
قرطبة في عصرها الذهبي
يناير 20, 2026
كيف كانت الأندلس سبب النهضة الأوروبية؟
يناير 21, 2026الحرب على المركزية
ملهم إبراهيم
كاتب فلسطيني سوري
جرت سُنّةُ الله سبحانه وتعالى في خلقه أن يُهيّئ للأحداث العظيمة أسبابًا ومقدّماتٍ تسبق وقوعها. غير أنّ هذه المقدمات ليست على النحو الذي يعرفه الناس عادةً؛ فهي عند الله كثيرًا ما تأتي على خلاف ما يتوقعه البشر. فقبل النصر يسبق البلاء، وعند انسداد الأفق يُطلَب من العبد العمل، ليظهر إيمانه الصادق الذي لا يستند إلى دليلٍ حسيّ، وإنما إلى خبرٍ من الله ورسوله نُؤمن به ونُصدّقه.
مقدمات فتح بيت المقدس
وكان من المستغرب أنه وفي عام الحزن أشد الأعوام على نبي الله محمد ﷺ تنزل عليه آيات المسجد الأقصى ويسرى به إليه، ولم تنزل هذه الآيات مثلاً حينما فتح مكة، ولم يُسرَ بالنبي ﷺ بعدما خضعت له رقاب العرب. بل كانت هذه الحادثة مقترنة بإيمان وتصديق وعقيدة غيبية تماماً معاكسة للواقع.
ولهذا بالتحديد في هذه الظروف الشديدة الصعبة -وكما علمنا رسولنا ﷺ وعلّم أسلافنا- نعيد التأكيد على مركزية الأقصى والقدس في الإسلام والإيمان.
فقد أخرج البخاري بسنده عن عوف بن مالك رضي الله عنه، قال: أتيتُ النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قُبَّة من أَدَم، فقال: “اعدُد ستًّا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مُوتانٌ يأخذ فيكم كقُعَاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يُعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً، ثم فتنة لا يبقى بيتٌ من العرب إلا دخلته، ثم هُدْنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً”.
في فهم الحديث أنه وبعد موت النبي ﷺ سيكون فتح بيت المقدس! ولكن للمفارقة بعد موت النبي ﷺ ارتد أغلب العرب إلا مكة والمدينة والطائف وبعض القبائل. ولكن هو الإيمان والعمل على مقتضى الإيمان لا مقتضى الوقائع، فكانت النتيجة بعد ردّة العرب عن الإسلام إعادة فتح الجزيرة العربية من قِبل الصحابة، وفتح عمر بن الخطاب للشام، وفتح بيت المقدس بعد خمس سنوات فقط من وفاة النبي ﷺ.
وكان من مقدمات الفتح الصلاحي لبيت المقدس الخلافات البينية على أراضي مصر والشام، والعمل المضني الشاق، وقتال بعض العرب “إخوة الدم”، والمراكمة الطويلة التي تُوّجت بحطين وفتح بيت المقدس.
المحركات الدافعة لنصرة بيت المقدس
- ﴿سُبۡحَـٰنَ ٱلَّذِیۤ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَیۡلࣰا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِی بَـٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِیَهُۥ مِنۡ ءَایَـٰتِنَاۤ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡبَصِیرُ﴾ [الإسراء: ١].
- ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 71].
- ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 81].
- ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: 137].
- ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ۖ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: 18].
- ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 21].
هذه الآيات التي تتكلم عن الأرض المقدسة والمباركة أول ما تَصدُق تَصدُق على بيت المقدس والشام. والطبري رحمه الله قال في آية ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ إنه لا تخرج من أن تكون من العريش إلى الفرات، وهذه هي حدود بلاد الشام.
وهذه الأرض المباركة لها بركة دينية ودنيوية، فأما الدينية فهي بركة جهاد ورباط، فقد قال ابن رجب رحمه الله تعالى: “ومن بركتها الدينية أنها أرض جهاد؛ فأهلها في جهاد ورباط ونفقتهم على أنفسهم كالنفقة في سبيل الله تضاعف سبعمائة ضعف”1.
فما يأكل أهل تلك الأرض ويشربون ويلبسون وينفقون تثبيتاً لأنفسهم.. يُحسب لهم نفقة في سبيل الله و يضاعَف سبعمائة ضعف.
