
كنت أبحث عن الحقيقة في صمت
سبتمبر 29, 2026
أكاديميون وخبراء يدعون إلى إنشاء مرصد لتوثيق إبـ.ـادة الروهينجا وحفظ الأدلة
سبتمبر 29, 2026مامادو ساديو كامارا – أحد المسلمين الجدد من دولة غينيا
لم تكن مشكلتي أنني لم أملك شيئًا في حياتي، بل كانت مشكلتي أنني كنت أملك أشياء كثيرة ولم أشعر بالسعادة بسببها. اسمي مامادو ساديو كامارا، ولدت في مدينة كوناكري في غينيا. نشأت في أسرة بسيطة، وكان والدي يعمل لسنوات طويلة حتى يوفر لنا احتياجاتنا الأساسية. منذ صغري تعلمت منه أن الإنسان لا ينتظر الفرص، بل يصنعها بيده.
كنت الابن الأكبر بين إخوتي، ولذلك شعرت منذ وقت مبكر أن لدي مسؤولية تجاه عائلتي. لم أكن من الأشخاص الذين يحبون الدراسة الأكاديمية كثيرًا، فقد كنت أميل أكثر إلى العمل والتجارة. كنت أحب التعامل مع الناس، وأحب معرفة كيف تتحرك الأسواق وكيف ينجح بعض الأشخاص في بناء تجارتهم من الصفر.
بعد أن أنهيت تعليمي، بدأت أعمل مع أحد أقاربي في محل صغير لبيع قطع غيار السيارات. في البداية كنت مجرد مساعد، أرتب البضائع وأتعلم أسماء القطع وأسعارها، لكنني مع الوقت أصبحت أفهم المجال جيدًا، وبعد سنوات تمكنت من فتح متجري الخاص.
كان عملي ناجحًا نجاحاً جيداً.. لم أصبح رجل أعمال كبيرًا، لكنني كنت أعيش حياة مستقرة. كان لدي زبائن يعرفونني، وكان الناس يثقون بي لأنني كنت أحاول أن أكون صادقًا في تجارتي.
لكن رغم ذلك، كان هناك شيء ناقص داخلي..
كنت أستيقظ كل صباح وأذهب إلى المحل، وأقضي ساعات طويلة في البيع والشراء والحسابات، ثم أعود إلى المنزل متعبًا. أحيانًا كنت أنظر إلى حياتي وأسأل نفسي: هل هذا هو كل شيء؟ هل الإنسان يولد فقط ليعمل ويجمع المال ثم تنتهي الرحلة؟
كان لدي احترام للدين، مثل معظم الناس في مجتمعي، لكن علاقتي بالإيمان كانت سطحية. كنت أعرف بعض العادات الدينية التي ورثتها من المجتمع، لكنني لم أكن أعيش شعور القرب الحقيقي من الله، كنت أرى أشخاصًا يتحدثون عن الإيمان براحة واطمئنان، وكنت أتساءل: لماذا لا أشعر أنا بهذا الشيء؟!
في أحد الأيام حدث موقف جعلني أبدأ التفكير بشكل مختلف.. جاء إلى متجري رجل كبير في السن يريد شراء قطعة غيار لسيارته. عندما أخبرته بالسعر، اكتشفت أنه لا يملك المبلغ كاملًا. كان ينقصه جزء بسيط، وقال لي إنه سيعود لاحقًا.. في الماضي ربما كنت سأطلب منه أن يعود عندما يملك المال، لأن التجارة بالنسبة لي كانت تعني الربح والخسارة فقط. لكن في ذلك اليوم شعرت بشيء مختلف، فسمحت له بأخذ القطعة، وقلت له أن يدفع الباقي عندما يستطيع.
ابتسم الرجل وقال لي: “المال يذهب يا بني، لكن ما تتركه في قلوب الناس يبقى”. بقيت كلماته في ذهني أيامًا طويلة! أفكر: لماذا شعرت بالراحة عندما ساعدت هذا الرجل أكثر من شعوري عندما أبيع صفقة كبيرة؟!
لم أجد جوابًا واضحًا، لكنني بدأت أبحث عن معنى أعمق لما بين السطور!
كنت أستخدم فيسبوك كثيرًا بحكم عملي، فالكثير من التجار يستخدمونه للتواصل مع الزبائن ومتابعة أخبار السوق. وفي إحدى الليالي، بعد عودتي من العمل، كنت أتصفح المنشورات، فظهر أمامي منشور يتحدث عن معنى العبادة في الإسلام.. لم يكن المنشور إعلانًا تجاريًا، ولم يكن مثيراً للجدل! بل كان يتحدث عن علاقة الإنسان بخالقه، وعن أن الله خلق الإنسان لهدف محدد وليس عبثًا! توقفت عنده لأن الكلمات لامست السؤال الموجود داخلي منذ فترة.
