
لو عُرض واقعنا على هدي النبوة فبماذا نجيب؟
أكتوبر 12, 2026
رئيس الهيئة يشارك في ملتقى العلماء الـ11 في ديار بكر بتركيا
أكتوبر 12, 2026بقلم: أبو عبيدة الشهيد/ حذيفة سمير الكحلوت الناطق باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام من رسالته للماجستير
ما دامت أرض فلسطين المقدسة قد احتَلت في عقيدة المسلمين وفكرهم وتاريخهم هذه المكانة الدينية السامية، وترسخ في وجدان كل مسلم يعرف دينه حق المعرفة بأن أرض فلسطين هي آية في كتاب الله الخالد، وهي ميراث الأنبياء والمرسلين، وهي وصية رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين، وهي موضع الجهاد والمجاهدين إلى يوم الدين، وهي ملاذ المؤمنين وطائفة المنصورين، فذلك يكفي تأصيلاً شرعياً لحكم الإسلام في التفريط بأرض فلسطين المباركة.
فهل يجوز لمسلم بعد إيمانه بربه ﷻ وبرسوله ﷺ وبالقرآن العظيم، أن يشك لحظة أنه يجوز له التفكير في التفريط بذرة تراب من هذه الأرض المقدسة؟! إن المسلمين الذين استقرت مصادر دينهم على وحي سماوي صحيح يقيني لا جدال فيه ولا أثر ليد البشر عليه، ينبغي أن يكونوا أحرص البشرية على مسرى نبيهم ﷺ وما حوله، ولا يجوز بحال أن يكون اليهود والنصارى أحرص منهم على هذه الأرض، وهم الذين تلطخ تاريخهم بالخيانة لله ﷻ ولأنبيائه الأكرمين؛ بتحريفهم كتاب ربهم ﷻ، وبقولهم عليه زوراً وبهتاناً عظيماً.
ومن لوازم فرضية الجهاد عينياً -في فهم الباحث- أن يكون التفريط بشيء من فلسطين -قلّ أو كثر- حرام شرعاً؛ إذ كيف يكون الجهاد فيها فرض عين، تبذل فيه النفوس والأموال، وتستنفر فيه الأمة بعدتها وعتادها، ثم يجوز لها أو لبعضها أن يتنازل عن جزء منها لعدوها!
فتاوى العلماء في الحكم التنازل عن فلسطين
بعد أن وقع البلاء على الأرض المقدسة في العصر الحديث، باحتلالها من شذاذ الآفاق وأعداء الله اليهود، انبرى علماء المسلمين منذ بوادر الاحتلال اليهودي وحتى يومنا هذا، يدافعون بعلمهم وفتاواهم عن أرض فلسطين، ويبينوا للناس حرمة هذه الأرض، وعدم جواز التفريط بذرة من ترابها، أو الصلح مع اليهود على أساس تقسيمها، أو الاعتراف لهم بأي حق فيها.
فتاوى قبل الاحتلال
اجتمع في القدس عدد كبير من علماء فلسطين فيوم العشرين من شوال عام 1353هـ، الموافق السادس والعشرين من يناير عام 1935م، وأفتوا بالإجماع بحرمة بيع الأراضي في فلسطين لليهود، مبينين أن من شأن ذلك أن يفتن المسلمين في دينهم وأرضهم، وأن يحقق للصهيونية الكافرة مقاصدها، وجرّم العلماء السماسرة والوسطاء الوسطاء العرب الذين يبيعون أراضي في فلسطين لليهود، واعتبروا أن هؤلاء موالون لليهود ومانعون لمساجد الله أن ترفع ويذكر فيها اسم الله عزّ وجلّ، وأنّ في بيع الأرض خيانة لله عزّ وجلّ ولرسوله ﷺ وللمؤمنين، واعتبر العلماء استحلال بيع الأرض لليهود كفرٌ، وأن فاعله لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وتجب منابذته ومقاطعته ولو كان من أولي القربى، وأن السكوت عنه أو الرضا بما يفعل حرام قطعاً1.
وفي العام التالي، وتحديداً في 14-2-1936م، عقد مؤتمر ثانٍ لعلماء فلسطين في القدس أيضاً، وخلص المؤتمر إلى تحريم السماح بالهجرة اليهودية، وتحريم بيع الأرض لليهود، ودعم تشكيل نواة الجيش الفلسطيني للدفاع عن الأرض والمقدسات2.
ويبدو أن مثل هذه المؤتمرات جوبهت بالواقع على الأرض، إذ كان اليهود قد بدأوا في السيطرة على فلسطين بالقوة والسلاح بمساعدة الاحتلال، في زمن الضعف الإسلامي، لكن هذه المواقف للعلماء بقيت خالدة لتؤكد مبدأ حرمة الأرض المقدسة وموقف الإسلام الراسخ منها.
