
موقعة ملاذكرد
أغسطس 14, 2026
هنري لورنس
المؤرخ الفرنسي الشهير*
في هذا السياق المتوتّر توترًا خاصًا تقع كارثة حقيقية. فمنذ بداية الاحتلال، يشتبه المسلمون بأن الإسرائيليين يريدون الاستيلاء على ساحة المساجد وهدم الأماكن المقدسة الإسلامية، خاصة المسجد الأقصى، والحال أن هدم حي المغاربة ثم أعمال التنقيب الأركيولوجية قرب الساحة قد عززت هذا الاعتقاد.
وفي صباح 21 أغسطس/ آب 1969، يشب حريق في المسجد الأقصى. والأضرار جسيمة، وبعضها لا يمكن إصلاحه، كدمار المنبر الذي يرجع إلى ثمانية قرون خلت. ويتهم المسلمون الإسرائيليين على الفور بتدبير الحريق. ويتم قمع تظاهرات شعبية دون سقوط قتلى. وتتحدث السلطات الإسرائيلية في البداية عن حريق غير مُدَبَّر، ثم تلقي القبض في 23 أغسطس/ آب على شاب أسترالي، هو مايكل دينيس ويليام روهان، عضو شيعة مسيحية إنجيلية. وهو يعترف بما جرى. ويقول إنه قد تلقى تكليفا من الله بتدمير المساجد حتى تتسنى إعادة بناء الهيكل اليهودي.
فيجري على وجه السرعة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم عربيين إسرائيليين (أحدهما مسلم والآخر مسيحي) سعيا إلى تهدئة الخواطر وتجنب تحقيق دولي. وتُبرز السلطات الإسرائيلية ضعف الإشراف من جانب الأوقاف (المؤسسة المكلفة بـإدارة الساحة) على دخول الزوار. ويرد المسلمون بأنه خلال سبعمائة وخمسين سنة من الوجود المتصل لسيادة إسلامية (منذ صلاح الدين)، لم يقع أي حادث من هذا النوع، بينما وقع في سنتين من الاحتلال الإسرائيلي..
والحال أن تقرير لجنة تقصي الحقائق، المنشور في مستهل شهر أكتوبر/ تشرين الأول، إنما يشدّد على وجوه الإهمال من جانب إدارة الأوقاف، لعدم قدرته على تناول بقية عناصر الملف بسبب التحرك القضائي الجاري. وتسارع الأوساط العربية في القدس إلى رفض التقرير. ولجنتها المستقلة الخاصة لا تصل إلى المصادر القضائية. فتتمسك بالشجب الموثّق للمخططات اليهودية التي تستهدف ساحة المساجد وتطالب بوقف أعمال التنقيب الأركيولوجية التي تعتبرها بداية سيطرة على الساحة المقدّسة. وخلال محاكمة ويليام روهان في أكتوبر/ تشرين الأول يدفع محاموه بعدم مسؤوليته عن تصرفاته، فلا يُعَدُّ مذنباً.
والسخط عام في كل العالم الإسلامي.. وسوريا وحدها هي التي لا تنظم احتجاجات جماعية، في مرحلة أولى على الأقل.. فالحكومة ترفض أي إحالة دينية وتتمسك بالدفاع عن التراث العربي. ويدعو أنصار عقد قمة عربية إلى انعقادها فورًا. وبسبب الحرج، يستعيد الملك فيصل مشروعه القديم بعقد قمة إسلامية ويدعو كل المسلمين إلى الجهاد لأن جميع السبل السلمية قد فشلت. وتجتمع جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في القاهرة وتوافق على مبدأ عقد قمة إسلامية. ثم يدعو عبد الناصر إلى عقد قمة مصغرة في الأول من سبتمبر/ أيلول مع قادة الأردن وسوريا ونائب الرئيس العراقي، ثم ينضم إليهم الرئيس السوداني. وهم لا يحرزون تقدمًا بالفعل في إقامة جبهة شرقية حقيقية.
وينعقد في الوقت نفسه المجلس الوطني الفلسطيني السادس، الذي يتبنى كبرنامج إنشاء دولة ديموقراطية تستبعد أي فصل ديني. وهو يرفض أي وصاية لبلد عربي على أعمال المقاومة، أي يرفض رغبة لبنان ممارسة سيطرة على الفدائيين.
وبقيادة باكستان، يتقدم سبعة وعشرون بلدًا إسلاميًا بشكوى جماعية إلى مجلس الأمن على أثر حريق الأقصى. وبعد المناقشات المعتادة، تسفر الشكوى عن صدور القرار رقم 271، في 15 سبتمبر/ أيلول 1969، بأغلبية 11 صوتًا في مقابل امتناع أربع دول عن التصويت (الولايات المتحدة، كولومبيا، فنلندا، باراجواي). ودون الحديث عن قضية الحريق، يذكرُ القرار بعدم جواز الاستحواذ على أراضٍ عن طريق القوة كما يذكرُ بضرورة تطبيق اتفاقيات (جنيف) في القدس.
