
الاحتلال يضيّق الخناق على التعليم بالقدس
سبتمبر 9, 2026
فاصدع بما تُؤمر فإِنَّ الآجال والأرزاق بيد الله وحده
سبتمبر 9, 2026بقلم: أ.د قيس عبد العزيز الدوري – أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية
بمناسبة مولد النبي ﷺ، وتجدد نفحات الشوق في قلوب المؤمنين، يقف اللسان عاجزًا عن استيفاء حق هذا النبي الكريم والرسول العظيم. وإن أصدق ما يتحدث به المرء عن محبة المصطفى ﷺ، هو ما ورد في سنته الشريفة وأحاديثه المطهرة، التي تعكس اصطفاءه، وكمال رحمته، وواجب الأمة ونبض الكائنات في محبته.
وهنا، نسكب الحبر من مشكاة النبوة لنتكلم عن محبته عليه الصلاة والسلام، وكأننا نستعرض من سيرة حياته وشريف حديثه ما يُحيي القلوب ويُجلّي الفؤاد.
أولاً: اصطفاء النبي ﷺ وعظيم منزلته
إن المحبة الصادقة تبدأ من معرفة قدر المحبوب ومكانته عند رب العالمين. فقد اختص الله نبيه بخصائص لم يُعطها أحدًا من الخالقين؛ فهو المحمود في الأرض والسماء، كما قال ﷺ: “إِنَّ لِي أَسْمَاءً: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ، وَأَنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ أَحَدٌ”.
ولم يقتصر الاصطفاء على أسمائه الشريفة، بل كان ﷺ خيارًا من خيار في نسبه الشريف؛ حيث قال: “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ”. وهو السيد المطاع يوم القيامة صاحب الشفاعة العظمى، إذ يقول: “أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ -آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ- إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ”.
ولقد أمرنا أن نسأل الله له “الوسيلة”، وهي المنزلة العالية في الجنة التي لا تنبغي إلا لعبد واحد، ورجا أن يكون هو ذلك العبد، فمن سأل له الوسيلة حلت له شفاعته.
ثانياً: كمال الرحمة المهداة للعلَمين
إن من أعظم دواعي حبه ﷺ والتعلّق به، هو ما أفاضه الله على قلبه الشريف من الرحمة والحنان بأمته. ولقد ضرب ﷺ أروع الأمثال في حرصه على حرص الناس ونجاتهم، فقال: “إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ وَأَنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيهَا”.
ومن كمال رحمته أنه أدّخر دعوته المستجابة لتبُثّ الشفاعة والأمان لأمته يوم القارعة؛ فقال: “لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ”. بل إن شوقه ﷺ تجاوز أصحابه الذين عاصروه إلى من يأتون بعده ممن آمنوا به ولم يروه؛ حيث أتى المقبرة يوماً فقال: “وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا”، ولما سأله الصحابة أو لسنا إخوانك؟ قال: “أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ”، ووصفهم بأنهم يوردون عليه الحوض “غُرّاً مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ”.
ولا ننسى الموقف العظيم حين تلا قول الله في إبراهيم وعيسى عليهما السلام، ثم رفع يديه وبكى قائلاً: “اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي”، فأرسل الله إليه جبريل يُبشره: “إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوؤُكَ”.
ولم تقتصر رحمته على الإنس بل شملت كل ذي روح؛ فقد بُعث رحمة ولم يُبعث لعاناً، وكان لا يضرب شيئاً بيده قط إلا أن يجاهد في سبيل الله. وكان من خُلُقه ولينه أن خدمه أنس بن مالك عشر سنين فما قال له “أُفٍّ” قط، وحين دخل على غلام يهودي مريض ودعاه إلى الإسلام فأسلم، خرج وهو يقول: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ”. وكان إذا قام في الصلاة فسمع بكاء الصبيّ تخفّف فيها كراهية أن يشقّ على أمه. وحينما عاد من إحدى غزواته فرأى طائراً يُرفرف لآخذِ بيضته، قال حانياً: “أَيُّكُمْ فَجَعَ هَذِهِ بِبَيْضَتِهَا؟ ارْدُدُوا بَيْضَتَهَا إِلَيْهَا رَحْمَةً لَهَا”.
وحين أتاه ملك الجبال يوم أُحد والأعقب ليأمره بما شاء في قومه إن شاء أن يُطبق عليهم الأخشبين، قال بقلبه الرحيم المفعم بالرتب السامية: “بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا”.
