
الدفاع المدني في غزة يواصل انتشال جثامين شهداء برج المهندسين
سبتمبر 5, 2026
فاصدع بما تُؤمر فإِنَّ الآجال والأرزاق بيد الله وحده
سبتمبر 6, 2026
د. حسين عبد العال – رئيس هيئة أمة واحدة
يختلف الأسير السياسي عن السجين الجنائي، فالأسير السياسي هو من اعتقلته حكومة الاحتلال التي احتلت بلاده لأنه يمثل خطرًا عليها، سواء كانت حكومة احتلال أجنبي، أو حتى احتلال محلي داخلي، فكلاهما أسوأ من الآخر، ويؤسر الأسير السياسي لأنه إنسان حر لا يعرف العبودية إلا لله تعالى، يطالب بحقوقه الشرعية والسياسية والحياتية، لا يعرف الخوف من الحكومات الظالمة الطاغية التي تريد استعباد العباد وإخضاعهم لإرادتها، وسلبهم إرادتهم التي وهبها الله لهم، ولذلك هو من يلاقي أشد ألوان التعذيب والإيذاء في محبسه، وتمارس عليه كل الضغوطات لإثنائه عن غايته وأهدافه التي يتبناها بل وقام مجاهدًا من أجلها.
أما السجين الجنائي فهو ذلك الذي فعل جرمًا في حق غيره، بالقتل أو السرقة أو التعدي بأي صورة من الصور.
ويختلف الأسير السياسي عن المسجون الجنائي في اهتماماته وأفعاله وتفكيره وطريقة حياته ربما كليًا وجزئيًا.
الأسير السياسي
صاحب فكر ورؤية وعلم، جل اهتمامه كيف يعيش كريما حتى في أسره، وكيف يتخلص من أسره ليعود أو تعود له حريته، وماذا سيفعل بعد نيل حريته، وكيف يستفيد من مرحلة أسره بشتى أنواع الاستفادة، لذلك هو لا يشغله الطعام والشراب والراحة والتعب بقدر ما تشغله اهتماماته وأهدافه، ويحاول استغلال كل فرصة تتاح له ليستفيد منها، يقضي جل وقته في العلم والتعلم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، يتعلم ممن معه ويعلمهم ويتبادل معهم الخبرات والمهارات والتجارب.
إدارة الأسر والتحدي مع الأسير
تحاول إدارة السجن دائمًا عرقلة أهداف الأسير، بل تتفنن في كيفية صرف اهتمامات الأسير لتجعلها فيما لا يعود بالنفع عليه، بل وتعقد لذلك الاجتماعات على أعلى المستويات في الأجهزة بل في الدولة لكيفية جعل الأسير ينصرف عن أهدافه، ويضعون لذلك الخطط الخبيثة لحصر اهتمامات الأسير في الدنيء من الأمور، ولو بمنعه من جميع حقوقه التي منحها له الله تعالى، بل والتي أقرتها قوانينهم الوضعية، ومن تلك الخطط والأساليب ما يلي:
- جردل البول
نعم كما قرأت جردل البول، حيث يحصرون اهتمام الأسير في البحث عن جردل كي يقضي فيه حاجته أو يتبول فيه -أعزكم الله- فيضعون الأسير في غرفة (زنزانة) ضيقة منفردًا أو محشورًا مع آخرين دون أن يكون بها دورة للمياه، ومع هذا ليس بها جردل للبول، ليظل الأسير كل اهتمامه كيف يحصل على جردل البول ليقضي حاجته، وربما يظل الساعات الطوال يتألم من عدم قضاء حاجته لعدم وجود جردل البول هذا، وإذا ما عثر عليه ساعتها يتمسك به ويظل يفكر في كيفية الحفاظ عليه، ويكون عقابه بعدها بحرمانه من جردل البول إن تلفظ أو فعل شيئًا يغضب الباشا العسكري الذي يباشر التعامل معه.
- الحجز في دورة المياه
ومن ذلك أيضًا حبس الأسير في دورة مياه، ولا تتعجب هي غرفة ضيقة بها دورة مياه ليس هناك ما يعزلها عن الغرفة، فتجلس في الغرفة وكأنك تجلس في دورة مياه، ويضعون في الزنزانة التي لا تسع اثنين، يضعون بها عشرة يتناوبون على قضاء حاجتهم بالحجز والانتظار، ويقف اثنان يسترون من يقضي حاجته عن أعين الباقين، هذا فضلًا عن عدم قدرتهم على النوم لضيق المكان، فينام نصفهم ويقف الآخرون، ثم يتبادلون النوم في منتصف الليل.
وقد حدث أن كنا يومًا مائة رجل في غرفة على دورتين فقط للمياه، يتناوب الخمسون على دورة مياه واحدة، وينام نصف الناس والنصف الآخر وقوف لا يستطيعون النوم لعدم وجود المكان، والنائمون ينامون خلف خلاف -رأس هذا مع أقدام الآخر- وهكذا محشورون.
فيظل الأسير يفكر ويتمنى ولو غرفة بها شيء من السعة كي ينام مستريحا، ويقضي حاجته مستريحًا.
- العزل الانفرادي
وهو جعل الأسير في زنزانة منفردًا يكلم طوال اليوم نفسه، فلا يجد من يؤنسه ولا من يحاوره، فلا يجد إلا الحارس عنده وإن كلمه سمع سيلا من الشتائم والسباب، ويظل الأسير هكذا سنوات يفكر ويطيل التفكير، ويكلم نفسه، حتى يصاب بالجنون أو فقدان الذاكرة إلا من يثبته الله تعالى بالقول الثابت من عنده سبحانه، فتراه يقضي وقته في التفكير كيف يخرج من هذا الواقع الأليم وينسى كل شيء آخر.