عن ثور بن يزيد الكلاعي -وهو أبو خالد الحمصي المحدث الفقيه الثبت المتقنج قال: “قدس الأرض الشام، وقدس الشام فلسطين، وقُدس فلسطين بيت المقدس، وقدس بيت المقدس الجبل، وقدس الجبل المسجد، وقدس المسجد القبة”2.
ولما قال النبي ﷺ لأبي ذر: “كيف تصنع إن أخرجت من مكة؟” قال: إلى السعة والدعة إلى الشام والأرض المقدسة. وقد أخرجه الإمام أحمد وغيره، ورُوي أيضاً: عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: يا أبا ذر كيف تصنع إذا بلغ البناء سَلعاً؟ قال: قلت: يا رسول الله، ما خار الله لي ورسوله. قال: “عليك بالشام، فإنها أرض الهجرة، وأرض المحشر، وأرض الأنبياء، فكن بها، فإنك بها تهاجر إلى الله وإلى الدار الآخرة”.
وقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان: “هلم إلى أرض الجهاد”. وقال ضمرة بن ربيعة: “سمعت أنه لم يُبعث نبي إلا من الشام فإن لم يكن فيها أسري به إليها”.
وقد دعا النبي عليه ﷺ للشام بالبركة، ففي صحيح البخاري عن عمران أن النبي ﷺ قال: “اللهم بارك في شامنا اللهم بارك في يمننا”.
وقال الشافعي: “من أراد علم الملاحم فعليه بالشام”.
ولو أردنا لذلك قصد السبيل فهناك العديد من المؤلفات والمصنفات في فضائل الأرض المقدسة والأرض المباركة وبيت المقدس. ولهذا كله وأكثر نجد أن هذه الأرض هي ورث من جميع الأنبياء لنا نحن المسلمين، كيف لا وقد أَمهم النبي الأكرم ﷺ في تلك البقعة وفي ذلك المسجد؟ وقد كانت قبلة المسلمين لأكثر من نصف عمر نبوة محمد ﷺ؛ فقد تحولت القبلة إلى مكة في العام الثاني للهجرة، وقد مضى على صلاة المسلمين مستقبلين بيت المقدس خمسة عشر عاماً، وصلّى النبي ﷺ تسعة أعوام إلى مكة.
وهناك آية مركزية جداً في بيت المقدس: آية فصل الخطاب وتنقية الصف، آية عقيدة بيت المقدس:
﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: 143].
ضرب الأعصاب
ولنعلم أن العدو لا ينام، ولا يدخر جهداً في الدخول في تفاصيل تفاصيلك ويترجم كتبك ومخطوطاتك التراثية ويعلق عليها، ويحاول ضرب الأعصاب التي تمسك جسد هذه الأمة، ومن أهم هذه الأعصاب: “مركزية بيت المقدس في الإسلام”، ومن هذا الباب حاولوا ضرب المسلمين بعضهم ببعض، وهذا لعمرك بدأ حتى قبل احتلال بيت المقدس من قِبل الصهاينة، وننقل هنا من بحث مهم جداً للدكتور محمود إبراهيم الأستاذ بالجامعة الأردنية (فضائل بيت المقدس في المخطوطات العربية القديمة)، يقول رحمه الله:
“إن إسحاق حسون قام بتحقيق كتاب الواسطي في الجامعة العبرية، وكتب في تحقيقه أن حرمة القدس لم يكن عليها إجماع عند المسلمين إلا منذ مطلع القرن الثاني للهجرة، وأن علماء المسلمين لم يتفقوا جميعاً أن المسجد الأقصى هو مسجد القدس، إذ رأى بعضهم أنه مسجد في السماء يقع مباشرة فوق القدس أو مكة، واستعان حسون هنا بكاتب فرنسي.. ثم حاول حسون ضرب السنة بالشيعة حيث قال لاحقاً: ثم ينسب إلى بعض الشيعة عدم إضفاء أية قيمة خاصة على القدس. ويحاول أن يعزو الاهتمام بالقدس من قِبل السنة فقط؛ حيث أشار إلى أنه مَن اهتمّ بالقدس أولاً هم الأمويين، وأن من أسمى القدس قدساً وبلاد الشام الأرض المقدسة هو معاوية بن أبي سفيان، وأن عبد الملك بن مروان كان يسعى في بناء الصخرة إلى تحويل الحج من مكة إلى القدس حيث إن مكة تحت حكم ابن الزبير رضي الله عنهم”3.
