
الجيش السوداني يستعيد منطقة حمرة الوز ويطارد مليشيات الدعم السريع
سبتمبر 8, 2026
حسن الخطيب – عضو رابطة علماء فلسطين
التاريخ لم يبدأ يوم السابع من أكتوبر؛ ففلسطين ومعظم بلادنا العربية والإسلامية كانت ترزح تحت الاحتلال البريطاني والأوروبي، لأكثر من مائة سنة مضت؛ إنها الدول الاستعمارية التي ساعدت العصابات الصهيونية على احتلال فلسطين سنة ١٩٤٨م، واكتمل احتلالها ١٩٦٧م، بخذلان الأمة التي تشتت شملها، وإلى دويلات صغيرة متناحرة تفتت؛ وعن دينها وقيمها وأخلاقها تَخَلَّى أبناؤها، وتنوع ولاؤهم وانتماؤهم، ليرث خذلان السابقين خذلان اللاحقين المقيت، بعدما تفرقوا شذر مذر، إلا من رحم الله؛ ممن حفظوا أنفسهم وقت الفتن والابتلاءات بتمسكهم بدينهم والتزامهم؛ أصبحوا قلة غرباء؛ قال ﷺ: “المُتمسِّكُ يومئذٍ بدِينه كالقابضِ على الجَمرِ”1.
لا يخلف الله وعده
نحن اليوم في الشهر الخامس والثلاثين، وما زال طغيان العدوان ونذالة الخذلان مستمرين ضد أهل غزة طائفة آخر الزمان المنصورة الثابتة على الحق الظاهرة بدينها؛ التي لا يضرها من خذلها؛ لقوله ﷺ: “لا تَزالُ طائِفةٌ مِن أُمَّتي يُقاتِلونَ على الحَقِّ ظاهِرينَ إلى يَومِ القيامةِ”2. ولا من ناوأها؛ قال ﷺ: “ولا تَزالُ عِصابةٌ مِنَ المُسلِمينَ يُقاتِلونَ على الحَقِّ ظاهِرينَ على مَن ناوأهم، إلى يَومِ القيامةِ”3.
إن الوعد الإلهي يقول إن استمرار الطغيان والعدوان والخذلان للفئة المؤمنة دليل على ثباتها، والتي لن يضرها طغيان العدوان والخذلان إلا بشيء من الأذى؛ قال الله تعالى: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١].
هذا الأذى بَيَّنَه سبحانه في موضع آخر من السورة؛ فقال: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦].
إن هذا الأذى الكثير مصدره أهل الكتاب والذين أشركوا؛ وذلك لانعدام المعين والنصير لأهل الإيمان؛ ولقوة إيمانهم صبروا في مواجهة الطغيان والخذلان؛ ولقوة إيمانهم وحبا لله ورسوله ﷺ، لذلك يشتاق إليهم ﷺ فقال: “… ودِدْتُ أنِّي قد رأيْتُ إخواننا، فقالوا: يا رسول الله، ألسنا بإخوانك؟ قال بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض”4.
وبَيَّن ﷺ أن لهذه الطائفة خصوصية فقال: “فإنَّ مِن ورائِكُمْ أيَّامَ الصَّبرِ، للعامِلِ مِنْهُمْ في ذلكَ الزَّمانِ أجْرُ خمسينَ رجُلا” قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أجْرُ خمسينَ رجُلًا مِنَّا أو مِنْهُمْ؟ قالَ: “بَلْ أجْرُ خمسينَ رجُلًا مِنْكُمْ”5. حتى يصبح أجر العامل المؤمن في ٱخر الزمان عند ربه خمسين من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
التواطؤ في الحرب على غزة
تدخل حرب الإبادة الإجرامية والجماعية على غزة سنتها الثالثة التي شارفت على الانتهاء بكل الإجرام والخذلان، رغم وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الأسرى الصهاينة؛ استمر الغدر اليهودي قتلا واعتقالا وتنكيلا وتعذيبا وتشريدا، نهبا وسلبا واغتصابا وكذبا وافتراء، بتواطؤ دول الكفر قاطبة؛ كيف لا؟ وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]؛ فما زال اليهود ببغيهم وطغيانهم يحاصرون غزة ويمنعون عنها كل سبل العيش الكريم؛ بل ويقتلون ويسفكون ويدمرون ويحرقون! إما برضا هؤلاء المتخاذلين، أو رغماً عنهم أذلة خانعين، لذلك لم يكتفوا بالخذلان؛ بل باتوا يرمون بخذلانهم سهام غدرهم ونذالتهم ليعود المجاهدون عن مشروعهم الإيماني حسدا من عند أنفسهم، كاليهود تماما؛ قال الله تعالى في اليهود: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩]؛ وقال في المنافقين: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ٨٩].
والغريب والخطير أن من اليهود والنصارى من لا يعادي المسلمين، لذلك قال: ﴿وَدَّ كثير﴾.. أما في المنافقين، فلا يمكن أن تجد منافقا على الحياد أو قد يناصر المؤمنين، لذلك حرب إعلام المنافقين ما توقفت لحظة؛ بل وازدادت شراسة وخسة ونذالة؛ إخفاء لضعفهم وهوانهم الذي استعذبوه، وأفقدهم العزة والكرامة؛ بل حولوا خذلانهم إلى حربٍ مسلطة على غزة ورجالها.
