
حين توقفتُ عن الهروب!
سبتمبر 29, 2026
القوة والسعادة الحقيقية
سبتمبر 29, 2026
جان مارك أوبامي – أحد المسلمين الجدد من دولة الجابون
لم أكن أتخيل أن لحظة عابرة أمام شاشة هاتفي في ليلة هادئة ستغير حياتي بالكامل. كنت أظن أن الإنسان يعرف طريقه عندما يكبر، وأن الأسئلة الكبيرة التي تأتي من القلب لا تجد لها جوابًا دائمًا. لكنني اكتشفت بعد ذلك أن بعض الأسئلة لا تأتي لتعذبنا، بل تأتي لتقودنا إلى الحقيقة.
اسمي جان مارك أوبامي، ولدت ونشأت في مدينة ليبرفيل، عاصمة الجابون. كنت أعيش حياة عادية مثل كثير من الشباب هناك. لم تكن حياتي مليئة بالمشكلات الكبيرة، فقد كنت أعمل وأساعد أسرتي وأحاول أن أبني مستقبلي. درست في مجال صيانة الأجهزة الطبية، وبعد سنوات من التدريب أصبحت أعمل فنيًا في أحد المراكز التي تهتم بصيانة المعدات المستخدمة في المستشفيات والعيادات.
كانت طبيعة عملي تجعلني أرى أشياء كثيرة لا يراها الناس عادة. كنت أصلح أجهزة تساعد الأطباء على إنقاذ حياة المرضى، وأقف أحيانًا بجانب غرف العلاج وأشاهد خوف الناس وأملهم في الشفاء. مع مرور الوقت بدأ داخلي سؤال يتكرر: لماذا نحن هنا؟ ولماذا تنتهي حياة الإنسان فجأة رغم كل ما يملك من علم وقوة؟!
كنت أنتمي إلى خلفية دينية مسيحية بحكم البيئة التي نشأت فيها، وكنت أحترم التعاليم التي تعلمتها من عائلتي، لكنني كنت أشعر دائمًا أن هناك تناقضاً عميقاً يدور بداخلي. لم يكن الأمر رفضًا لما كنت أعرفه، بل كان شعورًا بأنني أحتاج إلى فهم أعمق عن الله وعن علاقتي به.
في أوقات كثيرة كنت أجلس وحدي بعد انتهاء العمل، وأفكر في معنى العبادة. كنت أؤمن أن الله واحد، وأن الإنسان يحتاج إلى طريق واضح يوصله إليه، لكنني لم أكن أعرف أين أجد هذا الطريق.
كنت أقرأ أحيانًا عن الأديان المختلفة عبر الإنترنت، ليس بهدف الجدال أو البحث عن أخطاء الآخرين، بل لأنني كنت أريد أن أفهم. كنت أرى الكثير من النقاشات الغاضبة بين الناس، وكان هذا يجعلني أكثر حذرًا، لأنني لم أكن أبحث عن خصومة، بل عن إجابة.
في إحدى الليالي، بعد يوم عمل طويل، عدت إلى منزلي متعبًا. كان الوقت قريبًا من منتصف الليل، وجلست على سريري أتصفح هاتفي وأتنقل بين المنشورات المختلفة. ظهرت أمامي منشورات كثيرة على فيسبوك، وبينما كنت أنتقل بينها ظهر لي منشور يتحدث عن الإسلام بطريقة مختلفة عما اعتدت رؤيته.
لم يكن المنشور يهاجم أحدًا، ولم يكن يدعو إلى الكراهية أو الجدل، بل كان يتحدث عن التوحيد، وعن علاقة الإنسان بالله، وعن الرحمة التي جاء بها الإسلام. توقفت عند الكلمات وشعرت بشيء من الفضول.
قرأت المنشور أكثر من مرة، ثم دخلت إلى صفحة المشروع الذي نشره. عرفت أن اسمه “مشروع بصيرة”، وأنه مشروع إلكتروني يهتم بالتعريف بالإسلام لغير الناطقين بالعربية من خلال منشورات على فيسبوك بعدة لغات، بهدف الوصول إلى من يبحثون عن معرفة الإسلام وفهمه بعيدًا عن الصور الخاطئة المنتشرة عنه ومحاورتهم بكل هدوء.
لم أكن أتوقع أن مجرد قراءة منشور ستقودني إلى محادثة، لكنني وجدت وسيلة للتواصل، فأرسلت رسالة بسيطة قلت فيها إن لدي أسئلة وأريد أن أفهم بعض الأمور عن الإسلام.
