
من مذكرات أسير سابق
سبتمبر 6, 2026
مؤيد شقيرات – كاتب فلسطيني
الحمد لله الملك الحقّ، العزيز الحكيم، الذي أمر بالعدل والإحسان، وبعث الرسل لإقامة ميزان الحق في الدنيا، والصلاة والسلام على قائدنا وقدوتنا للأبد سيدنا محمد ﷺ، إمام الهدى وقائد الغرّ المحجّلين، الذي صدع بالحق ولم يخشَ في الله لومة لائم، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين، أما بعد:
إن من أعظم الواجبات التي نيطت بهذه الأمة، وأُخذ عليها الميثاق بها، هي كلمة الحق، والصدع بها في وجوه الظالمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فالسكوت عن الحق ضعفٌ في الدين، ومداهنةٌ تفتح أبواب الفتن على المجتمعات؛ بل إن كلمة الحق هي النور الذي يتبدد به ظلام الباطل، وهي الأمان الذي يحمي سفينة الأمة من الغرق.
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شعائر الإسلام العظام وخصال المؤمنين؛ قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71]. وقد رسم لنا رسول الله ﷺ مراتب تغيير المنكر ووجوب المبادرة إليه فقال: “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ”1، وعن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلْتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى أَيْدِي الْمُسِيءِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ وَيَلْعَنُكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ”2. فالسكوت على منكرات الظالمين وعلى رأسها الأنظمة الجبرية التي تحكمنا بغير ما أنزل الله عز وجل في أيامنا هذه موجب لغضب الله تعالى، ومنذر بالعقاب العام والهلاك في الدنيا والآخرة.
حذارِ أن يصيبنا ما أصاب بني إسرائيل حين تركوا التناهي عن المنكرات وحماية أصل الحق فحقّت عليهم اللعنة، كما قال الله عز وجل: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 79]. فإن التغاضي على سبيل المثال لا الحصر عن جريمة الاختطاف السياسي وحبس العلماء والدعاة من قبل وكلاء بني صهيون يجرّ العذاب على الأمة كلها صنيع الساكتين؛ فقد حذرنا المصطفى ﷺ من هذا المآل فقال: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ، حَتَّى يَرَوْا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ، فَلَا يُنْكِرُوهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ الْعَامَّةَ وَالْخَاصَّةَ”3. إن هذه الأنظمة وأدواتها تستهدف أحرار الأمة والدعاة الصادقين لتقيد كلمة الحق وتخمد جذوة الغيرة، لتستهدف بيوتنا وأبناءنا ونساءنا لتنزع عنهم لباس التقوى والعزة، فإن تركتموها تفعل ما تشاء دمرت بيوتنا وأهلكت مجتمعاتنا، فخذوا على أيدي الظالمين، واصدعوا بالحق لوقف كل الجرائم، وأنكروا عليهم جرائمهم تفوزوا في الدنيا والآخرة.
ولكن، لِمَ يتردد المترددون؟ ولِمَ يصمت لسان البعض قول الحق؟ إن الخوف على فوات رزق، أو اقتراب أجل، أو السجن، أو هيبة بطش الظلمة، هو الحائل الأكبر الذي يزرعه الشيطان في نفوس البشر ليثبطهم؛ وقد قطع النبي ﷺ هذا العذر وزجر عن الخوف من الناس فقال: “أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ”4. وهنا يأتي دور الإيمان الراسخ والعقيدة الصافية لتزلزل هذه الأوهام؛ إذ إن وجوب الصدع بالحق ونصرة المظلوم ينطلق من عقيدة مرصوصة قوامها: أن الصدع بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لن ينقص من أعمارنا يوماً واحداً، ولن يمنع عنّا رزقاً كُتب لنا، وفي المقابل فإن السكوت والمداهنة والقعود عن قول الحق والجبن عن نصرة إخواننا المستضعفين لن يزيد في أعمارنا لحظة، ولن يسوق إلينا رزقاً لم يقدره الله لنا.