أنواع الحرب على غزة
أولا: حرب إبادة
شارفت على الثلاث سنوات، يخوضها اليهود، بعد أن فشلوا في القضاء على المقاومة؛ وذلك في محاولة لمنع الحياة في غزة، باستمرار منع الإعمار وعدم دخول المساعدات وتشديد الحصار واستمرار القتل والاعتقال، يساعدهم في ذلك الأمريكان بالدعم العسكري والمالي والإعلامي، طبعا وبترديد السردية الصهيونية كاملة.
ثانيا: الحرب الإعلامية
وهذه للأسف أطرافها ووسائلها وأدواتها متعددة:
1 العدو نفسه وعلى مدار الثلاث سنوات ما توقفت الأبواق الصهيونية عن الكذب؛ وعلى مدار الساعة بلا توقف من الافتراء والقصص المفبركة.
2 ماكينة الغرب الإعلامية وقد سخرت وسائلها بالكامل لخدمة العدو الصهيوني، ترديدا وتأييدا.
3 وهذه الأخطر والأشد إيذاء على المؤمنين، الإعلام العربي والإسلامي، وهؤلاء انقسموا إلى ثلاثة فئات:
الفئة الأولى: صامت لا يعنيه الأمر لا من قريب أو بعيد.
الفئة الثانية: الذي ينقل الرواية الصهيونية؛ ولا علاقة له برواية المقاومة، وكأن نقلها جريمة.
الفئة الثالثة: وهما فريقان:
أ- الذي حمل هم السردية الصهيونية، يرددها، ويتهم المقاومة بكل الجرائم الصهيونية على غزة.
ب- من يبحث عن أي عيب أو قصور كان المتسبب فيه العدو وعملاؤه فينشره ويلصقه بالمقاومة، بل ويؤلف الأكاذيب على رجال غزة ليطعن فيهم، ويرددها كالببغاء.
التوافق الدائم بين المنافقين واليهود
رغم وجود هذه الطائفة في كل زمان ومكان، إلا أن الله تعالى اختص بيت المقدس وأكنافه بهذه الطائفة؛ قال رسول الله ﷺ: “لا تزالُ طائفةٌ من أمتي على الدينِ ظاهرينَ لعدوِّهِمْ قاهرينَ لا يضرُّهم من خالَفَهم إلَّا ما أصابهم من لَأْواءٍ حتى يَأْتِيَهم أمرُ اللهِ وهم كذلِكَ”، قالوا: يا رسولَ اللهِ وأَيْنَ هم؟ قال: “بِبَيْتِ المقدِسِ وأكنافِ بيتِ المقدسِ”6. ولشدة إيمان هذه الطائفة اختصها الله تعالى لحكمة بالغة بعداوة اليهود تحديدا والذين أشركوا عموما والمنافقين خصوصا؛ قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَ اوَةࣰ لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلَّذِینَ أَشۡرَكُوا۟﴾ [المائدة: ٨٢].
اليهود بطبعهم أهل كفر وبغضاء وعداوة وفساد وإفساد؛ وجحود ونكران، يمارسون النفاق بتمامه لجبنهم وخستهم ونذالتهم؛ وقد وصفهم الله تعالى في مواضع كثيرة في كتابه.
وفي ذلك غرابة شديدة! هذه الغرابة التي تستحضر هذا السؤال، لماذا معظم اليهود أو غالبيتهم بهذه الصفات؟ وكأنهم شجرة خبيثة توارثت الخلق الذميم، وأورثته لكل غصن فيها وورقة؛ ويتشابه المنافقون واليهود بهذه الصفة؛ قال الله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧]؛ ﴿بعضهم من بعض﴾ يتوارثون النفاق والكفر بكل أبعاده وأهمها الفسق؛ وكأنهم شجرة ملعونة تتوارث الفسق والفجور والكفر والطغيان والخذلان والتي هي أهم صفات اليهود.
بالتالي اجتمع الفريقان على كراهية الإسلام والمسلمين بمجرد أن تقوى شوكة الإسلام في أي وقت وأي مكان؛ لقد اجتمع الفريقان على نصرة بعضهم بعضا، وتوافقوا في إخفاء كفرهم، وإظهار الوداعة وحسن المعاملة عند اليهود، والإيمان والإسلام عند المنافقين؛ قال الله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢]؛ لذلك أمر الله رسوله ﷺ بعدم طاعتهما؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١]؛ وكذلك المؤمنين بعدم طاعتهما تحديدا أهل الكتاب؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]؛ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩].
بل وأمر بمجاهدتهم والكافرين على السواء، وحذر منهم أيما تحذير وبصور كثيرة ومختلفة؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣]؛ ولاجتماع المنافقين الدائم بعموم الكافرين، ولسوء فعالهم غضب الله عليهم فجمعهم بالكافرين في جهنم جميعا، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]؛ بل وجمعهم في غضبه ولعنته مع عموم المشركين وكل من خذل أهل ملته ودينه وأساء الأدب مع الله بسوء ظنه؛ قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۖ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (الفتح:٦].
ختاما:
لقد كان يوم السابع يوما عظيما بكل المقاييس؛ هذا الذي غَيَّر حركة التاريخ، وأنه ماضٍ إلى زوال الاحتلال ونصر قريب، رغم كل الطغيان والخذلان والتواطؤ وكيد الكائدين، فحكمة الله وسنته ماضية لا يمكن أن تتغير أو تتبدل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه أحمد وصححه الألباني.
2 صحيح مسلم.
3 أخرجه البخاري ومسلم.
4 رواه مسلم.
5 أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه بسند حسن.
6 رواته ثقات، أخرجه أحمد برقم ٢٢٣٢٠، والطبراني في الشاميين برقم٨٦٠، والهيثمي في مجمع الزوائد برقم: ٢٩١/ ٧.