بعد وقت قصير جاءني رد من أحد المحاورين في المشروع. كان أسلوبه هادئًا ومحترمًا، ولم أشعر أنه يحاول الضغط عليّ أو دفعني لاتخاذ قرار سريع. بدأ يسألني عن سبب اهتمامي، وعن الأفكار التي أعرفها عن الإسلام، ثم بدأ يشرح لي بعض المفاهيم الأساسية.
تحدثنا عن معنى أن يكون الله واحدًا، وعن أن العبادة لا تكون إلا له، وعن مكانة الأنبياء في الإسلام. كنت مندهشًا لأن كثيرًا من الأشياء التي كنت أظنها عن الإسلام لم تكن صحيحة. كنت أكتشف أن هناك فرقًا كبيرًا بين الإسلام الحقيقي وبين ما كنت أسمعه أحيانًا من بعض الناس.
سألته عن القرآن، وكيف ينظر المسلمون إليه، فشرح لي أنه كلام الله المنزل على النبي محمد ﷺ، وأن المسلمين يؤمنون بجميع الأنبياء، ولا يفرقون بينهم في أصل الرسالة، وهي دعوة الناس إلى عبادة الله وحده.
كان الحوار طويلًا، لكنه لم يكن مملًا. شعرت للمرة الأولى منذ فترة طويلة أن الأسئلة الموجودة في داخلي تجد من يستمع إليها بصدق.
قلت له في إحدى الرسائل: “أشعر أنني كنت أبحث عن شيء لا أعرف اسمه، لكنني الآن أشعر أنني أقترب من فهم جديد”.
فأجابني بأن الهداية أمر عظيم، وأن الإنسان عندما يقترب من الحق فعليه أن يسأل الله أن يرشده إليه، وأن القرار يجب أن يكون عن قناعة وليس بسبب تأثير شخص آخر.
استمر الحوار ساعات، وبدأت أقرأ بعض الآيات التي أرسلها لي، وأتأمل معانيها. كان أكثر شيء أثر في نفسي هو وضوح فكرة التوحيد؛ أن الإنسان يتوجه مباشرة إلى الله دون وسطاء، وأن الله قريب من عباده ويسمع دعاءهم.
في تلك الليلة شعرت براحة لم أشعر بها من قبل. لم تكن مجرد عاطفة مؤقتة، بل كان هناك اقتناع يتشكل داخلي شيئًا فشيئًا.
عندما نظرت إلى الساعة أدركت أن الليل أصبح متأخرًا جدًا، لكنني لم أشعر بالتعب. كنت أفكر في كل ما تعلمته خلال الساعات الماضية.
قلت للمحاور: “أعتقد أنني وجدت ما كنت أبحث عنه”.
سألني بهدوء: “هل تقول ذلك لأنك متأثر بالحديث فقط، أم لأنك اقتنعت بمعنى الإسلام؟”
توقفت قليلًا قبل أن أجيب، ثم قلت: “لأنني اقتنعت. أشعر أن عبادة الله وحده هي الشيء الذي كان ينقصني”.
شرح لي معنى الشهادتين، وأن الدخول في الإسلام يكون بالإيمان بالقلب والنطق بها.
في تلك اللحظة، وأنا وحدي في غرفتي في ليبرفيل، رفعت هاتفي وقرأت الكلمات التي ستغير حياتي.
قلت: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله وأن عيسى عبد الله ورسوله”.
بعد أن نطقتها شعرت بارتياح شديد. لم يحدث شيء خارق، ولم يتغير العالم من حولي في تلك اللحظة، لكن شيئًا داخليًا تغير. شعرت أنني بدأت صفحة جديدة، وأنني لم أعد أسيرًا للحيرة التي عشت معها سنوات.
أخبرت المحاور أنني نطقت بالشهادة، فهنأني ودعا لي، ثم بدأ يشرح لي الخطوات الأولى التي يحتاجها المسلم الجديد: تعلم الصلاة، وقراءة القرآن، ومعرفة أساسيات الإسلام تدريجيًا.
في الأيام التالية بدأت أتعلم أكثر. اكتشفت أن الإسلام ليس مجرد معلومات، بل هو طريق حياة. تعلمت عن الصلاة، وعن الأخلاق، وعن أهمية الرحمة والصدق وبر الوالدين وأشياء أخرى كثيرة.
كان الأمر يتطلب الصبر، خصوصًا أنني كنت أعيش في مجتمع لم يكن الإسلام فيه هو الدين المنتشر حولي. لكنني شعرت أن علاقتي بالله أصبحت أكثر وضوحًا.