وقد أفتى الشيخ محمد رشيد رضا قبل احتلال اليهود أرض فلسطين بأكثر من ثلاثة عشر عاماً حول حرمة تمكين اليهود أو غيرهم من الأرض المقدسة فقال: “إن من يبيع شيئاً من أرض فلسطين وما حولها لليهود أو للإنكليز فهو كمن يبيعهم المسجد الأقصى، وكمن يبيع الوطن كله؛ لأن ما يشترونه وسيلة إلى جعل الحجاز على خطر، فرقبة الأرض في هذه البلاد هي كرقبة الإنسان من جسده، وهي بهذا تعد شرعاً من المنافع الإسلامية العامة، لا من الأملاك الشخصية الخاصة، وتمليك الحربي لدار الإسلام باطل، وخيانة لله عزّ وجلّ ولرسوله ﷺ ولأمانة الإسلام، لا أذكر هنا كل ما يستحقه مرتكب هذه الخيانة، وإنما أقترح على كل من يؤمن بالله عزّ وجلّ، وبكتابه، وبرسوله خاتم النبيين ﷺ، أن يبثّ هذا الحكم الشرعي في البلاد مع الدعوة إلى مقاطعة هؤلاء الخونة -الذين يصرون على خيانته- في كل شيء من المعاشرة والمعاملة والزواج والكلام حتى رد السلام3.
وفي عام 1937م رفض علماء نجد قطعياً فكرة تأسيس دولة لليهود في فلسطين أو تقسيم فلسطين، فأرسلوا للملك في حينه فتوى شرعية، جاء فيها: “فقد بلغنا أنه يراد جعل فلسطين حكومة يهودية وحكومة عربية إسلامية، ولا يخفى عليك -سلمك الله- أن جعل ولاية لليهود في أرض الإسلام أمر باطل ومحرم، لأنه يعود على الإسلام وأهله والحرمين الشريفين والبلاد المقدسة بأكبر الخطر وأعظم الضرر، وكل من عنده غيرة دينية وهمة عربية يأنف ذلك ويأباه ويشمئز منه أعظم اشمئزاز، ويغار لله عزّ وجلّ ولدينه ولحرمته أعظم غيرة… ونحن علماء المسلمين لا نجيز ذلك، ولا نقره، ولا نقبله بأي طريق”4.
كما صدرت فتوى في يوليو عام 1937م عن علماء العراق، أكدوا فيها وجوب مقاومة إنشاء دولة يهودية في فلسطين، وأن هذا هو واجب كل مسلم5.
وجاء نداء علماء الأزهر الشريف سنة 1947م إلى العرب والمسلمين بوجوب الجهاد لإنقاذ فلسطين والمسجد الأقصى بعد قرار تقسيم فلسطين، وجاء في هذا النداء: “إن الخطب جلل وإن هذا يوم الفصل، فليبذل كلَّ عربي وكلَّ مسلم في أقصى الأرض وأدناها من ذات نفسه وماله ما يردُ عن الحمى كيد الكائدين وعدوان المعتدين.. وأعدّوا فيما بينكم كتائب الجهاد، وقوموا بفرض الله عليكم، واعلموا أنَّ الجهاد أصبح اليوم فرض عين على كل قادر بنفسه أو ماله، وأنَّ من يتخلف عن هذا الواجب فقد باء بغضب من الله وإثم عظيم”6.
فيا ليت العرب والمسلمين أنصتوا لهذا النداء، ويا ليتهم عملوا بحكم الله ﷻ وأعلنوا جهاداً خالصاً، وطرودوا اليهود من أرض الإسلام، لكنَّهم -إلا قليلا منهم- اتخذوا لأنفسهم رايات هي أبعد ما تكون عن الإسلام، وتدثَّروا بعروبة وقوميَّة وعصبيَّة لم تخلف للأجيال سوى الهزيمة والهوان!
فتاوى بعد الاحتلال
أفتى ثلاثة وستون عالماً من علماء الأزهر عام 1956م بحرمة الصلح مع اليهود أو الاعتراف لهم بشيء من فلسطين، وجاء في فتواهم: “ونحن نعلم بما أخذ الله علينا من عهد وميثاق في بيان الحق أن الجهاد هو السبيل الوحيد لتحرير فلسطين، وأنه لا يجوز بحال من الأحوال الاعتراف لليهود بشبر من أرض فلسطين، وليس لشخص أو جهة أن تقر اليهود على أرض فلسطين، أو تتنازل لهم عن أي جزء منها، أو تعترف لهم بأي حق فيها”7.
