
طرق الإسلام باب قلبي في محل عملي!
يوليو 24, 2026بقلم: دانيال كوفي – أحد المهتدين الجدد من دولة هايتي
اسمي دانيال كوفي، شاب من دولة هايتي، أبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا. لو أخبرني أحد قبل سنوات أنني سأصبح مسلمًا يومًا ما، لكنت ضحكت ساخرًا، وربما دخلت معه في جدال طويل لأثبت له استحالة ذلك.
لقد نشأت في أسرة مسيحية محافظة، وكنت أرى أن الدين الذي ولدت عليه هو الحقيقة التي لا تحتاج إلى بحث أو مراجعة. لم أكن مهتمًا كثيرًا بالأمور الدينية، فحياتي كانت تسير في اتجاه آخر تمامًا. كنت أعمل فنيًا لصيانة أجهزة الاتصالات في إحدى الشركات الخاصة، وأقضي معظم وقتي بين العمل والأصدقاء وخطيبتي –إليزا مانو- التي كنت أستعد للزواج منها بعد أشهر قليلة.
عرفتها منذ سنوات، وكبرت بيننا علاقة قوية حتى تقدمت لخطبتها بموافقة العائلتين. بدأنا نخطط لحياتنا القادمة، واخترنا بعض أثاث المنزل، وتحدثنا عن عدد الأطفال الذين نريدهم، وحتى عن المدرسة التي سيدرسون فيها مستقبلًا. كنت أعتقد أن حياتي أصبحت مرسومة بالكامل،لكن كل شيء انهار في مساء واحد!
في البداية بدأت ألاحظ تغيرًا في تصرفات إليزا. أصبحت أكثر هدوءًا، وأقل حديثًا عن ترتيبات الزواج. ظننت أنها متوترة بسبب الاستعدادات الكثيرة، لكن الأمر كان أعمق من ذلك بكثير!
في أحد الأيام طلبت مقابلتي على وجه السرعة. ذهبت وأنا أتوقع الحديث عن تفاصيل الزواج، جلست أمامي بصمت طويل، ثم قالت: “دانيال.. أريد أن أخبرك شيئًا مهمًا”.
شعرت بالقلق! وقلت: “ماذا حدث؟”
نظرت إلى الأرض للحظات ثم رفعت رأسها وقالت: “لقد أسلمت”.
لم أفهم في البداية! ظننت أنني سمعت خطأ!
قلت: “ماذا تقصدين؟”
قالت بهدوء: “أصبحت مسلمة منذ فترة”.
شعرت بصدمة قوية! لكن الصدمة الحقيقية لم تأتِ بعد!
ثم قالت بعدها مباشرة: “ولهذا لا أستطيع أن أتزوجك وأنت على دين آخر”.
تجمدت الكلمات في فمي! حدقت فيها غير مصدق، وسألتها: هل تمزحين؟ بالتأكيد تمزحين!
هزت رأسها بالنفي!
قلت بغضب: “بعد كل هذه السنوات؟”
قالت بصوت حزين: “الأمر ليس سهلًا عليّ أيضًا”.
لكنني لم أكن مستعدًا لسماع أي تبرير، وغادرت المكان وأنا أشعر أن شيئًا انكسر داخلي. لم أكن أرى الأمر مجرد فسخ خطوبة، كنت أرى أن الإسلام سرق مني الإنسانة التي أحببتها!
خلال الأسابيع التالية حاولت التواصل معها مرات عديدة، لكنها كانت حازمة ومحترمة في الوقت نفسه، ولم تهاجمني، ولم تسخر مني، ولم تحاول إقناعي بالإسلام، وكانت تكتفي بتكرار عبارة واحدة: “أسأل الله أن يهديك إلى الخير”. وكنت أكره سماع تلك الجملة.
بدأ الحزن يتحول إلى غضب، ثم تحول الغضب إلى رغبة في الانتقام!
كنت أقول لنفسي: “إذا كان الإسلام هو السبب فيما حدث، فسأفضح الإسلام أمام الجميع”.
وهكذا بدأت مرحلة لم أفتخر بها أبدًا بعد ذلك!
أنشأت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأت أكتب منشورات معادية للإسلام.
كنت أكرر ما أسمعه من شائعات دون تحقق، وأعيد نشر مقاطع مجتزأة ومعلومات غير دقيقة، وملفقة أيضاً، وكلما كتبت منشورًا غاضبًا شعرت براحة مؤقتة، لكنها كانت راحة زائفة!
في الحقيقة لم أكن أهاجم الإسلام بقدر ما كنت أهاجم جُرحي وألمي الشخصي.
وفي أحد الأيام كتب لي أحد المتابعين تعليقًا غيّر مجرى حياتي!
كتب يقول: “إذا كنت واثقًا من أخطاء الإسلام فلماذا لا تناظر وتناقش المسلمين مباشرة؟”
أزعجني التعليق، لكنني قررت أن أفعل ذلك.
بدأت أبحث عن صفحات ومواقع إسلامية لأدخل معها في نقاشات. كنت أظن أنني سأهزمهم بسهولة، لكن المفاجأة أن كثيرًا من الأسئلة التي طرحتها كانت تجد إجابات لم أكن أتوقعها!
في البداية تجاهلت الأمر، ثم بدأت أبحث أكثر.. ثم أكثر. كنت أقرأ لأجادل، لكنني وجدت نفسي أقرأ لأفهم. وذات ليلة ظهرت أمامي منشورات لصفحة تحمل اسم “BASIRAH”.
لفت انتباهي منشور يتحدث عن قصة شخص دخل في حوار مع المشروع وهو يحمل أفكارًا متضاربة عن الإسلام.. ثم أسلم في النهاية!
