
السودان أمام انهيار إنساني خلال أسابيع مع نفاد الإغاثة
سبتمبر 15, 2026بقلم: العلامة الكبير عبد الحي الكتاني – رحمه الله
أخرج أبو داود1 عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ حبس رجلا في تهمة. وفي جامع الترمذي مثله، وقال حديث حسن، وفي الصحيح2 أنه قال: بعث رسول الله ﷺ خيلا قِبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، الحديث.
وذكر ابن إسحاق خبر بني قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله ﷺ فحبسهم بالمدينة في دار بنت الحارث، امرأة من الأنصار، ثم خرج رسول الله إلى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق يخرج بهم أرسالا3.
قال الماوردي في (الأحكام السلطانية): الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء كان في بيت أو مسجد أو كان يتولى نفس الخصم أو وكيله عليه ملازمته له، ولهذا سماه النبي ﷺ أسيرا، كما روى أبو داود وابن ماجه عن الهرماس بن حبيب عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ بغريم لي فقال لي: “الزمه” ثم قال لي: “يا أخا بني تميم ما تريده أن تفعل بأسيرك؟”
وفي رواية ابن ماجه: ثم مرّ رسول الله ﷺ في آخر النهار فقال: “ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم؟” وهذا كان هو الحبس على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر الصديق. ولم يكن له محبس معد ليحبس الخصوم.
وتنازع العلماء هل يتخذ الإمام حبسا على قولين: فمن قال لا يتخذ حبسا احتج بأنه لم يكن لرسول الله ﷺ ولا لخليفته بعده حبس، ولكن يعوضه بمكان من الأمكنة أو يقيم عليه حافظا وهو الذي يسمى الترسيم، أو يأمر غريمه بملازمته، ومن قال: له أن يتخذ حبسا احتج بفعل عمر.
وأما الحبس الذي هو الآن فإنه لا يجوز عند أحد من المسلمين، وذلك أنه يجمع الجمع الكثير، في موضع يضيق عنهم غير متمكنين من الوضوء والصلاة وقد يرى بعضهم عورة بعض، ويؤذيهم الحر والصيف.
وقال الإمام أبو عبد الله بن فرج مولى ابن الطلاع في كتاب الأقضية: اختلف أهل العلم هل سجن رسول الله ﷺ وأبو بكر أحداً قط أم لا؟ فذكر بعضهم أن رسول الله ﷺ لم يكن له سجن ولا سجن أحدا قط، وذكر بعضهم أن رسول الله ﷺ سجن في المدينة في تهمة. رواه عبد الرزاق والنسائي في مصنفيهما من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وذكر أبو داود عنه في مصنفه قال: حبس رسول الله ناسا من قومي في تهمة بدم، وبهز بن حكيم مجهول عند بعض أهل العلم، وأدخله البخاري في كتاب الوضوء فدل على أنه معروف.
وفي غير المصنف عن عبد الرزاق بهذا السند أن النبي ﷺ حبس رجلا في تهمة ساعة من نهار ثم خلّى عنه.
ووقع في أحكام ابن زياد عن الفقيه أبي صالح أيوب بن سليمان، أن رسول الله ﷺ سجن رجلا أعتق شريكا له في عبد، فأوجب عليه استتمام عتقه، وقال في الحديث: حتى باع غنما كانت له.
وقال ابن شعبان في كتابه: وقد رويت عن النبي ﷺ أنه حكم بالسجن والضرب.
واحتج بعض العلماء ممن يرى السجن بقول الله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: 15] وبقول النبي ﷺ في الذي أمسك رجلا لآخر حتى قتله: “اقتلوا القاتل واصبروا الصابر”. قال أبو عبيد قوله: واصبروا الصابر يعني: احبسوا الذي حبسه الموت حتى يموت.
وفي بدائع السلك للقاضي ابن الأزرق؛ نقلا عن ابن فرحون، عن ابن قيم الجوزية: إن الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف، كان في بيت أو مسجد أو ملازمة الغريم له، ولهذا سماه النبي ﷺ أسيرا. وفي سنن أبي داود عن الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده قال: أتيت النبي ﷺ بغريم لي فقال لي: الزمه. ثم قال لي: يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك4؟ قال: وكان هذا هو السجن في زمنه عليه السلام، وزمن أبي بكر رضي الله عنه.
وفي إتحاف الرواة بمسلسل القضاة للإمام أحمد بن الشلبي الحنفي لدى ذكره أوليات علي: وأول من بني السجن في الإسلام، وكانت الخلفاء قبله يحبسون في الآبار.
وفي شفاء الغليل للخفاجي: السجن لم يكن في زمن رسول الله ﷺ، وأبي بكر وعمر وعثمان، وكان يُحبس في المسجد أو في الدهاليز حيث أمكن. فلما كان زمن علي أحدث السجن وكان أول من أحدثه في الإسلام وسماه نافعا، ولم يكن حصينا فانفلت الناس منه، فبنى آخر وسماه مخيسا بالخاء المعجمة والياء المشددة فتحا وكسرا وإنما ذكرته هنا لأن هذه الأسماء حدثت بعد العصر الأول. اهـ.
فالمحصل من كلامهم أن السجن بمعنى حبس الغريم غريمه مثلاً، كان موجودا وأما اتخاذ محل معين ُبني لذلك خصيصا فلم يكن إلا في زمن عمر.
