
انقلاب رمضان!
مارس 2, 2026
رَمضَانُك الأَخِير .. فتَأمَّل!
مارس 3, 2026الواقع السياسي العالمي عامة والغزي خاصة أنموذجًا
محمد محمد الأسطل
من علماء غزة
المحور الثالث: طرفٌ من الألطاف الإلهية
تسطر أن قدر الله مهما اشتد لا ينفك عن لطف، وهذا يعني أنَّ مشهد الشدة لا بد وأن يتخلله طرفٌ من اللطف الإلهي الفسيح، ولكن مشاعر الشدائد قد تحجب أحيانًا عن تأمل لطف الله عز وجل، وبأدنى تأمل يجد الإنسان من لطف الله الذي يغمر الشدائد ما يُخشِّع القلوب ويُركِّع الأفئدة إجلالًا لفضل الله ولطفه وتأييده.
وهنا تمثيلٌ يسيرٌ لبعض مظاهر لطف الله التي تتخلل الشدائد على الساحة السياسية والعسكرية التي نعاني، ومن ذلك الأمور السبعة الآتية:
أولًا: إن الأعداء قد تمكنوا بأدوات قوتهم من دراسة المجتمع الإسلامي ورصد الظواهر النفسية والاجتماعية فيه، وتشريح الجماعات الإسلامية وملاحظة الفروق المنهجية بينها، وتمدهم أجهزة الاستخبارات بأدق المعلومات عن الداخل الإسلامي، ورغم عشرات آلاف التقارير الدقيقة التي تصل إليهم إلا أنهم لا يحسنون فهم عقول هذه الأمة، ولا يعرفون كيف تفكر، فهم يدرسون ولكنهم لا يفهمون كثيرًا من الأمور؛ لأنَّ النظرة المادية والغطرسة النفسية إلى جوار حُجب أخرى كثيرة من حُجُب الرؤية تحجبهم عن رؤية المشهد كما هو.
وهذا الذي يجعلهم متفاجئين دائمًا؛ فهم تفاجئوا من هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وتفاجئوا من مقاومة الأفغان وكذا العراقيين، وتفاجئوا من هجوم السابع من أكتوبر، وتفاجئوا من ثبات أهل غزة على مدار سنتين طويلتين، وفي الساحة الدولية تفاجئوا من الصعود الروسي كما تفاجئوا من الصعود الصيني، وقائمة المفاجآت طويلة.
ومن أسباب ذلك: أنهم يقرأون الأحداث قراءةَ قوةٍ مادية لا قراءةَ سُنَنٍ إلهية، فالأمريكان مثلًا حين غزوا أفغانستان ظنوا أنَّ إسقاط نظام حركة طالبان يعني إسقاط الأمة في روحها، وأنها المنطقة التي يُرعِبُون بها العالم، وإذ بها تستدرجهم في أودية الاستنزاف حتى صارت الولايات المتحدة نفسها هي العبرة لجميع العالمين، وصارت التجربة الأفغانية ذات حيوية للأمة لا قتلٍ لها.
فالقوي يتملك ناصية القوة المادية ولكنه يهزم دائمًا أمام الضعيف لأنه لا يعرف أن يقرأه، وحين يهوي ينعكس المشهد لصالح الضعيف، ولهذا رأينا الجيش الأمريكي يفر حرفيًّا يوم الانسحاب من أفغانستان، وحين طالب ترامب برد بعض المُخلَّفات العسكرية من إحدى القواعد قال الأفغان متهكمين: “تعالَ خذها”، ولما هددهم بالغزو قالوا: نحن مستعدون للقتال عشرين سنة أخرى.
والعدو الصهيوني لا يخرج عن ذلك؛ بل هو أشد دخولًا في القصور المنهجي لأنه مُسرفٌ في اعتبار المادية ميزانًا في التعامل، ولهذا يستطيع أن يضرب ويدمر ويبطش ولكنه لا يُحسن أن يفهم أهل البلد، بل لا يُحسن أن يدمج نفسه في قلوب أهل المنطقة إذ هو في قلب العالم العربي والإسلامي، وسياساته تفرض على شعوب المنطقة أن يبقوا في طلب الثأر.