وحتى مع غير المسلمين، لما مرّت به جنازة يهودي فقام لها وقيل له إنها جنازة يهودي، قال بعاطفة الإنسانية النبيلة: “أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟”
ثالثاً: فضل المحبة وحلاوة الإيمان
إن محبة النبي ﷺ ليست عاطفة مجردة، بل هي أصل من أصول الإيمان وسبب للذوق الإيماني الصحيح. قال ﷺ: “ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا”. وقرن ﷺ كمال الإيمان بتقديمه على كل محبوب دنيوي فقال: “لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ”.
وحين قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي”، أخذ بيد عمر وقال: “لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ”، فلما راجع عمر نفسه وقال: “فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي”، قال له النبي ﷺ: “الْآنَ يَا عُمَرُ” أي الآن اكتمل إيمانك.
ومن أجمل البشريات في حب النبي ﷺ ما جاء عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي عن الساعة: متى الساعة؟ قال: “وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟”، قال: لا شيء، إلا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فقال ﷺ: “أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ”. قال أنس: “فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ﷺ: أنت مع من أحببت”. بل إن هذا الحب يغفر السيئات ويمحو الذنوب، فقد أُتي برجل يُدعى عبد الله كان يُضحك النبي وكان يُجلد في الشراب، فلما لُعن عند النبي قال ﷺ: “لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ”.
رابعاً: كيف نحبه ﷺ؟
تقتضي المحبة الصادقة أن ننزله ﷺ المنزلة التي أنزله الله إياها دون غلو ولا تفريط؛ فقد قال ﷺ مخبراً عن التوازن في إجلاله: “لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ”. وحين قال له رجل: “ما شاء الله وشئت”، قال له محذراً: “أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ”.
ومن محبته أيضاً محبة أهل بيته الأطهار والتزام وصيته فيهم؛ حيث قال: “أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَحِبُّونِي لِحُبِّ اللَّهِ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي”.
ومن أظهر علامات الحب وأجلّها الإكثار من الصلاة والسلام عليه. فقد جاءه الملك يوماً فبشّره قائلًا: “مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا”، وقال ﷺ: “مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ”. وحين قال له أُبيّ بن كعب: “أجعل لك صلاتي كلها؟” قال ﷺ: “إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ”. ولعظم حق الصلاة عليه، عدّ البخيل من ذُكر عنده النبي فلم يُصلّ عليه، وقال جبريل ودعا النبي أميناً: “رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ”.
ورغّبنا ﷺ في كثرة الصلاة عليه في يوم الجمعة خاصة؛ لأن صلاتنا معروضة عليه، وشرح لنا كيفية الصلاة الإبراهيمية قائلًا: “اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ”.
خامساً: حنين الكائنات وجمادات الأرض لرسول الله
إذا كان الإنس يتنافسون في محبته، فإن الجمادات والحيوانات قد سُخرت لتعلن حبها وشوقها لرسول الله ﷺ!
فقد كان ﷺ يخطب إلى جذع نخلة، فلما صُنع له المنبر وصعد عليه يوم الجمعة، “صَاحَتِ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَضَمَّهَا إِلَيْهِ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّنُ، وَقَالَ: كَانَتْ تَبْكِي عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَهَا”.
ولم يكن الجذع وحده، بل الحجر في مكة كان يسلّم عليه قبل بعثته الشريفة، حيث قال: “إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ”. وكان جبل أُحد يهتز محبة له؛ فقال فيه ﷺ: “هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ”. بل حتى الإبل كانت تتقرب إليه وتتسابق لتُحرّك أجسادها بين يديه ليضحّي بها في يوم النحر شفقة وشوقاً للقرب منه.
ختاماً: معالم الشوق والوفاء
إن الذكرى المعطرة بمولده ﷺ هي محطة لتجديد العهد مع سنته، واستلهام معاني الشوق إلى رؤيته.
ولقد أخبرنا ﷺ عن محبة أجيالٍ تأتي من بعده تدفع الأهل والمال لقاء رؤيته ثانية واحدة، فقال: “مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ”.
فنسأل الله عز وجل أن يرزقنا صدق الاتباع، وكمال المحبة، وأن يعيننا على أنفسنا بكثرة السجود لمرافقته ﷺ في الجنة؛ فإنه القائل لربيعة بن كعب لما طلب مرافقته: “فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ”.
وصلّى الله وسلّم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.





