
دولة الإسلام في المدينة المنورة
يونيو 9, 2026
أحبُّ ثيابِ النبي ﷺ إليهِ وغالبُ ما كان يَلبِسه
يونيو 10, 2026بقلم: الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل- فك الله أسره*
إن أخوف ما أخاف منه، وما يجب أن نخاف منه جميعا، الحديث الذي يقول فيه الرسول: “لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ”. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: “فَمَنْ؟” أي: فمن غيرهم. والضب: هو الفأر الصغير، أي أن اتباعهم سيصل إلى درجة عالية.
لقد قيل هذا الكلام للصحابة؟ ففزعوا. فلا بد أن نكون في منتهى الخوف، أن نضل الطريق، بحيث أنهم كما خربوا دينهم نخرب نحن ديننا.. أمر في منتهى الخطورة!
فكيف خرب هؤلاء دينهم الذي هو الإسلام ووصلوا به إلى هذا التردي؟!
إن الدافع قد يكون أنهم اتبعوا أهواءهم بغير علم، إنما أخطر من هذا أنهم أَتْبَعوا ذلك بأمور منها: كتمان العلم.
كتمان العلم: أن يسكت الذي عنده العلم!
هذا يُؤتى به يوم القيامة، ليس شيطانا أخرس فحسب، وإنما يؤتى به يوم القيامة ويُعذب، لأن الله لم يأمر الذين آمنوا أنهم إذا سُئلوا أجابوا، وإنما أخذ الميثاق بأمر آخر، أخذه ببيان العلم ابتداءً من غير أن يكون سؤال، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
إن الطغيان السياسي اليوم يعم البلاد، ليس من بلد اليوم تخلو من الطغيان السياسي، وقد أقاموا أجهزة المباحث والمخابرات، أجهزة ضخمة من أجل أن تُكتَم درجةٌ معينة من درجات الحق، يُسمح بالقول لكن إلى حد معين لا يصل إلى درجة الحق هذه. فيظل جزء من الدين مختفيا، فإذا قيلت الحقيقة وظهرت توصم بأنها “تطرف” و”إرهاب”، مع أنها من الإسلام، إذا فتحت القرآن وجدتها فيه.
وقد حدثت واقعة بين الرسول ﷺ وبعض أهل الكتاب، سألهم عن الحكم في قضية فقالوا له: الحكم كذا، فقال لهم: لا، بل الحكم الذي في التوراة هو نفسه الحكم الذي في القرآن، هاتوا التوراة واتلوها، فأتى صاحبهم فوضع يده على موضع من التوراة وظل يقرأ، فقال النبي ﷺ له: ارفع يدك، فكان تحت يده الحكم المراد.
هذا المشهد المضحك، رجل يضع يده على شيء من الصفحة كي لا تظهر للناس، هو الحقيقة التي حدثت عبر قرون طويلة، أن يظل جزء من الدين مكتوما، ألا يكون الحديث مسموحا به في جزء بعينه مع أنه من صلب الدين. فهذا من أخطر ما تتعرض له الأمة الإسلامية، ومن أخطر ما تعرض لها مَن قبلهم: الكتمان!
هذا الذي يكتم العلم فيريح نفسه في الدنيا، يأتي يوم القيامة فيُعذَّب أشد العذاب، ذلك أن الله أنعم عليه بالعلم ليبينه للناس، لا ليكون سدًّا يحجب الناس عن نور الله!
إني لأعلم بعض الناس الذين يؤم دروسهم الآلاف، بدأ الأمر معهم بأن اتفق مع واحد فحسب أن يعلمه، ثم زاد الواحد إلى اثنين ثم إلى أربعة ومائة وألف وثلاثة آلاف، وأصبح لقاءً مشهودا ويُبنى ويُربَّى عليه. لأن هذا العالِم مأمور بالبلاغ ولو لم يوجد إلا واحد فيجب أن يُبلِّغ، لا بد أن يبلغ، ولا يسعنا أن نسكت.. لا يسعنا أن نكتم الحق.
بل إن رسول الله ﷺ قال: “لا يحقر أحدكم نفسه”، قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: “يرى أمرا لله عليه فيه مقال ثم لا يقول فيه. فيقول الله -عز وجل- له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس. فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى”.