وأما الركض خلف التطبيع على مستوى الأنظمة فإنَّ أدنى الناس عقلًا يعلم أن هذا ليس سبيلًا صحيحًا للتمكن في المنطقة، فهم أغلقوا على أنفسهم كل الأبواب وأبقوا على معيارية القوة الصلبة فقط، وهذا يجعل بقاءهم منوطًا بموازين القوة المادية لا غير، وأي تحرك فيها يُغيِّر الخارطة كما هو معلوم.
ثانيًا: إنَّ الله تعالى يهيِّئ الأرض لأمورٍ عظام، وجاءت النصوص تُبشِّر بخلافةٍ على منهاج النبوة في آخر الزمان عاصمتها بيت المقدس، ولئن كانت الأحداث التي تجري في المنطقة بما فيها معركة الطوفان من جملة الإرهاصات التي تبقى في تفاعل حتى نصل إلى هذه اللحظة في آمادٍ لا يعلمها إلا الله.. فإنَّ من ألطاف الله أن حدثًا محدودًا قد وجَّه أهل الأرض على مدار سنتين كاملتين ناحية بيت المقدس وأكناف بيت المقدس لتتشكل بذلك مركزيةٌ جديدةٌ في الأذهان.
ومما لا يخفى أن غزة من ثغور الإسلام الكبار، وهي من جملة أكناف بيت المقدس، وبيت المقدس عاصمةٌ دينية لا سياسية، ولكن النصوص تبشر بأنها تصبح عاصمة سياسية بإذن الله تعالى، وهي اليوم تقوم بقدرٍ كبيرٍ من التأثير العالمي، فهي في حالةٍ يمكن وصفها بـ “الخلافة الاعتبارية”، وهو ما يزيد من المسؤولية على أهلها وعلى كلِّ سالكٍ في مدافعة العدو الصهيوني اليوم.
وإن كان الأمر كذلك فهو من ألطاف الله الخفية، إذ يهيئ الأمور وفق ما يريد سبحانه، وعلى كلٍّ فإن البركة في أرض الرباط عالمية، وهو ما يجعل من علائم الفقه التفاعل مع سنن الله تعالى؛ إذ إن الأمور تجري بحسب السنن الجارية لا الخارقة.
ومع ذلك فتتابع الأحداث بات متسارعًا؛ فبالأمس ظن العدو أنه أخمد المنطقة عبر إجهاض ثورات الربيع العربي، ولكن ما هي إلا سنوات حتى انسحبت الولايات المتحدة من أفغانستان وصعدت روسيا والصين على المشهد الدولي بقوة، وحصل حدث الطوفان بما أحدثه من زلزالٍ عالميٍّ كان من بركاته توفير السياق لانتصار الثورة السورية.
فلا تنظر إلى ضراوة الأحداث ولكن إلى حركة القدر.
ثالثًا: إنَّ قادة العدو وفي مقدمتهم نتنياهو وترامب قد يكونان الأكثر في هذه المرحلة تدميرًا وشرًّا ولكنهم في النهاية أدواتٌ في تنفيذ القدر، ولم يبلغ أحدٌ مبلغ فرعون الذي جعله الله تعالى أداة في تنفيذ القدر حتى إنه الذي ربَّى موسى عليه السلام في قصره حتى كان انتهاء ملكه والقضاء عليه على يديه.
ومما يتسبب به هؤلاء القادة المجرمون أنهم يجبرون الأمة على دخول ساحة المعركة، وإن الاحتقان يزيد في الصدور يومًا بعد آخر حتى تتحول الصدور إلى براكين خامدة يمكن أن تثور في أيِّ لحظة، ولو احتكمنا للمصلحة الاستراتيجية لاتجه هؤلاء لسياسة تحييد غزة وتأليب الجميع عليها، ولكنهم يذهبون لإشعال كل الملفات في أكثر المناطق، حتى وصل الأمر بالنسبة للولايات المتحدة أن ترامب ينسحب شيئًا فشيئًا من اللُّحمة الأمريكية الأوروبية التي تُشَكِّل دول المركز، وهو ما يأخذ بها إلى التقهقر والتدهور وإن كان الشعار هو التقدم والتطور.
وهذا إيذانٌ بأنَّ الأعداء وإن كانوا يمتلكون موازين القوة المادية إلا أنَّ الأمور لا يلزم أن تسير بحسب دراساتهم وطموحاتهم، وغباءُ الأقوياء من رزقِ الضعفاء، وهذا من لطف الله بعباده المستضعفين ومن إيصاله الرحمة لهم بالطرق الخفية التي لا يشعرون بها.