لم أخبر الجميع مباشرة بقراري، لأنني كنت أحتاج إلى وقت لأثبت لنفسي أولًا أنني ثابت على الطريق الجديد. كنت أعلم أن بعض الناس قد لا يفهمون اختياري، لذلك فضلت أن أتعلم وأزداد معرفة قبل أن أتحدث كثيرًا.
بعد فترة بدأت ألاحظ تغيرًا في شخصيتي. أصبحت أكثر هدوءًا، وأكثر حرصًا على مراقبة تصرفاتي. كنت أشعر أن الإيمان الحقيقي يظهر في تعامل الإنسان مع الآخرين، وليس فقط في الكلمات التي يقولها.
اليوم عندما أتذكر تلك الليلة، أبتسم لأنني أرى كيف يمكن لمنشور بسيط على فيسبوك أن يكون سببًا في تغيير حياة إنسان. لم أكن أبحث عن الإسلام في ذلك اليوم بحثاً مباشراً، لكن الله قادني إلى ما كنت أحتاج إليه.
أنا جان مارك أوبامي من الجابون، كنت فني صيانة أجهزة طبية يبحث عن معنى أعمق للحياة، فوجدت طريق التوحيد. وما زلت في بداية رحلتي، لكنني أحمد الله على نعمة الإسلام، وأسأله أن يثبتني ويزيدني علمًا وفهمًا.
بعد أن أعلنت إسلامي ونطقت بالشهادتين في تلك الليلة، لم تنتهِ رحلتي، بل بدأت مرحلة جديدة كنت أشعر فيها أنني أتعلم كيف أعيش بمعنى مختلف. كنت أعرف أن النطق بالشهادة ليس مجرد لحظة عاطفية، بل هو عهد بين الإنسان وربه، وأن عليّ أن أتعلم وأطبق ما استطعت.
في الأيام الأولى كنت أشعر أن لدي الكثير من الأسئلة. كنت أريد أن أعرف كيف يصلي المسلمون، ولماذا يصلون خمس مرات في اليوم، وما الحكمة من الصيام، وكيف يمكن للإنسان أن يقوي علاقته بالله.
كان المحاور في مشروع بصيرة يتابع معي متابعة مستمرة، أكثر ما أعجبني في طريقة تعامله أنه لم يجعلني أشعر أنني في اختبار، ولم يكن يطلب مني أن أعرف كل شيء بسرعة. كان يقول لي دائمًا إن التعلم رحلة، وإن الإنسان لا يصبح عالمًا في يوم واحد، وإن أهم شيء هو الثبات والصدق مع الله.
بدأت أتعلم الوضوء والصلاة خطوة بخطوة. في البداية كانت بعض الكلمات العربية صعبة بالنسبة لي، خصوصًا أن لغتي الأساسية كانت الفرنسية، لكنني كنت أشعر بسعادة كبيرة عندما أتعلم شيئًا جديدًا مرتبطًا بعبادتي.
كنت أعمل في صيانة الأجهزة الطبية، وكانت طبيعة عملي تجعلني أتنقل بين أماكن مختلفة. أحيانًا كنت أصل إلى المستشفى في الصباح الباكر، وأحيانًا أبقى حتى وقت متأخر بسبب أعطال طارئة تتطلب إصلاحاً سريعاً. وسط هذا الانشغال كنت أحاول أن أجد وقتًا للصلاة والذكر، وشعرت أن تنظيم وقتي أصبح أفضل من السابق.
قبل الإسلام كنت أعيش الأيام بطريقة متشابهة؛ أعمل، أعود إلى المنزل، أتناول الطعام، ثم أقضي ساعات طويلة أمام الهاتف أو أشاهد ما يلهيني. أما بعد الإسلام فقد بدأت أشعر أن لكل يوم هدفًا، وأن الوقت الذي يمر لا يعود مرة أخرى.
أكثر ما أثر في نفسي هو مفهوم الرحمة في الإسلام. بحكم عملي كنت أرى المرضى وأسرهم في لحظات ضعف وخوف. كنت أرى شخصًا ينتظر نتيجة فحص، وأمًا قلقة على طفلها، ورجلًا كبيرًا يتألم. بدأت أنظر إلى هؤلاء الناس بطريقة مختلفة، وأشعر أن مساعدتهم والتعامل معهم بلطف ليست مجرد أخلاق إنسانية، بل عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله.
في أحد الأيام، حدث أمر جعلني أتأكد أكثر من أن الإسلام غيّر نظرتي للحياة. كنت في المستشفى لإصلاح جهاز طبي مهم.. كان هناك ضغط كبير لأن قسم العلاج كان يحتاج الجهاز بسرعة. أثناء عملي جاء أحد العاملين غاضبًا بسبب تأخر الإصلاح، وبدأ يتحدث معي بطريقة قاسية.. في الماضي ربما كنت سأرد عليه بنفس الغضب، لكنني تذكرت أن المسلم مأمور بحُسن الخلق وضبط النفس. حاولت أن أشرح له بهدوء سبب المشكلة، وأكملت عملي حتى عاد الجهاز للعمل.