فيذهب العبد إلى نار جهنم، انظر كيف لم يصمد لله خمس أو ست سنوات، فيوضع في نار جهنم خمسين أو ستين سنة! والعياذ بالله.. ومن يصبر على نار جهنم؟!
إن أي أمة ترتضي أن تكتم من دين الله شيئًا، سيحدث لها مثلما حدث مع اليهود والنصارى، صار دينهم غيرَ الدين الذي نزل على نبيهم.
وقد يسأل سائل: إن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، فلن يحدث تحريف.
وأنا أقول بأن القرآن ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فالله هو حافظه، أما التوراة والإنجيل فقد عهد الله بحفظهما لأهل الكتاب فقال: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤] فكان الناس هم المستحفظين، فلن يضيع القرآن مثلما ضاعت التوراة والإنجيل.
أما نحن، فنحن المكلفون بحفظ “تطبيق هذا الدين”، حفظ “إقامة أحكامه”.. لا أن يأتي أحد فيكتم أمر “الحكم بما أنزل الله” فيخفيها خوفا وحرصا، ولذلك يأتي ضباط الأجهزة الأمنية فيقولون: ما بال الدين الذي تتكلم فيه غير الدين الذي يتكلم فيه غيرك، لماذا لا تتحدث في الصلاة والصيام والزكاة والحج وبر الوالدين وإطعام المسكين… إلخ!
صحيح أن هذا كله في دين الله، وفي دين الله أيضاً الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة حدود الله، وإقامة الدولة الإسلامية.
أنا مكلف بالبيان، لا أضع ولا أرفع شيئًا من كتاب الله، إن وظيفتي أن أتكلم في الإسلام كما هو الإسلام.
إنني إذا دخلت في الصلاة أقرأ في سورة البقرة ﴿الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ١-٣]، وفي سورة البقرة نفسها: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فهل يسعني أن أقفز عليها؟! بل يجب أن أقرأها، ومن رضي أن يكتم فإنه هو الذي يبدل الدين.
يجب أن أنتبه إلى أن الذين جاءهم وصف النبي بدقة في كتبهم ثم كذبوه إنما كان ذلك نتيجة الكتمان!
يوم القيامة يأتي الناس بين يدي الله يقفون، فيهم الضعفاء وفيهم الأقوياء، يقول الضعيف: يا رب، لم أكن أستطيع الوقوف أمام هؤلاء، لقد كانوا السادة ونحن الضعفاء، فكتمنا، اقرؤوا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧]، فلم يكن هذا حجة لهم، بل قيل: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾، ثم ذكرت الآية أن مآلهم إلى جهنم ﴿فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨] فالشيخ الكبير أو النساء أو الأطفال الصغار هم المعذورون.
إن القرآن يقول إنه لا يخضع ضعيف لقوي في معصية ما إلا بإجرام في نفس الضعيف، إجرام يستحق العذاب، كما يقول الله -تبارك وتعالى- في سورة سبأ ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١] فانظر كيف سماهم القرآن جميعا ظالمين؛ القوي ظالم والضعيف ظالم، لأن القوي لا يتفرعن إلا لأن الضعيف لم يحافظ على حقوق الله.
يقول الضعفاء للأقوياء: لولا أنتم لكنا مؤمنين، فإذا بالذين استكبروا يقولون: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ: ٣٢].
لماذا لم يُقْبَل عذر الضعف من الضعيف؟ لأنه لم يخضع للقوي إلا لما فيه من الإجرام، إجرام اختيار الدنيا على الآخرة، فإن الآخرة في يد الله لكن الدنيا تبدو في يد هذا القوي، فاختار الدنيا التي في يد هذا القوي على الآخرة.. فهذا هو الإجرام.
إن كتمان العلم يأتي من هنا، وقد عرف الضعفاء أن نفوسهم أحبت الدنيا، وحب الدنيا هذا هو الذي أنزلهم هذا المنزل، فردوا على الأقوياء بأنهم من زرعوا فيهم هذا، قالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣٣].
فاحذر من كتمان العلم، احذر أن تكتم علماً في أبسط شيء، في رجل ضرب رجلاً، أو رجل أخذ قِرشاً من رجل وأنت شاهد، ثم لم تشهد بالحق، إياك أن تكتم الشهادة في قضية ولو بسيطة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].. فكيف بكتمان الدين؟!