وفي شهر فبراير عام 1968م صدرت فتوى عن علماء المؤتمر الدولي الإسلامي المنعقد في باكستان جاء فيها: “إن الصلح مع اليهود (المحاربين المحتلين لفلسطين وبعض بلاد الإسلام والمسجد الأقصى خاصة) لا يجوز شرعاً، لما فيه من إقرار الغاصب على غصبه، والاعتراف بحقية يده على ما اغتصبه، فلا يجوز للمسلمين أن يصالِحوا هؤلاء اليهود المعتدين، لأن ذلك يمكنهم من البقاء كدولة في أرض البلاد الإسلامية المقدسة، بل يجب على المسلمين جميعاً أن يبذلوا قصارى جهودهم لتحرير هذه البلاد، وإنقاذ المسجد الأقصى وسائر المقدسات الإسلامية من أيدي الغاصبين”8.
وقد بيَّن العالم المجاهد الشهيد عبد الله عزام رحمه الله أهمية قضية فلسطين ووجوب الجهاد فيها وحرمة التنازل عنها حتى طرد آخر يهودي منها، وكان مما قاله: “إن إثم تقاعس جيلنا عن النفير في القضايا المعاصرة -كقضية فلسطين- أشد من إثم سقوط الأراضي الإسلامية السابقة، والتي عاصرتها أجيال مضت… ومن استطاع من العرب الجهاد في فلسطين فعليه أن يبدأ بها… ففلسطين قضية الإسلام الأولى، وقلب العالم الإسلامي، وهي الأرض المباركة”9.
ويقول أيضاً: “لا يجوز أن تتضمن أية معاهدة اعترافاً أو إقراراً للكفار بشبر من أراضي المسلمين، لأن أرض الإسلام ليست لأحد، فلا يحق لأحد أن يفاوِض عليها، فالأرض لله ﷻ ثم للإسلام، فلا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك غيره، ولا بيع لابن آدم فيما لا يملك، فلا يجوز التفاوض مع اليهود أبداً على فلسطين، فإذا تعيّن الجهاد بطل الصلح”10.
إن هذا الفهم الشرعي لحرمة أرض فلسطين الذي فهمه الشيخ عزام، وقاتل من أجله في أقاصي بلاد الإسلام، واستشهد في سبيله، هو أشد ما يحتاج إليه ساسة اليوم الذين يتصدّرون لقضايا الأمة وقد خوت جعبتهم من هذا الفهم وامتلأت بالحسابات المادية والمقاييس الدنيوية، فخلَّفت هزائم وتنازلات ومبادرات واستجداءات، حتى وصل حال المسلمين إلى ما وصل إليه.
واستمراراً لدور علماء الأمة، وعلماء الأرض المقدسة خاصةً، فقد عُقد مؤتمر لعلماء المسلمين في المسجد الأقصى المبارك، في 1-11-1991م، بعد حديث العالم عن اقتراب عقد صلح وسلام دائم بين بعض ساسة فلسطين وبين اليهود المحتلين! إذ هبَّت ثلةٌ من علماء المسلمين في بيت المقدس وما حوله، وأفتوا بالإجماع بحرمة عقد الصلح والسلام مع اليهود ولا المشاركة في مؤتمر لهذا الغرض، لأنَّ في ذلك إسباغ شرعية على اليهود في وجودهم على أرض فلسطين المباركة، وعدوانهم على الديار والمقدسات والأموال، وهذا باطل شرعاً، وعليه فيجب الجهاد ويتعيَّن في فلسطين حتى طرد اليهود من آخر شبر منها11.
وخلص هذا المؤتمر إلى قول العلماء : ” فعقد الصلح مع اليهود باطل شرعاً، ثم أخلاقاً، ثم عرفاً دولياً، والأمة غير ملزمة به، ولا تتحمل مسؤوليته، ولها الحق في التعامل معه بالوجه الذي تراه مناسباً، حاضراً ومستقبلاً”12.
وقد أفتى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله بوجوب استنقاذ فلسطين من أيدي اليهود وطردهم منها، فقال: “إن القضية الفلسطينية قضية إسلامية أولاً وأخيراً، ولكن أعداء الإسلام بذلوا جهوداً جبارة لإبعادها عن الخط الإسلامي، وإفهام المسلمين من غير العرب أنها قضية عربية.. وأرى أنه لا يمكن الوصول إلى حل لتلك القضية إلا باعتبار القضية إسلامية، وبالتكاتف بين المسلمين لإنقاذها، وجهاد اليهود جهاداً إسلامياً، حتى تعود الأرض إلى أهلها، وحتى يعود شذاذ اليهود إلى بلادهم التي جاءوا منها”13.