بعدها جاء إليّ واعتذر عن أسلوبه، وقال لي إنه لاحظ أنني لم أغضب مثل السابق.. ابتسمت وقلت له إنني أحاول فقط أن أكون شخصًا أفضل.
لم أخبره وقتها بتفاصيل إسلامي، لكنني أدركت أن الإنسان قد يكون سببًا في تعريف الآخرين بدينه من خلال أخلاقه قبل كلامه.
مع مرور الوقت بدأت أقرأ القرآن أكثر. لم أكن أفهم كل شيء في البداية، لكن بعض الآيات كانت تلمس قلبي بطريقة عميقة. كنت أشعر أن القرآن يخاطب الإنسان مباشرة، ويتحدث عن أشياء يعيشها كل شخص: الخوف، والأمل، والبحث عن الطريق الصحيح.
كان أكثر ما جذبني هو أن الإسلام لا يفصل بين الإيمان والحياة اليومية. كنت أظن سابقًا أن الدين مجرد مكان يذهب إليه الإنسان للعبادة، لكنني بدأت أفهم أنه طريقة للنظر إلى العالم، وطريقة للتعامل مع الناس، وطريقة لفهم النفس.
بعد أسابيع من إسلامي، أخبرت والدتي أنني أصبحت مسلمًا.. كنت مترددًا جدًا قبل أن أخبرها. لم أكن أخاف منها، فأمي كانت دائمًا تحبني وتحترم قراراتي، لكنني كنت أعرف أن الأمر قد يكون مفاجئًا لها. جلست معها وتحدثت بهدوء. أخبرتها أنني لم أتخذ هذا القرار بسبب غضب أو بسبب تأثير شخص، بل بعد بحث طويل وتساؤلات كثيرة.
في البداية كانت مندهشة، وسألتني عن السبب الذي جعلني أغير ديني. شرحت لها أنني لم أترك الإيمان بالله، بل وجدت طريقًا يجعلني أعبد الله بطريقة اقتنعت بها.
لم توافق مباشرة، لكنها رأت أنني أصبحت أكثر هدوءًا واحترامًا، وهذا جعلها تتعامل مع الأمر بعقلانية.
تعلمت من هذه التجربة أن الدعوة لا تكون دائمًا بكثرة الكلام، بل أحيانًا بالصبر وحسن المعاملة.
بعد فترة التحقت ببرامج التعليم التي يوفرها مشروع بصيرة للمسلمين الجدد. بدأت أتعلم أساسيات العقيدة والعبادات، وتعرفت على مسلمين من دول مختلفة. كان من الجميل أن أكتشف أن الإسلام يجمع أشخاصًا من ثقافات ولغات متعددة، وأن المسلم في الجابون يمكن أن يشعر بالأخوّة مع مسلم في بلد بعيد لا يعرفه.
كنت في السابق أظن أن اختلاف اللغات والثقافات يجعل الناس بعيدين عن بعضهم، لكنني وجدت أن الإيمان يمكن أن يكون جسرًا بينهم.. مرّت الشهور، وما زلت أتعلم. لا أقول إنني أصبحت شخصًا كاملًا، فأنا ما زلت أخطئ وأتعلم، لكن الفرق أنني أصبحت أعرف الطريق الذي أريد أن أسير فيه.
عندما أنظر إلى حياتي قبل تلك الليلة، أرى شخصًا كان يبحث عن إجابات ولا يعرف أين يجدها. أما الآن فأشعر أنني وجدت الأساس الذي كنت أبحث عنه: معرفة الله وعبادته.
أحيانًا أتذكر تلك اللحظة التي ظهر فيها منشور “مشروع بصيرة” أمامي على فيسبوك. كان مجرد منشور بين آلاف المنشورات، لكن الله جعله سببًا في تغيير حياتي. تعلمت أن الإنسان قد يقضي سنوات يبحث عن شيء، ثم تأتي لحظة بسيطة تفتح أمامه بابًا جديدًا.
أنا جان مارك أوبامي من الجابون، وأحمد الله على نعمة الإسلام. كانت بدايتي رسالة على الإنترنت، ثم حوارًا صادقًا، ثم لحظة نطقت فيها بالشهادة، ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلتي الحقيقية.. فاسألوا الله لي الثبات على الحق.
دمتم بخير، أخوكم المسلم/ جان مارك أوبامي.