والكثير من المستشرقين كتب على هذا النحو، منهم مَن دخل في أسانيد الأحاديث النبوية والآثار عن الصحابة ليشكك بصحتها ونسبتها إليهم. فالمستشرقون -والصهاينة مِن خلفهم- كانوا على أهداف واحدة في موضوع بيت المقدس:
– أن موقع القدس محل خلاف بين علماء المسلمين.
– أنه لا مركزية ولا أهمية للقدس في الإسلام؛ بل جاءت أهميتها نتيجة عوامل سياسية داخلية (الأمويين – ابن الزبير – صلاح الدين – الفاطميين).
– إن الأحاديث الواردة في فضل بيت المقدس مطعون بصحتها.
وهم لديهم القوة على الأرض لمحاولة فرض معادلاتهم، ولم ينجحوا بفضل الله ولن ينجحوا بإذنه تعالى.
بيت المقدس المشكلة السياسية
“ومع هذه المعضلات التي نواجه، هناك مِن أبناء جلدتنا مَن يريد أن يضفي على الأرض المقدسة المباركة صفة (المشكلة السياسية) بين الدول، ويصنع من هذه المشكلة علماً ويرسم حدوداً مرة متعرجة ومرة مستقيمة ومرة أ و ب و ج، ويقسّم الأغوار إلى نصفين والمنزل إلى منزلين.
“لقد رحل المحتل عن بلادنا بزيه الأجنبي ولغته الأجنبية، وترك لنا محتلاً بزي عربي ولغة عربية يفعل بالمسلمين ما لم يستطع الاحتلال فعله”4.
الثبات على الطريق وما بعد الطوفان
إن من الضروري إعادة مركزية بيت المقدس إلى مكانها الطبيعي في الإسلام، وإعادة قبلها مركزية مرجعية الوحي، ووضع أعمالنا في سياق النص القرآني، ومن ثم استنهاض الهمم المؤمنة التي وعت ذلك النص.. ﴿وَقُلۡ جَاۤءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَـٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقࣰا﴾ [الإسراء: 81]. لن يزهق الباطل دون وجود حق، فإن وُجد الحق -بمجرد الوجود فقط- أزهق الله الباطل.. ﴿بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَـٰطِلِ فَیَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقࣱۚ﴾ [الأنبياء: 18]، وإن لهذا الحق رجالاً آمنوا وعملوا مع قلة الإمكانيات والأسباب والأساليب وانسداد الأفق، فيأتي النص القرآني ليكون الفيصل ويأتي الدليل من أخبار الأمم السابقة لعلنا نعقل.
ولنعلم أن في هذا الطريق التضحيات كبيرة وعظيمة -وفاتورة أكذوبة السلام أكبر- ولا يتم للمؤمن إيمانه إلا بسؤال الله الشهادة بصدق، أعظم الأماني وأطيب النتائج، فنحن المسلمون إن قاتلنا في الأرض المقدسة لا نقاتل إلا لقدسيتها في دين الله، لا لحدود نعيد رسمها مع الجيران ولا لنضيف على الدول العربية والعالمية دولة!
وهذه الأرض تقع في المركز من سنن الله عز وجل، فإن لم نقُم نحن بالمهمة يستبدلنا الله بقوم يحبهم ويحبونه، وهذه السنة ماضية في نصر المؤمنين المتقين الذين وضعوا أنفسهم موضع النصر، ونصروا الله في أنفسهم، وقدَّموا بين يدي ربهم عملاً على هذا الطريق وصبروا وصابروا.
“هذه الواجبات ربما تختصر لنا كثيراً من الوقت وكثيراً من التضحيات، فكلما بعدنا عن الأصل سندفع ثمناً حتى نعود إليه5.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- كتاب مجموع الرسائل لابن رجب الحنبلي (رسالة في فضائل بيت المقدس)
2- المصدر السابق.
3- انظر: فضائل بيت المقدس، للواسطي، تحقيق: إسحاق حسون بمعهد الدراسات الآسيوية والأفريقية في الجامعة العبرية.
4-كتاب حاضر العالم الإسلامي، علي جريشة.
5- حاتم عبد العظيم، (جسر بودكاست)، كيف يثبتنا القران في زمن الزلزلة والطوفان؟