دخلت إلى الصفحة التي نشرت المنشور، وعرفت أنها تابعة لـمشروع يُسمى “بصيرة”، وهو مشروع يعمل “أون لاين” متخصص في التعريف بالإسلام لغير الناطقين بالعربية، يعتمد على التواصل عبر الإنترنت ومنشورات فيسبوك بعدة لغات للوصول إلى من لديهم أسئلة أو رغبة في معرفة الإسلام من خلال الحوار معهم.
لم أكن قد خططت لاتخاذ أي قرار في تلك الليلة. لكن دفعني الفضول! كتبت رسالة قصيرة: “السلام عليكم، رأيت منشوركم وأريد أن أعرف أكثر عن الإسلام”. لم أكن أعرف أن هذه الرسالة الصغيرة ستكون بداية تحول كبير في حياتي.
بعد فترة قصيرة جاء الرد من أحد المحاورين في المشروع.. لم أكن أتوقع أن يأتي الرد بهذه السرعة. كنت أظن أنني ربما سأنتظر أيامًا، أو ربما لن يهتم أحد برسالتي، لكن بعد وقت قصير وجدت شخصًا يجيبني بأسلوب هادئ ومحترم.. في البداية لم أذكر له أنني أفكر في تغيير ديني، لأنني في الحقيقة لم أكن أعرف إلى أين سيقودني هذا الحوار. قلت له فقط إن لدي بعض الأسئلة، وإنني أريد أن أفهم كيف ينظر المسلمون إلى الله والحياة والإنسان.
سألني عن السبب الذي دفعني للسؤال، فأخبرته أنني منذ فترة أشعر بأن الإنسان يحتاج ما هو أكثر من العمل والمال، وأنني أبحث عن معنى يجعل للحياة قيمة أكبر. قال لي إن هذا الشعور موجود عند كثير من الناس، وإن الإنسان بطبيعته يبحث عن الغاية التي خُلق من أجلها.
بدأ يشرح لي بعض المبادئ الأساسية في الإسلام. تحدَّث عن التوحيد، وأن الله واحد لا شريك له، وأن الإنسان عندما يعرف خالقه ويعبده يشعر بالطمأنينة الحقيقية.. كان أكثر شيء جذبني هي تلك المساحة المباشرة بين الإنسان والله. كنت معتادًا على رؤية الدين من خلال العادات والمناسبات، لكنني وجدت في الإسلام معنى مختلفًا؛ أن الله قريب من عباده، يسمع دعاءهم، ويعلم ما في قلوبهم قبل أن ينطقوا به.
سألته عن النبي محمد ﷺ، لأنني كنت أعرف اسمه من قبل، لكن معرفتي كانت محدودة جدًا. شرح لي أن المسلمين يؤمنون بأنه رسول من عند الله، وأن رسالته الخاتمة جاءت لتدعو الناس إلى عبادة الله وحده وإلى مكارم الأخلاق. ثم بدأ يرسل لي بعض الآيات التي تتحدث عن رحمة الله وعن خلق الإنسان. كنت أقرأ الكلمات وأشعر أن هناك تغير داخلي! لم يكن الأمر أنني لم أسمع من قبل عن الله، فقد كنت أؤمن بوجوده، لكن الفرق أنني بدأت أفهم معنى أن يكون الله هو الوجهة الحقيقية للإنسان ومحور حياته!
استمر الحوار ساعات طويلة. كان الليل قد خيَّم، والمدينة أصبحت أكثر هدوءًا. جلست في غرفتي والهاتف في يدي، وأشعر أنني أقف أمام قرار مهم.. كنت أفكر في حياتي كلها؛ في سنوات العمل، وفي بحثي عن النجاح، وفي المواقف التي جعلتني أشعر أن هناك شيئًا ناقصًا.
أدركت أنني كنت أبحث عن الراحة في أشياء وهمية: المال، كيف يراني الناس، نجاح التجارة، لكنني لم أبحث بما يكفي عن إصلاح علاقتي بالله وكيف يراني الله!
سألت المحاور: “إذا أراد الإنسان أن يدخل الإسلام، هل يجب أن يعرف ويتعلم كل شيء أولًا؟”
أجابني أن الإسلام دين يقوم على الإيمان بالله، وأن التعلم رحلة مستمرة، وأن الإنسان لا ينتظر أن يتعلم كل شيئ عن الإسلام أولا كي يبدأ الطريق! ثم شرح لي معنى الشهادتين.
في تلك اللحظة شعرت أنني وصلت إلى النقطة التي كنت أهرب منها طوال الوقت. لم يعد الأمر مجرد فضول أو قراءة، بل أصبح قرارًا بيني وبين نفسي.
أغلقت عيني للحظات، وفكرت في كل ما سمعته.. ثم كتبت له: “أنا مقتنع بأن الله واحد، وأريد أن أكون مسلمًا”.
فطلب مني أن أنطق بالشهادتين..