تنبيه- ذكر الخزاعي هنا سجن عمر للحطيئة عن بهجة المجالس، لأبي عمر بن عبد البر، أن عليا بني سجنا بالكوفة، ولم يستوعب ما يجب أن يذكر في الباب، فقد أخرج قصة سجن عمر للحطيئة الزبير بن بكار في الموفقيات وأبو الفرج الأصبهاني في الأغاني، انظر الإمتاع للأدفوي، ووقع في شرح الشواهد الكبرى للبدر محمود العيني: أن الزبرقان كان استعدى عليه عمر الخطاب وزعم أنه هجاه فلما أنشد عمر رضي الله عنه: “واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي“، قال: ما أراه قال لك بأسا، قال الزبرقان: سل ابن الفريعة، يعني حسان بن ثابت الأنصاري، فإن لم يكن هجاني فلا سبيل عليه. فأرسل إلى حسان فسأله هل هجاه بقوله: “واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي” قال: قد هجاه. فحبسه فقال الحطيئة وهو محبوس:
ماذا تقول لأفراخ بذي مَرَخٍ … زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة … فاغفر عليك سلام الله يا عمر
أنت الأمير الذي من بعد صاحبه … ألقى إليك مقاليدَ النُّهى البشرُ
لم يؤثروك بها إذ قدموك لها … لكن لأنفسهم كانت بها الـخِيَرُ
قال العيني: وكانت السجون آبارا؛ فأول من بنى السجن علي بن أبي طالب. ثم قال على قوله: في قعر مظلمة أي: بير مظلمة، وقد قلنا: إن السجون كانت آبارا. اهـ منه ص 525 من الجزء الرابع الذي بهامش خزانة الأدب. ولعل عمر كان يحبس في الآبار، قبل شراء الدار التي أعدها للسجن، فقد أخرج البيهقي من حديث نافع بن عبد الحارث، أنه اشترى من صفوان بن أمية دار السجن عمر بن الخطاب بأربعة آلاف، وعلقه البخاري. انظر تلخيص الحبير للحافظ ابن حجر، ونحوه في ترجمة نافع بن الحارث الخزاعي من تهذيب النووي، نقلا عن المهذب ونحوه للمقريزي في الخطط.
وفي بدائع السلك لابن فرحون عن ابن القيم: بعد ما سبق عنه أنه لما اشتدت الرعية في زمن عمر، ابتاع بمكة دارا وجعلها سجنا: وفيه دليل على جواز اتخاذه. اهـ ملخصا.
وقد كان السلطان أبو الأملاك المولى اسماعيل بن الشريف العلوي دفين مكناس سأل علماء فاس؛ القاضي بردلة والمسناوي وابن رحال وغيرهم من أول من أحدث السجن؟ وكيف كان الناس يسجنون في الآبار؟ وكيف الجمع بين ما ذكره السيوطي من أن أول من أحدث السجن عليّ وبين ما ذكره ابن فرحون، من أنه عمر لما اتسعت مملكته؟
فأجاب الشيخ المسناوي بأن التعارض يدفع ما بين ابن فرحون والسيوطي بحمل كلام السيوطي على أن عليا أول من أحدث له مكانا مخصوصا، واتخذه بقصده في ابتداء، وما كان من عمر فإنه كان في تأني حال، وعارضا للدار المتخذة بالقصد الأول لغيره من السكنى ونحوها، وأما استكشال السجن في الآبار فإن المراد بها السراديب والمطامير، المتخذة تحت الأرض. وقد تكون من الاتساع بحيث تحمل المئين من الناس، لا سيما مصانع ملوك الأمم السالفة، فإنها كانت على قدر قواهم التي لا نسبة بينها وبين من جاء بعدهم. وتسمية ذلك بالآبار للشبه الصوري بالكون تحت الأرض مع ضيق أبوابها ومداخلها، وقد تكون مع هذا متعددة ومتكثرة على قدر الحاجة… إلخ. انظر نوازل الشيخ المسناوي.
تنبيه: قال القاضي ابن سعيد في (التيسير في أحكام التسعير): من عرّض من الكُتاب والشعراء بسبّ أحد أو هجوه سُجن وأدّب. وقد فعل ذلك عمر بالحُطيئة سجنه حين عرّض بالزبرقان بن بدر التميمي بقوله: اقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي. اهـ.
سجن النساء
في كتب السيرة من خبر إسلام عدي بن حاتم، وفراره إلى الشام حين سمع بجيش رسول الله ﷺ، وطىء بلادهم فخرج يتبعه خيل رسول الله ﷺ، فأصابت بنت حاتم ممن أصابه فقدم بها في سبايا طيء، وقد بلغ رسول الله ﷺ أنه هرب إلى الشام، فجعلت بنت حاتم في حظيرة بباب المسجد، وكانت النساء تحتبس فيها» .
هل كانوا يُجرون على المساجين أرزاقا؟
قال الإمام أبو يوسف في كتاب الخراج: لم تزل الخلفاء تجري على أهل السجون ما يقوتهم في طعامهم وإدامهم، وكسوتهم الشتاء والصيف، وأول من فعل ذلك علي بن أبي طالب بالعراق، ثم فعله معاوية بالشام، ثم فعله الخلفاء بعده. اهـ.
وانظر ترجمة عمر بن عبد العزيز من طبقات ابن سعد، وفي خطط المقريزي قيل: أول من وضع السجن والحرس معاوية اهـ.





