
نفثة في شأن السجون
سبتمبر 13, 2026د. عبد العزيز الطريفي – فك الله أسره*
قال تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨].
يخْبِرُنا اللهُ سبحانه أنَّ إبليسَ سوَّل لآدمَ وحوَّاءَ الأكلَ مِن الشجرةِ التي نهاهما اللهُ عن الأكلِ منها، فأكَلَا منها، وسمَّى اللهُ ما فعَلاهُ زَلَلًا عن الجنةِ، وسببًا للإخراجِ منها، وكأنَّ حقَّ الإنسانِ للبقاءِ في مسكنِهِ وملكِهِ للانتفاع منه يرتفعُ إمَّا على سبيلِ الدوامِ؛ كما في استحقاقِهِ القتلَ؛ فيستحقُّ إزالةَ أصلِ انتفاعِهِ بإزالتِهِ من الحياةِ، وإمَّا على سبيلِ التأقيتِ؛ وذلك بحرمانِهِ وإزالتِهِ منها لأمدٍ محدودٍ.
النفيُ وحكمُهُ
وفي الآيةِ جوازُ تأديبِ الإنسانِ عندَ ارتكابِهِ جُرْمًا بنفيِهِ، وجوازُ تعليقِ رجوعِهِ إلى حقِّهِ باهتدائِهِ وعَوْدتِهِ إلى رُشْدِهِ؛ فمِن البَشَرِ مَن يؤمِنُ فيستحقُّ العودةَ مع أبيهِ آدمَ، ومنهم مَن يكفُرُ فلا يَرجِعُ؛ ولذا قال تعالى بعدَ ذِكْرِ نفي آدمَ وحواءَ من الجنةِ: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨- ٣٩].
الحبسُ بشرطِ الرجوع إلى الحقّ
وقولُ جماهيرِ أهلِ العلمِ من الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ والحنابلةِ إنه يجوز إطلاقُ مدةِ السجنِ، وربطُها برجوعِ المُفْسِدِ عن فسادِهِ.
قال أحمدُ في المبتدِعِ الداعيةِ: يُحبَسُ حتى يَكُفَّ عنها1. وقال بهذا أبو يَعْلَى، وابنُ فَرْحُونَ، وغيرُهم. وقال أبو عبدِ اللهِ الزبيريُّ -من أصحابِ الشافعيِّ-: تقدَّرُ غايتُهُ بشهرٍ للاستبراءِ والكشفِ، وبستةِ أشهرٍ للتأديبِ والتقويمِ2.
وقال الماورديُّ: فالظاهرُ مِن مذهبِ الشافعيِّ: تقديرُهُ بما دونَ الحولِ ولو بيومٍ واحدٍ؛ لئلَّا يصيرَ مساويًا لتعزيرِ الحولِ في الزِّنى3.
ومحالٌ أَنْ يَعزِمَ رجلٌ على قتلِ رجلٍ أو إفسادٍ في الأرضِ، ويُعلِنَ ذلك وهو في سِجنِهِ، ثمَّ يقولَ عالِمٌ معتبَرٌ: يجوزُ إخراجُهُ ليقتُلَ خَصْمًا يتوعَّدُهُ بلا حقٍّ. وإنَّما مرادُ مَن قال مِن العلماءِ بمنعِ إبقاءِ السجينِ في سجنِهِ إلى أَجَلٍ غيرِ معلومٍ: في حالِ التعزيرِ على ذنبٍ وجُرْمٍ، لا في حالِ الخوفِ المتيقَّنِ مِن القيامِ بجُرْمٍ، ولا عبرةَ بالظنِّ هنا، وليس كلُّ ذنبٍ يعزِمُ الإنسانُ على تَكرارِهِ يُسجَنُ فيه إلى أجلٍ غيرِ معلومٍ.
والسجنُ عقوبةٌ عندَ عامَّةِ الفقهاءِ مِن السلفِ والخلفِ، ولكنْ يختلِفونَ في تقديرِها.