ومن أشهر الأمثلة القرآنية على ذلك ما قصَّه الله تعالى علينا من خبر نبيه وعبده يوسف عليه السلام؛ فإنه مدرسةٌ كاملةٌ وشاهدٌ كريمٌ لآثار اسم الله اللطيف على صعيد الفرد والبلد والسياسة والحكم.
إن إخوة يوسف كثر، وإنهم يمتلكون القوة وقد تمكنوا من إلقاء يوسف في الجب حيث كان طفلًا لا يملك من أمره شيئًا، وألقوه ظانين أنهم قد تخلصوا منه، ولكن الله أنجاه من كيدهم، وابتلاه الله بالعبودية لتكون الجسر الذي يصل به إلى القصر ومن ثم ينفتح ذهنه على الإدارة والسياسة ولغة القصور، ليكون ذلك توطئةً لحكم خزائن مصر.
فاللطيف سبحانه لا يحبط كيد الأعداء فقط؛ بل يُحَوِّلُ ذلك إلى سُلَّمِ صعود.
ثم إنه دخل السجن، وكان مدرسةَ دعوةٍ وتصفيةٍ بين يدي المُلك، لقد كان اللطف في تأخير الفرج، سنوات تمر والرؤيا لم تتحقق، والأب يبكي والابن يعاني ويصبر، ولكن الله بفضله جعل السلطة تحتاج إلى يوسف لا أن يوسف يحتاج إلى السلطة ويقف بالأبواب.
وبعد أن انتقل من الجب إلى القصر ثم من السجن إلى الوزارة استحضر يوسف عليه السلام اسم الله اللطيف وهو يتأمل قصته الممتدة التي ما قرأها أحدٌ إلا واقتات على ما فيها من الأمل العظيم وقال عليه السلام: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [يوسف: 100]، ومشيئة الله لا تُمانع ولا تُغالب، ولكنها تكون وفق سننه ومن ثم تتكامل الشريعة ولا تتنافر.
وهكذا يظهر لطف الله تعالى في تقليب الموازين ليكون ما يراه الناس من كوارث وانكسارات في باطنه إعدادًا دقيقًا وتدبيرًا رفيقًا لا تلتقطه الأبصار الغافلة أو المشغولة.
إنَّ اللطيف سبحانه لا يلزم أن يهزم الجبابرة دفعة واحدة؛ بل يمكن أن ينسج خيوط الوهن من حولهم حتى يسقطوا من دواخلهم، فإذا حانت ساعتهم قصمهم الله بعد رفعةٍ مؤقتةٍ وكُسِروا كسرًا لا جبر له، ولهذا خاطب الله نبيه ﷺ ألا يتعجل هلاك قومه وأنزل إليه يقول: ﴿فَلَا تَعۡجَلۡ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمۡ عَدًّا﴾ [مريم: 84]، وفي نفس الاتجاه قوله سبحانه: ﴿سَأُوْرِيكُمۡ ءَايَٰتِي فَلَا تَسۡتَعۡجِلُونِ﴾ [الأنبياء: 37]، فنحن في أحداث مشهدٍ لم يكتمل بعد.
رابعًا: إنَّ المنن تتخلل المحن، وهذا من ألطاف الله بعباده وهو يصنعهم في الميدان، اقرأ في هذا المعنى قوله سبحانه: ﴿ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ * قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي * وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي * وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي * وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرًا مِّنۡ أَهۡلِي * هَٰرُونَ أَخِي * ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي * وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي * كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدۡ أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ يَٰمُوسَىٰ * وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَيۡكَ مَرَّةً أُخۡرَىٰٓ * إِذۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ * أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ * إِذۡ تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ وَقَتَلۡتَ نَفۡسًا فَنَجَّيۡنَٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونًا فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَٰمُوسَىٰ * وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِي﴾ [طه: 24-41].
فهنا يطلب نبي الله موسى عليه السلام من ربه بضعة أدعية والله يبشره بالإجابة ويذكر له بضع مننٍ أعطاها له دون سؤال، ولكن الشيء المدهش أن الله سبحانه عدَّ قائمة أشهر الابتلاءات التي مرت بموسى عليه السلام لتكون هي قائمة المنن؛ إذ إنَّ ما مرَّ به هو مشهدٌ مركبٌ من الابتلاء والعطاء، فالعين الدنيوية تلحظ جانب الابتلاء والعين الأخروية تلحظ جانب العطاء.