وقال الشيخ ابن باز أيضاً: “أنصح الأغنياء وولاة الأمور بأن يمدوا يد العون لإخوانهم في فلسطين المجاهدة لاسترداد بلادهم والنصر على الأعداء إن شاء الله”14.
وفي 22-7-2000م صدرت فتوى عن “دار الإفتاء في القدس والديار الفلسطينية” حول حكم التعويض عن الأرض الفلسطينية، جاء فيها: “إن التعويض عن الأرض الفلسطينية كبيعها، سواء بسواء، ولا يجوز مطلقاً شرعاً.. لأنَّ الأرض الفلسطينية ليست سلعةً للبيع والشراء، فهي وقفية مباركة مقدسة، وهناك فرقُ شاسع بين التعويض عن الأرض، وبين التعويض عن الأضرار التي لحقت باللاجئين الذين هُجروا من ديارهم بغير حق.. فعبارة (حق العودة والتعويض معاً) جائزٌ شرعاً، أما عبارة (العودة أو التعويض) فلا تجوز”15.
وقد أصدرت رابطة علماء فلسطين في 25-1-2007م فتوى تحكم بكفر من اعتقد حلّ التنازل عن أي جزء من فلسطين لليهود، وجاء في الفتوى: “إن التنازل عن حق عودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه فلسطين، يعني التنازل عن ملكية المسلمين للأرض، وتبعيتها للوقف الإسلامي، فإذا كان بيع الأراضي المقدسة في البلاد الشام لغير المسلمين لا يجوز، ويحرمه الشارع الحكيم، وقد سبق أن أفتى علماء المسلمين في جميع أنحاء المعمورة بتجريم من فعله وكفروا من اعتقد حلَّه، فكيف بمن تنازل عن الأرض عبر التنازل عن حق عودة شعبنا الفلسطيني المسلم إلى أرضه المقدسة؟! فالقول فيه –وفي مَن رضي بفعله، أو قوله، أو سكت عنه، عربياً كان أم أعجمياً، صادراً من عالم بنتيجته راض بها- فهو مستلزم الكفر والارتداد عن دين الإسلام باعتقاد حلّه”16.
وجاء في الفتوى أيضاً: “إن المتنازل عن حق العودة يلغي وقف أمير المؤمنين لأرض الشام على ذراري المسلمين.. ويظاهر على إخراج المسلمين من ديارهم.. وهو ظالم ومانع لمساجد الله -وعلى رأسها الأقصى قبلة المسلمين الأولى- أن يذكر فيها اسمه وساعٍ في خرابها.. وهو متخذ اليهود أولياء.. وهو مؤذٍ وخائن لله ولرسوله وللمؤمنين.. وهو كافر ومجتدّ عن دين الله ، وبذلك يصبح أحد الثلاثة الذين يحلّ دمهم”17.
وقد سُئل الدكتور يوسف القرضاوي بتاريخ 12-7-2011م عن حكم الشرع في التنازل عن (القدس الشريف)، فقال: “لا يجوز لمسلم -مسؤولاً كان أو غير مسؤول- أن يتنازل عن أي جزء من أرض الإسلام، فأرض الإسلام ليست ملكاً لرئيس ولا لأمير ولا لوزير ولا لجماعة من الناس، حتى تتنازل عنها تحت أي ضغط أو ظرف، وإنما الواجب على الأفراد والجماعات الجهاد والنفير والمقاومة لتحرير أي أرض احتلها الأعداء، أو لاستعادتها إذا اغتصبها مغتصب، والأمة كلها مسؤولة بالتضامن عن ذلك، لا يملك حاكم ولا محكوم التفريط في هذا الأمر، وإذا عجز جيل من أجيل الأمة أو تقاعس، فلا يجوز له أن يفرض عجزه أو تقاعسه على كل أجيال الأمة القادمة إلى يوم القيامة، فيتنازل عما لا يجوز له التنازل”18.
وأفتى القرضاوي بالتحريم القطعي لقبول اللاجئين الفلسطينيين التعويض المالي مقابل التنازل عن أرض فلسطين، فقال: “ولهذا أصدرنا فتوانا بتحريم قبول التعويض عن أرض فلسطين بالنسبة للاجئين المشردين في أنحاء العالم، ولو بلغ مئات المليارات، فأوطان الإسلام لا تقبل البيع ولا التنازل أو التعويض عنها بحال من الأحوال، وإذا كان هذا الحكم في شأن أي أرض إسلامية فكيف إذا كانت هذه الأرض هي القدس الشريف”19.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