كنت وحدي في غرفتي في كوناكري، وفي هدوء الليل قلت الكلمات التي أصبحت بداية حياتي الجديدة: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله”.
بعد أن قلتها شعرت بإحساس يصعب وصفه. لم يكن شعورًا بالانتصار على أحد، ولم أشعر أنني أصبحت أفضل من غيري، بل شعرت فقط أنني وجدت شيئًا افتقدته وكنت أبحث عنه دون آدري منذ سنوات!
هنأني المحاور وقال لي: “مرحبا بك يا أخي في الإسلام” ودعا لي، ثم بدأ يشرح لي أول خطوات المسلم الجديد.
في اليوم التالي ذهبت إلى متجري كالمعتاد، لكنني كنت أنظر إلى الأشياء بطريقة مختلفة. نفس المكان، نفس الزبائن، نفس العمل، لكن قلبي لم يعد كما كان.
بدأت أفهم أن التجارة ليست المشكلة، وأن امتلاك المال ليس خطأ، لكن المشكلة أن يجعل الإنسان المال هو هدف حياته الوحيد.. أصبحت أحرص أكثر على الصدق في البيع، وعلى عدم استغلال حاجة الناس. كنت أقول لنفسي إن رزقي مكتوب، وإن ما يأتي بالحلال وإن كان قليل ففيه بركة.
انعكس هذا على معاملاتي اليومية ولاحظ بعض الزبائن تغير أسلوبي. لم أصبح شخصًا آخر فجأة، لكنني أصبحت أكثر التزاماً وانضباطاً وصبراً في معاملاتي.
كان هناك زبون اعتاد أن يساومني بطريقة متعبة، وفي الماضي كنت أغضب بسرعة. أما بعد إسلامي فكنت أحاول أن أتعامل معه بأخلاق أفضل.
بدأت بتعلم الصلاة. كانت هناك صعوبة في البداية، خاصة في حفظ بعض سور القرآن، لكنني كنت أشعر بفرحة كبيرة كلما تعلمت شيئًا جديدًا.. كانت أول مرة أصلي فيها وحدي لحظة مؤثرة جدًا بالنسبة لي. شعرت أنني لا أقف أمام عادة أو تقليد، بل أقف أمام الله خالقي الذي كنت أبحث عنه.
عرض عليّ المحاور الالتحاق ببرامج التعليم التي يقدمها مشروع بصيرة للمسلمين الجدد. بدأت أتعلم أساسيات العقيدة والعبادات، وأتعرف على قصص الأنبياء، وأفهم أكثر عن القرآن. كنت أكتشف يومًا بعد يوم أن الإسلام ليس مجرد تغيير اسم أو مجموعة أوامر، بل هو بناء جديد جذري للإنسان من الداخل!
أصعب مرحلة كانت عندما قررت أن أخبر بعض أفراد عائلتي.. كنت أعرف أن الأمر قد يكون مفاجئًا لهم، خصوصًا أن الناس أحيانًا يحكمون على الأشياء قبل أن يفهموها.
جلست مع أخي الأصغر أولًا، لأنه كان الأقرب إليّ. أخبرته أنني وجدت طريقًا يجعلني أكثر قربًا من الله، وأن قراري لم يكن بسبب مشكلة مع أحد.. استمع إليّ، وكان لديه أسئلة كثيرة. لم أحاول أن أجادله أو أضغط عليه، بل أخبرته فقط أنني أتمنى أن يحكم على التغيير الذي يراه في أخلاقي وسلوكي. مع مرور الوقت بدأ يلاحظ أنني أصبحت أكثر هدوءًا ورحمة، وأن علاقتي بالناس تحسنت.
تعلمت من ذلك أن الإنسان قد لا يستطيع تغيير قلوب الآخرين بالكلمات فقط، لكنه يستطيع أن يقدم صورة جميلة للإسلام من خلال أفعاله.
اليوم، عندما أتذكر تلك الليلة التي فتحت فيها فيسبوك وقرأت منشور مشروع بصيرة، أشعر بالامتنان. لم أكن أبحث عن تغيير حياتي في ذلك الوقت، لكن الله أرشدني إلى طريق لم أكن أعرف أنني أحتاج إليه.
لقد كنت أظن أن القوة تأتي من المال ومن قدرة الإنسان على امتلاك الأشياء، ثم تعلمت أن القوة الحقيقية هي أن يعرف الإنسان ربه، وأن يعيش بقلب مطمئن في كنف الله مهما كانت ظروفه.
لقد بدأت رحلتي إلى الإسلام برسالة بسيطة عبر الإنترنت، ثم حوار صادق، ثم لحظة قلت فيها الشهادة، ومنذ ذلك اليوم بدأت أتعلم كيف تكون الحياة عندما يكون لها هدف ومعنى أعظم من اللهث وراء جمع المال!
فالحمد لله الذي هداني إلى الإسلام..