وتكافح الملكياتُ العربية بنشاط من أجل عقد القمة الإسلامية. وفي نهاية المطاف، يرضخ عبد الناصر، ويتحدد موعد الاجتماع بالثاني والعشرين من سبتمبر/ أيلول في الرباط. ولأسباب صحية، فإن عبد الناصر، الذي كان من المقرر أن يذهب إلى الاتحاد السوفييتي، يمتنع عن الذهاب إلى هذا البلد كما إلى المغرب. وهذا الغياب المزدوج إنما يُنظر إليه بوصفه مرضًا دبلوماسيًا في حين أنه مؤشرٌ أوّل على تفاقم حالته الصحية الراجع إلى مرض السُّكَّرِ والإجهاد. وينوب عنه أنور السادات في مؤتمر القمة.
ويحضر ممثلون لخمس وعشرين دولة مؤتمر الرباط. والبلدان العربية التقدمية في موقف دفاعي وتحرصُ على إعادة التأكيد على اختصاصات جامعة الدول العربية. وفي الوقت نفسه، تطالبُ تركيا وإيران وعدة بلدان أفريقية بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، وهي تفرض على جدول الأعمال مسألة القدس والمقاومة الفلسطينية، وينجح الحسن الثاني، عبر دبلوماسية نشطة، في تذويب التناحرات.
ويتألف الإعلان الختامي الصادر في 25 سبتمبر/ أيلول من ركنين. فيستند الركن الأول إلى قيم الإسلام ومبادئه ممزوجةً بميثاق منظمة الأمم المتحدة لكي يدعو إلى تعاون بين الدول الإسلامية. وتنبثق عن ذلك منظمة المؤتمر الإسلامي، ومصدر إلهامها سعودي إلى حد كبير، ويشجب الركن الثاني السياسة الإسرائيلية:
“إن رؤساء الدول والحكومات والممثلين يعلنون أن الخطر الذي يهدد المقامات الدينية الإسلامية بمدينة القدس، إنما هو ناتج عن احتلال القوات الإسرائيلية لهذه المدينة وأن المحافظة على الصبغة المقدَّسة لهذه الأماكن، وضمان حرية الوصول إليها والتنقل فيها تستلزم أن يسترجع القدس الشريف وضعه السابق قبل يونيو 1967م، والذي أكدته ألف وثلاثمائة سنة من التاريخ”.
وبناءً على ذلك فإنهم يعلنون أن حكوماتهم وشعوبهم عقدت العزم على رفض أي حل للقضية الفلسطينية لا يكفل لمدينة القدس وضعها السابق.
ويجري توجيه نداء إلى الدول العظمى للعمل على مراعاة مختلف القرارات الدولية المتعلقة بالقدس. وينتهي النص بالحديث عن المسألة الفلسطينية بشكل محدد:
“أمام هذا الوضع الخطير، فإن رؤساء الدول والحكومات والممثلين ليهيبون بإلحاح بجميع أعضاء الأسرة الدولية وخاصة الدول الكبرى التي تتحمل مسؤولية خاصة في الحفاظ على السلام الدولي، لكي تبذل المزيد من الجهود المشتركة والمنفردة لتحقيق الانسحاب السريع للقوات الإسرائيلية من كافة الأراضي التي احتلتها بعد حرب يونيو 1967م، وذلك تمشيًا مع المبدأ الذي يقضي بعدم شرعية اكتساب الأراضي عن طريق الغزو العسكري. ونظرًا لتأثرهم العميق بمأساة فلسطين فإنهم يقدمون مساندتهم التامة للشعب الفلسطيني لاسترجاع حقوقه المغتصبة ونضاله من أجل التحرر الوطني ويؤكدون تمسكهم بالسلم، بشرط أن يكون قائمًا على الشرف والعدل”.
وهذا النص المعتدل نسبيًا إنما يحيل إلى القانون الدولي بأكثر من إحالته إلى الجهاد. ولم يكن لمنظمة التحرير الفلسطينية غير وضعية مراقب، ومن هنا امتناع عرفات عن الحضور إلى الرباط. ولم تجرِ إشارة سافرة إلى المقاومة الفلسطينية لا كمبدأ ولا كمنظمة. وتدل الإشارة إلى وضعية القدس على رفض لأي مشروع للتدويل.
جولدا مئير في واشنطون
خلال الأيام نفسها، كانت أعمال العنف يوميةً على خطوط وقف إطلاق النار وفي الأراضي (جرى رصد ٢٥٣ حادثًا بين ٢٤ و٣١ أغسطس/ آب). وفي ليلة ٢٦ – ٢٧ أغسطس/ آب يشن الإسرائيليون غارة انتقامية على قاعدة عسكرية في إقليم أسيوط، في صعيد مصر. والأضرار خفيفة، لكن الهدف هو إشعار عبد الناصر بأن أرضه كلها عرضة للضرب. كما تُبرز العملية فشل التصعيد الهادف إلى التوصل إلى إنهاء التصعيد والذي نَظَّرَ له (بارليف). وهو ما تكشف عنه الإحصاءات الرسمية الإسرائيلية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* هنري لورنس، مسألة فلسطين، ترجمة: بشير السباعي، المجلد الرابع، الكتاب السابع، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، )، ص244 وما بعدها.