فالله تعالى ذكر قَذْفَه في التابوت ثم قذفه في اليم ووقوعه بين يدي فرعون جزءًا من المنن، وقال: ﴿ولتُصنع على عيني﴾، فهي صناعةٌ كريمةٌ في الميدان، ثم ذكر قتله للنفس وما نزل به من الفُتُون واغترابه في مدين عشر سنين جزءًا كذلك من المنن وقال بعدها: ﴿واصطنعتك لنفسي﴾!
إن نبي الله موسى عليه السلام كلم الله تعالى كفاحًا وأخذ الكتاب في الطور ومع ذلك كان الصناعة الإلهية له في الميدان، فالابتلاء يصنع الأقوياء، وعلى هذا فما ينزل بالناس من شدائد يظنون أنها فوق طاقتهم هي التي تصنعهم، ومن كان يخطر بباله من مقاتلي القسام وسرايا القدس وغيرهم أنهم يقاتلون العدو في أرض الميدان على مدار سنتين قتالًا مباشرًا، بعد أن دخل العدو كل شبرٍ في غزة!
إنَّ المجاهدين الآن وهم يعلمون خطر العدو وضراوة المعارك قد أوتوا قدرًا كبيرًا من الخبرة ومواجهة الأمور العظام، وهو ما يعني أن غزة تعد إعدادًا أسطوريًّا لا بمجرد الدروس والمحاضرات والرسائل والكتابات ولكن بالزلزال الذي نزل بهم.
إنَّ اللطيف يربي الأمم بجراحها، ويقصم الإمبراطوريات بغطرستها وأخطائها.
إنَّ من لطف الله تعالى أن تقودك الشدائد إلى مصيرٍ عظيمٍ عبر طرقٍ وعرةٍ لا تدرك حكمتها إلا بعد زمنٍ طويل.
خامسًا: إنَّ من ألطاف الله بأهل البلد ذلكم الثبات العجيب الذي أظهره الناس على مدار سنتين طويلتين قاسيتين، ولو قيل لأي شخص مطلع الحرب: إنك تصبر سنةً على هذه الزلازل لما صدق، وقد كان الناس لا يحتملون أن يقال لهم: بقي شهر واحد، ولكن الله ثبَّت وهدى ووفق وأعان.
ألا شكر الله لكل من شارك في هذه الملحمة العالمية الباسلة، من داخل البلد أو خارجه.
ألا شكر الله لكل مجاهد وأمنيٍّ وعالم وداعيةٍ ومُحرِّض وإعلامي ومنفق وطبيب ومسعف وإغاثي ومصلح وعامل في أي مسلك فطن له الناس أو لم يفطنوا.
ألا شكر الله لكل من سكن الأرض المباركة وتحمل لأواءها، وإنه على قدر الاصطفاء يكون الابتلاء، وقتيل هذه الأرض شهيد، وميتها على الفراش مرابطٌ حسنته بألف حسنة بمجرد مقامه على هذه الأرض وتحمله لشدائدها إذا صحت منه النية وشارك في الثغور بما تيسر له من وجوه العمل أو الإسناد.
سادسًا: إنَّ من ألطاف الله تعالى أن يسوق الرزق إلى عباده وهم في أحلك الظروف، وإذا يسَّر الله مقامًا آخر ذكرت من ذلك من عجائب ما رأينا في ميدان المعركة من رزق الله لعباده المجاهدين وعموم أهل البلد.
ولكني أختار من ذلك الأمر الأخطر الذي يعتمد عليه أهل البلد اعتمادًا كبيرًا ألا وهو المتفجرات؛ فإنَّ المعبر مغلق ولا بد من المواد المتفجرة لصناعة العبوات والقذائف التي تُبقي مدافعة العدو عند المداهمة قائمة، وقد انتهى مخزون المقاومة من ذلك أو قارب، ويستحيل أن يحصل التهريب بأيِّ طريقٍ كان.