أليس الله عز وجل هو القائل في محكم تنزيله مخبراً عباده بالتوكل عليه: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51]، وقول رسول الله ﷺ: “أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ”5. فإذا كان كل ما يصيبنا قد كُتب لنا وجرى به القلم، فعلامَ الخوف؟ وهو ما يؤكده الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه بقوله: “اعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقربان أجلاً، ولا يقطعان رزقاً، وإن الجهاد لا يقرب أجلاً ولا يقطع رزقاً، ولكن يضاعف الله به الحسنات”.
ولقد ربى النبي ﷺ أصحابه على هذه العزة واليقين، وغرس في نفوسهم أن الضر والنفع بيد الله وحده، فقال لابن عباس رضي الله عنهما في وصية جامعة تكتب بماء الذهب: “وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ”6.
فإذا علم المؤمن أن الإنس والجن والسجانين والظلمة لو تضافروا بكل قوتهم وعتادهم ومكرهم ليخمدوا كلمة حق خرجت من ثغره أو ينالوا من إيمانه بالاعتقال أو القتل، فلن يصلوا إليه إلا بما قسّمه رب العزة؛ لاستيقظ من غفلته وصدع بالحق رافع الرأس، غير مبالٍ ببطش ظالم ولا بقيد السجون والتضييق، مدفوعاً بيقينه بملكوت السماوات والأرض، تماماً كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقربان من أجل، ولا ينقصان من رزق، لكن يضاعفان الثواب ويعظمان الأجر، وأفضل منهما كلمة عدلٍ عند إمام جائر”.
واعلموا جيداً إن الساعي لرضا الناس على حساب دين الحق يقع في خسران مبين؛ فالناس متقلبون، ورضاهم غاية لا تُدرك، أما رضا الله فهو الغاية التي لا تُترك، وقد حذرنا النبي ﷺ من مداهنة الخلق على حساب الحق فقال: “مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ”7.
فضعوا نُصب أعينكم أن إرضاء الناس غاية لا تُدرَك وإرضاء الله غاية لا تُتَرك، فأدركوا ما لا يُترَك، واتركوا ما لا يُدرَك؛ فمن نطق بالحق ابتغاء وجه الله جعل الله له القبول وإن رغمت أنوف، ومن سكت خوفاً من الناس سخط الله عليه وخذله ووكله إلى أولئك الناس فلم ينفعوه. وهنا تتجلى مواقف أئمة الأمة في الذود عن دين الله وتحمل التضييق والسجن، كالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله حين أُوذِيَ وسُجِنَ في فتنة خلق القرآن وقيل له: ألا تداري؟ ألا تتأول؟ فقال بلسان اليقين: “إذا أجاب العالِم تقية، والجاهل يجهل، فمتى يتبين الحق؟ إن السكوت عند حدوث اللبس خيانة للدين”.
فيا أنصار النبي ﷺ، أيها الصادعون بالحق: تذكروا مقعد العز ونياشين الشرف التي علقها المصطفى على صدور الأوفياء لكلمة الحق؛ حيث جعل قول الحق من أعلى مراتب الدين، بل جعل صاحبها مرافقاً لسيد الشهداء في الجنة؛ فقال ﷺ: “أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ”8، وقال أيضاً: “سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ، فَقَتَلَهُ”9. نعم إنها الكلمة التي قامت بها السماوات والأرض، التي تفك الأغلال وتميز الصفوف، وتنقذ البلاد والعباد، وترفع الدرجات؛ ولذا كان القادة والسلاطين العظام يدركون هذه الحقيقة، كالسلطان العادل نور الدين زنكي رحمه الله حين قال: “نحن جند الله، وإنما نُنصر بطاعتنا لله وقيامنا بالحق، فإذا تركنا الحق وصفحنا عن الباطل خُذلنا، ولا عز لنا إلا بنصرة الدين والصدع به”.
