
الجيش السوري يوسع سيطرته شرق الفرات
يناير 19, 2026
ليت المسلمين دخلوا باريس!
يناير 19, 2026خالد حربي
فك الله أسره*
منذ منتصف القرن السابع الميلادي خرج الإسلام ليواجه النصرانية على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، حتى غدى بحيرة إسلامية، ثم اتجه الإسلام إلى الأندلس فاستوطنها وأقام مملكته على أرضها قرونًا عدة، دخل خلالها إلى قلب أوروبا ففتح نابولي وجنوة وجنوب فرنسا، حتى وصلوا إلى مدينة ليون وفتح أفنيون والتي كانت مقراً للبابوية لعدة سنين، وظل المسلمون يصولون ويجولون في أوروبا حتى القرن العاشر الميلادي.
ولم يمضِ القليل من الوقت حتى جاء الأوروبيون أنفسهم إلى ديار الإسلام من خلال حملاتهم الصليبية، لتبدأ مرحلة أخرى من مراحل الاتصال بين الإسلام والنصرانية الغربية. هذا الاتصال وإن كان عسكرياً بالدرجة الأولى إلا أن الأمر في الحقيقة أعمق من هذا، فمن خلال هذا الاتصال ترك الإسلام بصمة قوية في أوروبا تمثلت في رؤى إصلاحية جديدة على الحياة الغربية في جميع المجالات.
ولا نقول جديداً إذا قلنا إنّ الغربيين مدينون للإسلام وأهله بكثير من إنجازاتهم الحضارية التي يفتخرون بها، لكن الجديد الذي يتغاضى الغرب عنه هو أنّ الإسلام كان صاحب فضل كبير في إصلاح النصرانية الغربية وظهور حركات الإصلاح الدينية هناك.
بدأت هذه الفكرة تعمل في خاطري وأنا أقرأ كتاب من أهم كتب التاريخ الكنسي، وهو كتاب أندرو مِلر: (مختصر تاريخ الكنيسة)، والكاتب أحد أعمدة حركة الإصلاح البروتستانتي، وكان رئيساً لطائفة نصرانية ثم تركها وانضم إلى حركة الإصلاح البروتستانتية، وكان “واعظاً ملتهباً فصيح الفم” كما تصفه كنيسة الأخوة الإنجيلية، وقد ألف كتابه في القرن الثامن عشر الميلادي.
يقول أندرو مِلر في كتابه: “كان الإمبراطور ليو الثالث (القرن السابع الميلادي) يمتلك الشجاعة الكافية؛ فأخذ على عاتقه تطهير الكنيسة من أصنامها الممقوتة، متحملًا المشقات الكثيرة في سبيل هذا، ويصمت التاريخ عن ذكر البواعث التي حركت الإمبراطور ليو لهذا العمل، ولكنّنا نعتقد أنّ ظهور الإسلام ونجاحه واعتقاده بالتوحيد قد أثر على الإمبراطور تأثيراً كبيراً، فضلاً عن ذلك كان الاعتقاد سائداً عند المسيحيين في الشرق أنّ غزوات الإسلام كانت تأديباً من الله على ازدياد الوثنية داخل الكنيسة، وكان المسيحيون كثيراً ما يسمعون تعييراً من المسلمين واليهود بأنّهم يعبدون الأصنام، ونتيجة لهذه الظروف قامت المنازعة العظيمة”.
وفي موضع آخر يصف القس أندرو مِلر بحسرة شديدة ما آلت إليه أحوال الكنيسة من تقديس لرفات الأموات وعبادتهم، ثم يعلق بما يزيد الأمر سوءاً ويجعله يستلزم تغييراً وإصلاحاً، فيقول:
“إذا رجعنا إلى الماضي البعيد، إلى أيام أوريجن (القرن الثالث) الذي كان أول من دعا إلى عبادة القديسين، أو رجعنا إلى ضريح مارتن دي تور الذي كان أشهر ضريح في القرنين الرابع والخامس، ثم تقدمنا إلى يومنا الحاضر لوجدنا أنّ العبادة –للقديسين- تبلغ من العمر ألفاً وخمسمائة عام في كلتا الكنيستين: اللاتينية واليونانية، فلا عجب إن حكم المسلمون بأنّ المسيحيين عبدة أوثان”.
