
مؤتمر دولي في كوالالمور الحركات الإسلامية مطالبة بالانتقال من مرحلة البقاء إلى مرحلة الإسهام
أكتوبر 2, 2026
إلى الصابرين من المجاهدين والعاملين
أكتوبر 2, 2026بقلم: د. محمد الصغير – رئيس هيئة أنصار النبي ﷺ
ثلاث سنوات مرت على طوفان الأقصى ترك فيها بصمته، وظهر تأثيره على قارات العالم من أقصاها إلى أقصاها، وهذا الأثر الكبير دفع أهل غزة في مقابله أثمانا كبيرة، حيث زاد عدد الشهداء عن سبعين ألفاً، بما يستتبع هذا العدد من أيتام وأرامل وأسر بلا عائل بل خلفت حرب الإبادة الجماعية التي شنها الاحتلال الغاصب أثرا نادرا في تاريخ جرائم الحرب، حيث مُسحت قوائم أسر كاملة من سجلات الأحياء.
وتجاوز أهل القطاع المحاصر البحث عن ضرورات الغذاء والدواء إلى البحث عن شربة ماء، حيث رُدمت الآبار الجوفية وتهدمت محطات المياه، وأصبح الركام والأنقاض حائلا دون أي مظهر من مظاهر الحياة، مع وجود شتى وسائل الإغراء بالهجرة من غزة المدمرة، وتركها إلى عواصم المنعمين، لكن الشعب الأبي سجل أروع صور البطولة والثبات، أمام القصف والمغريات.
وليس أهل غزة بدعا من الشعوب الحرة، التي لا تقبل الاحتلال ولا ترضى المذلة، وتقدم كل ما تملك في سبيل تحرير أوطانها، وليس هذا حكرا على جنس أو ملة، فكما قاومت الجزائر احتلال فرنسا الممتد البغيض، كذلك هزمت فيتنام أمريكا وجعلت هزيمتها مثلا يُضرب وقصة تُحكَى، ثم ذاقت الهزيمة نفسها في أفغانستان، لكن قدر أهل غزة خاصة والمناضل الفلسطيني بوجه عام، أنه يسعى إلى تحرير وطنه أصالة عن نفسه، وفي الوقت ذاته يحمل مسؤولية قدس المسلمين كطليعة لأمته.
جمعني مجلس كريم مع وزير الشؤون الخارجية الأسبانية، بحضور سفير أسبانيا في قطر، فشكرته على مواقف أسبانيا المتقدمة في فضح جرائم الاحتلال، والوقوف مع عدالة القضية الفلسطينية، وأنهم أحيوا الضمير الإنساني، فإذا به يكرر الجملة الأخيرة ويقول: “الضمير الإنساني” جملة لا تحتاج إلى ترجمة!
طوفان الأقصى أقنع العالم بالحق الفلسطيني، وكشف القناع عن وجه الاحتلال البغيض وسرديته الملفقة، ولو قلت إن الشعوب في حالة إجماع على ذلك لما بعدت كثيرا، بل إن الشعوب الحرة تحاول تعويض مواقف حكوماتها الداعمة للحرب والدمار، فإذا كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة هي من تولت كبر الحرب وسعرت أوارها، فإن أكثر الجامعات تظاهرا ضد الحرب كانت الجامعات الأمريكية، وإذا كانت فكرة احتلال فلسطين بدأت بريطانية، والطيران الإنجليزي هو الذي يحلق لرصد المقاومين والتجسس على المدنيين، فإن أكبر المظاهرات العالمية خرجت من قلب لندن، تنديدا بجيش الاحتلال وما يفعله في شعب فلسطين، ومن الجو إلى البحر لأن ألمانيا هي التي تمد الاحتلال بالغواصات الحديثة، وتدرب طواقمه على استخدامها، وفي الوقت ذاته لم تتوقف المظاهرات في شوارع ألمانيا، وقوبلت بشتى أنواع العنف والبطش.
حتى إن كثيرا من الحكومات بدأت تساير الشعوب في احتجاجها، ورأينا قبل أيام مغادرة جماعية لوفود مشاركة في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك أثناء كلمة “نتن ياهو” واستمع له فقط من قبل بالتطبيع مع جرائمه، مما جعله يوجه بذاءاته للجميع، ويصف من انصرفوا عنه بالجبناء، ونشرت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية امتنانها لبقاء ممثلة دولة الإمارات ومملكة البحرين، وحرصهم على سماع كلمة “نتن ياهو”.
ثم جاءت كلمة محمود عباس الذي نزل دركة عن المطبعين، وظهر كلابس ثوبي زور، بإصراره على نزع سلاح المقاومة، وتسوله دولة منزوعة السلاح والدسم، إلى جوار دولة الاحتلال “النووية”، وكانت كلمته عن طريق الـ(زووم)، لأن ترمب رفض منحه تأشيرة دخول، وتظهر هنا المفارقة من ناحيتين:
الأولى:
أن أمريكا وافقت على دخول رئيس إيران الذي يحاربها ويضيق عليها كل مضيق، كما أكد في كلمته على استمراره في الحرب !
الثانية:
لم تصل ترجمة كلمة “نتن ياهو” إلى عباس، حيث وصف مقر سلطته الوهمية بمنطقة يهوذا والسامرة، ونسف أوهام حل الدولتين، أو حتى مسمى الضفة الغربية !
تسلل “نتن ياهو” إلى مقر الأمم المتحدة خفية، وساء وجهه خروج الوفود، واستقبلته نيويورك عاصمة تجارة اليهود ومركز اللوبي الضاغط بالمظاهرات الغاضبة، وتتابعت كلمات الدول على وصف ما يقوم به بالإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وأنه لابد من وقفة جادة تجاه غطرسته العمياء.
وفي ظل هذا الإجماع الدولي جاءت طعنة رفع مستوى التطبيع والتمثيل الدبلوماسي مع الاحتلال من الأخ الشقيق:
وظلم ذوي القربى أشد مرارة ** على المرء من وقع الحسام المهند
توقيت مسارعة المغرب في وتيرة التطبيع جاء بعد ثلاثة أعوام من المذابح في غزة، وكأنه مكافأة على المجازر، أو من باب تبيض السمعة على أضعف الإيمان، وقابل الشعب المغربي الكريم هذا التصعيد في التطبيع بالرفض والتنديد، وبشهادة الجميع فإن المغاربة كانوا أكثر الشعوب العربية مؤازرة لأهل غزة، وأعلى الأصوات في الحشد لتأييد فلسطين، وعلى عادة اللجان الإلكترونية التابعة للأنظمة، خرجت أصوات تدافع عن تطبيع الحكومة بحجة أن دولاً عربية سبقتهم لذلك، وكأن تكرار السرقة يجعلها وسيلة مشروعة، والحقيقة أن التطبيع خيانة من كل حد وفي كل وقت، ومن فتح باب الخيانة فعليه وزرها ووزر من ولج منه إلى يوم القيامة، وكل من بات تحت لحاف إسرائيل، فقد تلطخ بالجنابة السياسية التي لا تُطهرها عذوبة النيل ولا مياه الخليج أو أمواج الأطلسي.