فثِقوا بالله القوي العزيز، واعتصموا بحبل الله المتين، وإن أهل العقيدة سيبقون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويصرخون في وجه الظلم لنصرة إخوانهم الأسرى في سجون بني صهيون وفي سجون وكلائهم، ويستنصرون الأمة الإسلامية لإقامة دين الله في الأرض وتحرير الأسرى والمقدسات، وقد عاهدوا الله تعالى على الحراسة الأمينة للإسلام. ولن ترهبهم جرائم المجرمين، وإن استهدفتهم الأنظمة المجرمة في العالم كله بالقتل والسجن والتضييق والملاحقة، فاصبروا واحتسبوا طاعة لله ورسوله وتأسياً بمنهاج النبوة، ولن تزيد الظالمين إجراءاتُهم ولا قيدُ السجون إلا خسراناً، ولن تزيد الدعوة وأهلها أمام الملاحقة إلا إيماناً وتثبيتاً وقوة وانتشاراً؛ يرددون بلسان الشموخ والصمود:
تَاللَّهِ مَا الدَّعَوَاتُ تُهْزَمُ بِالأَذَى … أَبَدًا وَفِي التَّارِيخِ بَرَّ يَمِينِي
ضَعْ فِي يَدَيَّ القَيْدَ أَلْهِبْ أَضْلُعِي … بِالسَّوْطِ ضَعْ عُنُقِي عَلَى السِّكِّينِ
لَنْ تَسْتَطِيعَ حِصَارَ فِكْرِيَ سَاعَةً … أَوْ نَزْعَ إِيمَانِي وَنُورَ يَقِينِي
فَالنُّورُ فِي قَلْبِي وَقَلْبِي فِي يَدَيْ … رَبِّي وَرَبِّي نَاصِرِي وَمُعِينِي
سَأَعِيشُ مُعْتَصِمًا بِحَبْلِ عَقِيدَتِي … وَأَمُوتُ مُبْتَسِمًا لِيَحْيَى دِينِي
بناءً على ذلك، يا أنصار الحبيب ﷺ: ارفعوا بالحق أصواتكم، وعيشوا بالحق حياتكم، ولا تهابوا في الله أحداً؛ فربكم حي لا يموت، ورزقكم في السماء مكفول، وآجالكم مضروبة لا تتقدم ساعة ولا تستأخر. واعلموا جيداً أن أعظم معروف يمكن أن نأمر به في أيامنا هذه هو وجوب استئناف الحياة الإسلامية والحكم بما أنزل الله، وجعل القرآن الكريم دستور حياتنا، بإعادة إقامة دولة الإسلام التي أرسى بنيانها رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه، وأن أعظم منكر لا بد أن ننهى عنه ونعمل على تغييره هو التغاضي عن استمرار الحكم الجبري والأحكام الوضعية التي أورثت الأمة الذل والهوان وضياع المقدسات والأسرى.
فاعملوا يا شباب الإسلام واصدعوا بالحق لتحقيق وعد الله وبشرى رسوله بخلافة راشدة على منهاج النبوة تُحرر الأرض المقدسة وتُفك الأسرى، وتذيق أمريكا وبني صهيون وأولياءهم ذلاً وصغاراً بما كانوا يفسدون؛ عن تميم الداري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ”10. وتذكروا قوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47].
فاصدعوا بالحق، وأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، وطالبوا بفك أسر إخوانكم، ولا يمنعنكم سجنٌ ولا تضييق ولا اختطاف؛ لعلنا نكون ممن نصروا نبينا ﷺ وأسرانا وامتثلوا أمره، ونلنا شفاعته وصحبته في جنات النعيم، والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- رواه مسلم.
- رواه الطبراني.
- رواه أحمد.
- رواه الترمذي.
- أخرجه الترمذي
- أخرجه الترمذي.
- أخرجه ابن حبان.
- رواه أبو داود والترمذي.
- رواه الحاكم.
- رواه أحمد بسند صحيح.