معنى السجنِ والنَّفي
والنفيُ سِجْنٌ موسَّعٌ، والسجنُ عقوبةٌ وعذابٌ للنفسِ أولًا، ثمَّ للبَدَنِ: أنْ تتعطَّلَ قُواهُ عن الحركةِ فتضعُفَ، ويتعطَّلَ عقلُهُ ويُحْرَمَ مِن مشاهدةِ آياتِ الكونِ فيضعُفَ، ويَفْقِدَ الصلةَ بمَن يعرِفُ مِن أهلٍ وقرابةٍ وصداقةٍ، فتَفقِدَ حواسُّهُ الخمسُ مُتْعَتَها، فتتعذَّبَ بذلك؛ ولذا قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥]. فلا يجوز المصيرُ إلى السجنِ إلا بجُرْمٍ بيِّنٍ؛ فيُبدَأُ بالنفيِ، وإن استَحَقَّ لعِظَمِ جُرمهِ السجنَ، سُجن.
ومِن العلماءِ مَن يفرِّقُ بينَ النفيِ والسجنِ؛ كابنِ حزمٍ وغيرِهِ4.
ولا يجوزُ السجنُ لمجردِ النيةِ؛ فآدمُ وحواءُ نهاهُما اللهُ عن قُربِ الشجرةِ، ولا شكَّ أنَّهما نَوَيَا القُرْبَ قبلَ القُرْبِ، واللهُ يَطَّلِعُ على السَّرِيرة، كما يطَّلعُ على الجَرِيرَة، ولم يُعاقِبْ سبحانَه إلا على الفعلِ، ومع هذا لم يُنزلِ اللهُ العقوبةَ عليهما بمجردِ العزمِ والهمِّ والقصدِ الجازمِ.
بخلافِ وجودِ العزمِ الذي لا يُدفَعُ إلا بالحبسِ؛ حيثُ لا يُؤمَنُ مِن عملِهِ، أمَّا التأديبُ على النيةِ، فلا يجوزُ في الدِّينِ.
ومِن العلماءِ مَن جعَلَ النفيَ مِن الأرضِ لمَن عُجِزَ عن الإمساكِ به ليُعاقَبَ؛ فيُمنَعُ مِن دخولِ بلدِهِ ليُشرَّدَ، ولا يرَوْنه عقوبةً في ذاتِهِ؛ روى عبدُ الرزَّاقِ: أخبرنا إبراهيمُ بنُ أبي يحيى، عن داودَ بنِ الحُصَيْنِ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ أنه قال في المحارِبِ: إنْ هرَبَ وأعجَزَهم، فذلك نفيُهُ5؛ وفيه ضعفٌ.
وروى عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عبدِ الكريمِ أو غيرِهِ؛ قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبَيْرٍ وأبا الشعثاءِ جابرَ بنَ زيدٍ يقولانِ: إنَّما النفيُ ألَّا يُدرَكُوا، فإذا أُدرِكُوا، ففيهم حُكْمُ اللهِ تعالى، وإلا نُفُوا حتى يَلْحَقُوا ببلدِهم6.
وبهذا قال الشافعيُّ7.
والتوسُّعُ في السجونِ اليومَ -ومِن ذلك السجنُ في أماكنَ ضيِّقةٍ لا تتَّسِعُ إلا للواحدِ ممتدًّا- جرمٌ عظيمٌ، وخطأٌ جسيم، وعقوبةٌ ما نزَلَ بها الشرعُ؛ قال ابنُ تيميةَ: “الحبسُ الشرعيُّ: ليس هو السجنَ في مكانٍ ضيقٍ؛ وإنَّما هو تعويقُ الشخصِ ومنعُهُ من التصرُّفِ بنفسِهِ؛ سواءٌ كان في بيتٍ أو مسجدٍ، أو كان بتوكيلِ نفسِ الخَصْمِ أو وكيلِ الخصمِ عليه”8.