أنت مأمور أن تبين للناس وألا تكتم، فإياك أن تعتاد كتمان الحق وأنت تعرفه، وإلا فهذا هو بيع الدين بثمن بخس، بثمن بخس جداً.. قل الحق ولو بقدر ما تستطيع.
إن بلال بن رباح وهو يُعَذَّب ويُضرَب والصخرة على صدره، كان يقول: “أَحدٌ أحدٌ”.. تُرى لماذا؟ لأنه يرى الحق والإسلام والدين وليدا، وليدا صغيرا ينمو، وعاين التعذيب الشديد الذي يحاول قتل الوليد الصغير بهذه القوة والشراسة، فخاف.. خاف من هلاك هذا الوليد الصغير، فعزم أن يبقى هذا الحق الوليد ولو بأن يرفع بنانه ويقول: “أحدٌ أحدٌ”.. كي يبقى صمود الوليد، كيف يفشل التعذيب في أن يقهر الدين، وهكذا كان من معه مثل عَمّار وخَبّاب وسميّة وياسر.
يجب علينا أن نقف عند الدين، فالحق حق.
إن التحريف والتبديل في غاية الخطورة، أن ترفع شيئا وتضع شيئا لم يقُله الله، بل قال غيره، فترفع أنت ما وضعه الله وتضع شيئاً من عندك! هذا وضع مؤسف وخطير.
إن ثمة من يهاجم السنة النبوية، يقول: لا أدري ما هو الصحيح وما هو الخاطئ، هذا صحيح وهذا ضعيف، فلنترك السنة كلها. إن مثل هذا كالذي لما سمع رجلا يقول: هذا ابني وهذا ليس ابنا لي، قال له: دعك من هؤلاء جميعا، فليسوا بأبنائك!!
إن الاعتراف ببنوة أحدهم ونفي بنوة الآخر، يثبت أن الرجل يعرف أبناءه وأنهم معروفون معدودون، فالحديث إذا قيل: حديث صحيح وحديث ضعيف وحديث حسن وحديث كذا وحديث كذا، فهذا معناه أن الأحاديث معروفة. ولذلك لما أُمِر بقتل زنديق قال لهم: “أين أنتم من ألف حديث وضعتها فيكم أُحرِّم فيها الحلال وأُحلُّ فيها الحرام ما قال النبي منها حرفاً”؟ فقال له هارون الرشيد: “أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك؟ فإنهما ينخلانها نخلاً فيخرجانها حرفاً حرفاً”. فإن العلماء وضعوا علم الرجال فيعرفون مَن روى عن مَن، ومَن سمع مِن مَن.
هل تظن أن الحديث الذي تقرؤه أتى هكذا؟ لا، إنما الحديث الذي يقال معروف مَن سمعه من النبي، ومَن سمعه منه، ومَن سمعه مِن الثاني، وهكذا سلسلة السماع حتى وصلت للكتاب الذي سُطِّرت فيه كالبخاري وغيره، ثم طُبعت وصارت مشتهرة بين الناس.. هذه السلسلة من السند معروف أشخاصها، أسماؤهم وأحوالهم ورحلاتُ سفرهم وما درسوه، وهل مرض قبل موته أم لا، ومنهم -مثلاً- من عاش ثمانين سنة، فنحن نتتبع حياته ولو وجدناه ظل سبعين عاماً صالحاً وتقياً ونقياً وورعاً وإماماً في العلم، ثم غاب عنا خبره وجهلنا تاريخه في العشر سنين الأخيرة من عمره.. هذا الرجل، لو كان موجوداً في سلسلة السند لا تُقبل روايته إلا حين نعرف هل روى هذا الحديث في السبعين عاماً الأولى، وما لم نعرف هذا فلا تؤخذ منه الرواية.
إن علماء الحديث يعرفون رواة السند أكثر مما يعرف الداعية من يحضرون دروسه، أكثر مما أعرف أنا من يحضرون أمامي جميعاً.
هذا التشكيك في الدين يُقصد به اختلال الدين، فانتبهوا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* حازم صلاح أبو إسماعيل، ما لا نعرفه عن رسول الله ﷺ، تحرير: محمد إلهامي، هدية العدد 12 من مجلة كلمة حق، يوليو 2018.