- المنع من الزيارات
وهو أسلوب لا تعرفه إلا الشياطين، فهو عقاب مزدوج بين الأسير وبين أهله، وحرمان متبادل، فكما هو حرمان الأسير من ذويه، فهو حرمان للأهل من ابنهم، وحق الزيارة للأسير مكفول في كل القوانين والأعراف، لكن الشياطين من الإنس يستخدمونه لإخضاع الأسير لما يريدونه منه، ويساومونه على الزيارة، فإن استجاب لهم وإلا ظل حرمانه من رؤية أهله، وحرمانه من معرفة أخبارهم وأخبار أولاده وزوجته وإخوته، وأحيانا يجعلونه يزور أهله وأمامه وأمامهم حائل زجاجي فقط يراهم ولا يسمعهم، وأحيانا أمامه وأمامهم سلك وبين السلكين مسافة متر تقريبًا، والزيارة ثلاث دقائق، وعدد الزائرين يصل للمائة فلا يسمع منهم شيئًا يذكر.
وحدث ذات مرة بسجن الوادي الجديد في جنوب مصر، أن جاءت الأم لأول مرة لزيارة ابنها فزارها بهذه الصورة بينه وبينها أسلاك ومسافات، وكانت التعليمات عند الصافرة يجلس الأسرى وأمامهم حائط بارتفاع متر فيصعب رؤيتهم من الجانب الآخر جانب الأهالي، فلما أطلقوا الصافرة جلس الجميع لتنتهي الزيارة، فظنت الأم أن هناك سلم كهربائي ينزل بابنها تحت الأرض، فأغشي عليها ووقعت على السلك وماتت بالسكتة القلبية، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
والمآسي في ذلك أقل من أن تحصى عددًا ولا حول ولا قوة إلا بالله.
- منع جميع الكتب حتى المصاحف
أسلوب خسيس آخر من أساليب إدارة السجون، وهو حرمان الأسير من أي كتب دينية أو ثقافية يتسلى بها الأسير، وذلك لحرمانه من التعلم أولًا، وليظل طوال اليوم في التفكير الدائم في حياته البائسة ومشاكله وما وصل إليه حاله.
ووصل الأمر لمنع المصاحف حتى لا يحفظ الأسير القرآن، وحدث أن ظللنا خمس سنوات ممنوع فيها المصحف، ومن يضبط معه ورقة من المصحف يعاقب أشد العقاب على ذلك، وكأن المصحف جريمة لا يصح للأسير اقترافها.
ووصل الأمر لأن كانوا يمنعون الأذان ومن كان يؤذن يؤخذ ويجلد جلدًا شديدًا، ويرسلونه للتأديب، فجعلوا من الأذان جريمة كبرى.
- عدم العلاج
فالمريض يظل مريضًا يحرم من زيارة الطبيب، ويحرم من العلاج، ويظل هكذا حتى يموت، وكنا ننادي على الحارس بأن فلانًا سيموت فأخرجوه للطبيب فيقول لما يموت نادوا عليَّ، وعندما يموت بالفعل ينادون عليه فيأتي ومعه كتيبة من الجنود يقرعون الأبواب، يثيرون الرعب والفزع، يدخلون الغرفة يضربون من فيها، ويأخذون الميت، ويأخذون معه اثنين من الغرفة ويجبرونهم على التوقيع على محضر الوفاة بأن الوفاة طبيعية إثر أزمة قلبية، وأن المتوفى لم يتعرض للضرب ولا للتعذيب البدني ولا التعذيب النفسي، ولا للإهمال الطبي، وكأن الطبيب كان يرافقه طوال فترة مرضه!
وأحيانًا كانوا يخرجون المرضى للمستشفى، لكن بحفلة ضرب منذ خروجهم وحتى رجوعهم لمكان حبسهم، ولا تعجب لو قلت لك إن بعض الأطباء هم من كانوا يقومون بضرب المرضى وشتمهم وسبهم.
- حملات التفتيش
أو قل حملات التعذيب شيء لا يتخيله عقل ولا عاقل، أناس محبوسون في زنازين صخرية، يخضعون للتفتيش الذاتي عند دخولهم وخروجهم، وزياراتهم إن سمحوا بها تفتش تفتيشًا دقيقًا، فماذا يوجد عندهم لتأتي له حملة تفتيش من إدارة السجون تتكلف مئات الآلاف من الجنيهات أو الدولارات، وبها العديد من الرتب العسكرية، ومعه العديد من الكلاب البوليسية المدربة على نهش الأجساد، وماذا ستجدون عند المساجين، ربما وجدوا كيسًا بلاستيكيًا أو ملعقة أو ورقة وقلم أو جزءًا من مصحف تم تهريبه، وليس المقصد هذا وفقط، بل المقصد هو الإهانة والتعذيب والضرب والنكال لمعتقل مضى على اعتقاله سنوات وسنوات.
وإن في الذكريات لكثير، وإن في التفاصيل ما يدمي القلوب، ولا يسعنا إلا أن نقول: اللهم فرج كرب عبادك المكروبين، وفك أسر عبادك المأسورين، واحلل قيد عبادك المقيدين، وإلى الله المشتكى.