وهنا يتفضل الله على عباده المؤمنين فيمدهم بأرزاقهم من صواريخ أعدائهم، فعشرات الصواريخ التي يزن بعضها طنًّا من المتفجرات كانت تنزل دون أن تنفجر، فينجو المستهدف ويقتات المجاهدون على ما فيها من المواد المتفجرة ويصنعون عشرات العبوات ومئات القذائف حتى بات لدى المقاومة مخزون ضخم من هذا الرزق الذي يطلقه الأعداء.
إنَّ هذا من جملة أرزاق الطريق التي تأتي لمن سعى وعمل.
وقبل بضع سنوات حين أقفل باب التهريب وأغلق النظام المصري كل سبيلٍ لإدخال المواد المتفجرة يسَّر الله للمجاهدين كشف السفينتين البريطانيتين اللتين غرقتا في بحر غزة مقابل منطقة دير البلح حين هاجمتا قوات الخلافة العثمانية حامية البلد، وتمكن جيش الخلافة يومئذ من هزيمة الإنجليز في معركة غزة الأولى وذلك بتاريخ 26-3-1917م.
فالأبواب لا تغلق، وحين تغلق يفتح الله لعباده الساعين ما يتفلتون به من المآزق والمضايق، والعبد يجد هذا في نفسه؛ فحين تضيق الأمور يوسعها الله بلطفه وإحسانه سبحانه، فلكل شدة مدة وقد جعل الله لكلِّ شيءٍ قدرًا.
سابعًا: من ألطاف الله تعالى أنه يسوق عباده إليه عبر أفعال أعدائه؛ فكم من إنسان ما عرف نفسه ولا ازداد قربًا من ربه إلا في أجواء الحرب، ولئن اهتز إيمان قوم فقد قوي إيمان كثيرين.
وترى الشهيد يقضي نحبه فتكون له بركة على أهله ومحبيه ويكثر فيهم فعل الصالحات من صلاةٍ وصيامٍ وتلاوةٍ وصدقة وغير ذلك من ألوان البر وصنائع المعروف.
فالمصيبة مصيبةٌ حين أصابتك، وفيها من لطف الله ما يجعلها نعمةً إذ هي التي رسمت المسار وأعانت على المسير.
المحور الرابع: كلمةٌ بخصوص الواقع السياسي المحلي
أختم المقال بكلمةٍ بخصوص الواقع السياسي الذي نعيشه الآن في هذه الفترة الضبابية فأقول:
إنَّ الغموضَ وإن كان يتطلب دفعه إلا أنه في النهاية مرحلة انتقال لا ضياع، وإنَّ الضباب لا يستلزم التيه بل شدة التركيز، وواجب الوقت أن يتسلح قادة البلد بتقوى الله تعالى والاستعانة به والافتقار إليه، وأن يديروا المرحلة على قواعد الدهاء السياسي؛ إذ إنَّ الحرب في حقيقتها لم تنته بعد، ولكن تحول صخبها من الميدان العسكري إلى الميدان السياسي.
ولا يجوز لقادة البلد أن يسارعوا في إلقاء اوراقهم؛ بل الواجب أن يُنازِلُوا العدو حتى يكون تحصله على أي مكتسب في وقتٍ طويل، والقوي مهما اشتد بطشه فإن مساحةً جيدةً تبقى أمام الضعيف يحسن أن يناور فيها.
وإن أي مناورة لا ينبغي أن تخرج عن قاعدة الثبات على المبادئ، والثبات هو الذي يُحيِّر الأعداء ويفرض المعادلات ويصنع التحولات، وهذه المرحلة نحن بحاجةٍ فيها إلى يقظةٍ شديدة وصبر على تكاليف المدافعة، ولا يكفي فيها انتظار فعل القادة؛ بل كل شخص لا بد أن يُجَنِّدَ نفسه بما يستطيع، ولا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته.
وصفوة القول: إننا في جولةٍ جديدةٍ من المدافعة، وينبغي أن نُحسن المنازلة فيها مع التزود باليقين والأمل بما يورث الشعور بالمسؤولية ويدفع للعمل، وإنَّ النظام الدولي مهما اشتد بطشه إلا أنه يعاني من قصورٍ منهجي يجعل للضعيف مسالك ينفذ منها لما يريد، ومتى توفر العزم والاتزان النفسي تيسر للعبد أن ينازل الكبار حتى يكسرهم، ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةً كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 249].
والحمد لله رب العالمين.