كفاية المنفيِّ والسجين في نفسِهِ وأهله
وقولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ﴾، تكفَّلَ اللهُ للمَنْفِيِّ في مَنْفَاهُ بالعيشِ؛ فلا يَنفِي السُّلْطانُ أحدًا في فلاةٍ وصحراءَ لا رِزقَ له فيها ولا مسكنَ يأوِي إليه، فهذا إفضاءٌ إلى قتلٍ، فيجبُ على السُّلْطانِ التكفُّلُ برزقِهِ ورزقِ عيالِهِ مِن ورائِه؛ فاللهُ أهبَطَ آدمَ وزوجَهُ ومع ذلك تكفَّلَ بالمستقَرِّ، وهو القرارُ والسكنُ فيها، وبالمتاعِ؛ وهو ما يُستمتَعُ به مِن لباسٍ وأكلٍ وشربٍ ممَّا يَكْفِيهم.
والمتاعُ في كلام العربِ: كلُّ ما استُمتِعَ به مِن شيءٍ؛ مِن معاشٍ استُمتِعَ به، أو رِياشٍ، أو زينةٍ، أو لذَّةٍ، أو غيرِ ذلك؛ ذكَرَهُ ابنُ جريرٍ9.
وقولُهُ تعالى: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: فيه إشارةٌ إلى أنَّ النفيَ إلى أَجَلٍ، والحِينُ هو القَدْرُ المحدودُ؛ روى ابن جريرٍ في “تفسيرِهِ”؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ أبي جعفرِ، عن أبيهِ، عن الربيعِ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾؛ قال: إلى أَجَلٍ10.
الحبسُ إلى أجلٍ معلوم
والأصلُ في السجنِ والنفيِ: منع وقوعِهِ بلا حدٍّ، وضبطُ مدةٍ يَعرِفُ الجاني أَقْصاها، ويعرِفُ ورثتُهُ وزوجُهُ ومَن له حقٌّ عليه مِن أهلِ العقودِ والمنافعِ ذلك، ويجوزُ حبسُ مَن لا يَندفعُ شرُّهُ إلا بنفيِهِ وسَجْنِه؛ كمَن
يتوعَّدُ بقتلٍ لغيرِهِ، والزنديقِ ليتوبَ؛ فاللهُ جعَلَ بقاء الإنسانِ في الدُّنيا إلى حينٍ، والدنيا منفاهُ وسجنُه؛ ففي “صحيحِ مسلم” عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: “الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ”.11
وجعَلَ اللهُ أمَدَهُ إلى حدٍّ وعُمْرٍ كتَبَهُ له في الحياةِ لا يستقدِمُ عنه ساعةً ولا يستأخِرُ، وجعَلَ له أمدًا يعرِفُ علاماتِ نهايتِهِ غالبًا بالكِبَرِ والمشيبِ والمرضِ، ويعرِفُ زمنَهُ بالتقريبِ؛ ففي “السننِ”، عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: “عُمْرُ أُمَّتِي مِنْ سِتِّينَ سَنَةً إِلَى سَبْعِينَ سَنَةً”12.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عبد العزيز الطريفي، التفسير والبيان لأحكام القرآن، دار المنهاج للنشر والتوزيع، الرياض، ط1، (1/39) وما بعدها.
1 الفروع (١٠/ ١١٥)، والإنصاف (١٠/ ٢٤٩).
2 الحاوي (١٣/ ٤٢٥).
3 المصدر السابق.
4 المحلى (٢/ ٩٩).
5 أخرجه عبد الرزاق (١٨٥٤٤) (١٠/ ١٠٨).
6 أخرجه عبد الرزاق (١٨٥٤٦) (١٠/ ١٠٩).
7 الأم (٦/ ١٥٧).
8 مجموع الفتاوى (٣٥/ ٣٩٨).
9 تفسير الطبري (١/ ٥٧٨).
10 تفسير الطبري (١/ ٥٧٨).
11 أخرجه مسلم (٢٩٥٦) (٤/ ٢٣٧٢).
12 أخرجه الترمذي (٢٣٣١) (٤/ ٥٦٦)، وابن ماجه (٤٢٣٦) (٢/ ١٤١٥).





