمُّوا: “موريسكيين”، ومعناه: المسلمون الداخلون في النصرانية حديثاً، وحتى هؤلاء الذين دخلوا في النصرانية ظاهراً تحت الضغط لم يسلموا من الإجراءات المتعسفة التي يقوم بها ضدهم الرهبان والأساقفة وتساعدهم الحكومة، وأقاموا لهم محاكم تفتيش ألزمتهم بقرارات تفوح منها الذلة والصَّغار، ولقد حاول المسلمون مراراً أن يثوروا وقاموا فعلاً بثورات ولكنها أخمدت كلها نتيجة عوامل متعددة يضيق المقام عن ذكرها.
ولم تُجدِ كل الإجراءات التعسفية التي قام بها الصليبيون ضد المسلمين، واستقر الأمر على إخراج المسلمين إلى أرض المغرب، وكان هذا في أوائل القرن السابع عشر الميلادي، وفرح المسلمون بهذا الفرج الذي طالما دعوا الله تعالى أن ينالوه، بينما رفض قسم منهم الخروج وثاروا على الإسبان، ولكن الإسبان استطاعوا أن يستوعبوا ثورتهم20.