وعندما أخذ يذكر طلائع الإصلاح قبل مارتن لوثر، كان أثر الإسلام واضحًا وقويًا ولم يجرؤ الرجل على جحده كما تفعل الكنيسة الآن، فيقول: “كان البابا سلفستر الثاني الذي جلس على كرسي بطرس الرسول في فجر القرن الحادي عشر، هو حلقة الوصل بين حكمة العرب وجهل الرومان وتسليمهم الأعمى، فقد تعلم في المدارس الإسلامية وفي مدينة قرطبة، حيث استقى علوماً نافعة ابتدأ أن يُظهرها في روما ويُعلمها للنّاس، ولكن بسبب روح الخرافة التي سادت ذلك الوقت نسب النّاس أعماله ومعارفه إلى فنون السحر؛ لأنّ النّاس اعتقدوا أنّ مثل هذه القدرات لا يمكن إلا أن تكون نتيجة التحالف مع الشيطان”.
وقد خطى هذا البابا خطوات تجاه الإصلاح نابعة من تأثره بالإسلام وثقافته به. ولم يكن دور سلفستر الثاني ثانوياً في الإصلاح، فهو لا يزال أعظم مَن تصدّى لفساد الكنيسة لا سيما فساد الأساقفة.
يقول الخوري أسعد عيسى: “إنّ البابا سلفستر الثاني ثار ضد السلطة الكنسيّة، وهو يُعد أعظم مَن كَتب ضد الأساقفة”.
شخص آخر في مقدمة طابور الإصلاح الكنسي، وهو توما الإكويني، الذي يلقبه الغرب: “القديس والمعلم الملائكي”، ويصفه أندرو مِلر بأنّه أحد طلائع الإصلاح في المسيحية ويقول عنه: “أشهر قادة الفكر في القرن الثالث عشر، وخير مثال للرجل اللاهوت”. هذا الرجل الذي لا تزال مؤلفاته مرجعاً هاماً ومميزاً في الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية يقول عنه جوستاف لوبون: “إنّه مدين لابن رشد في كل علمه وإنّه متأثر بالإمام أبي حامد الغزالي”. ولا عجب فقد كان على صلة قرابة بأسرة الإمبراطور فريديك الذي كان عاشقاً للثقافة العربية وترجم وأسرته الكثير من العلوم العربية إلى اللاتينية.
رجل آخر ممن قاموا بأدوار عظيمة في إصلاح النصرانية وهو روجر بيكون، الذي يصفه القس جون لوريمر في كتابه (تاريخ الكنيسة) بأنّه لوثر الأول، والذي يضعه أندرو مِلر في طليعة الإصلاحيين، ويصفه بأنّه: “كاتب عبقري شهير ذو فكر ثاقب وبصيرة نافذة، وكان له فهم واضح لمجريات الأمور في معاهد العلم وفي الكنيسة”.
لم يكن بيكون ينقل للغرب سوى ما تأثر به من الحضارة الإسلامية، وهو القائل: “إنّ الفلسفة مأخوذة عن العرب، فلا تُفهم كما يجب إلا إذا عرفت اللغة العربية”.
وكان بيكون يلوم القس توما الأكويني لأنّه تعلم الفلسفة الإسلامية من المترجمات وليس من الأصل.
ويقول جريدودي روجرو: “إنّ خصائص الحضارة الإسلامية والدين الإسلامي قد تسربت من خلال الفلسفة تقريباً إلى العالم اللاتيني”.
ويقول هنري دي كاستروا: “إنّ صلاح الدين كان يُذكر في الأناشيد اللاتينية والفرنسية في العصور الوسطى، وظهر في إحدى الروايات يناقش الديانات، وأعظم عيب عاب به المسيحية هو عبادة البابا ومسألة الاعتراف”. وهي أول ما قامت حركة الإصلاح بإلغائه.
هذا الأثر البالغ الذي أحدثه الإسلام على النصرانية لا تزال الكنيسة تنكره وتحاول إخفاءه وطمس معالمه، وليت الأمر ينتهي هنا، بل لقد قامت الكنيسة لترد الفضل إلى الإسلام عبر حرب صليبية شرسة تدور على كل المحاور الفكرية والثقافية والاقتصادية بل والعسكرية أيضاً، لكن الحق أكثر إشراقًا من ظلام الباطل مهما استطال.
وكما يقول ألفريد جيوم في كتاب (تراث الإسلام): “وسوف نرى حين تخرج إلى النور الكنوز المودعة في دور الكتب الأوروبية، أنّ تأثير العرب الخالد في حضارة العصور الوسطى، كان أجل شأناً وأكثر خطراً مما عرفناه حتى الآن.