ابتسمت بسخرية، وقلت في نفسي: “سأثبت لهم أنهم مخطئون”. أرسلت رسالة، كتبت فيها: “أريد أن أسألكم عدة أسئلة عن الإسلام”. جاء الرد سريعًا.. رحب بي المحاور بكل لطف، وأخبرني أنني أستطيع طرح أي سؤال دون قيود. بدأت بأسئلة هجومية نوعاً ما، ثم انتقلت إلى الاعتراضات التي كنت أنشرها على الإنترنت، وكنت أتوقع ردودًا انفعالية غاضبة من المحاور، لكن ذلك لم يحدث! كان المحاور يجيب بهدوء ورصانة، وكلما قدم إجابة طلب مني أن أراجع المصادر بنفسي وأتأكد.. استمر الحوار على مدار عدة أيام، كنت أعود من عملي لأكمل النقاش مع المحاور، وأحيانًا أبقى حتى منتصف الليل أقرأ المواد التي يرسلها لي، وخلال تلك الفترة اكتشفت شيئًا مهمًا؛معظم ما كنت أنشره ضد الإسلام لم يكن قائمًا على معرفة حقيقية. بل على مقاطع مبتورة وشائعات متداولة.. أزعجني هذا الاكتشاف لأنني بدأت أشعر أنني كنت أهاجم شيئًا لا أعرفه أصلًا!
في إحدى الليالي سألني المحاور سؤالًا بسيطًا فقال: “دانيال، هل بحثت يومًا عن الإسلام بحثًا محايدًا؟” فكرت طويلًا.. ثم أجبت: “لا”.
قال: “إذن كيف حكمت عليه؟”
لم أجد جوابًا! لأول مرة شعرت أن المشكلة لم تكن في الإسلام، بل في الطريقة التي كنت أنظر بها إليه!
مرت الأيام، وكل يوم كانت تتغير قناعاتي شيئًا فشيئًا،بدأت أقرأ عن الله وصفاته ووحدانيته، وتأملت فكرة أن يكون الخالق واحدًا تدعوه دون وسيط بينكما! وقرأت قصص الأنبياء في القرآن، وفي سيرة النبي محمد ﷺ. ووجدت نفسي أمام صورة مختلفة تمامًا عما كنت أتصور، وفي الوقت نفسه كنت أراقب نفسي. كنت أدرك أن جزءًا من غضبي القديم كان مرتبطًا بخطيبتي إليزا.. لكن شيئًا جديدًا بدأ يتشكل داخلي، لقد أصبحت أبحث عن الحقيقة لذاتها. لا لأجل خطيبتي، ولا لأجل الزواج منها، ولا لأجل إثبات شيء لأحد!
وفي إحدى الليالي حدث أمر لم أنسَه أبدًا؛ كنت أراجع حوارًا قديمًا بيني وبين المحاور، ثم توقفت عند سؤال كتبته له في بداية النقاش؛كان سؤالًا مليئًا بالغضب والسخرية! قرأت السؤال، ثم قرأت إجابته الهادئة، وأدركت فجأة حجم التغيير الذي حدث داخلي! لم أعد ذلك الشخص نفسه! أغلقت الهاتف، وجلست وحدي في غرفتي.. بدأت أراجع رحلتي منذ فسخ الخطوبة.. وقلت لنفسي: لو لم يحدث ذلك لما فكرت أصلًا في معرفة الإسلام، ولو لم أغضب لما دخلت تلك النقاشات، ولو لم أبحث لما وصلت إلى ما وصلت إليه الآن!
في تلك اللحظة شعرت أن الصورة أصبحت أكثر وضوحًا. فتحت الهاتف مجددًا، وأرسلت للمحاور رسالة قصيرة، قلت له: “أعتقد أنني وصلت إلى قناعة، أن الإسلام هو الحق”. استمرت بيننا مناقشة طويلة تلك الليلة حيث تأكد المحاور خلالها من أن قراري نابع من اقتناع حقيقي.. ثم قال لي: ” إذا كنت مؤمنًا بذلك حقًا، فعجّل بالخير”.
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، وكان المنزل هادئًا تمامًا. شعرت بخفقان شديد في قلبي.. ثم نطقت بالشهادتين: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن عيسى عبد الله ورسوله”.
وأنا أردد الكلمات شعرت وكأن سنوات من الصراع والغضب والضياع بدأت تتساقط عن كتفي! وساد صمت قصير.. ثم راحة نفسية لم أعهدها طيلة حياتي!
أخبرني المحاور أنني أصبحت مسلمًا، وبارك لي هذه الخطوة، وبقيت مستيقظًا حتى الفجر أفكر فيما حدث! لم أستطع النوم.. لكنني لم أشعر بالتعب.. كنت أشعر بسكينة وهدوء يملأ قلبي.
بدأت بعدها رحلة جديدة لتعلُّم الإسلام والصلاة وقراءة القرآن، وأمور العقيدة مع مشروع بصيرة، تحديداً في قسم التعليم.
وكانت الأيام تمضي بسرعة، ومع مرور الوقت اختفى ذلك الغضب القديم الذي كان يسكنني، بل بدأت أشعر بالامتنان لما حدث.
بعد عدة أشهر دُعيت إلى مناسبة اجتماعية كبيرة أقيمت في مدينتنا، حضرت مع بعض الأصدقاء، وأثناء تجولي بين الحضور رأيتها.. نعم إنها خطيبتي السابقة “إليزا”. لم أرَها منذ فترة طويلة، كانت تتحدث مع مجموعة من النساء، ثم التفتت فجأة نحوي.. تلاقت أعيننا، وبدا عليها الذهول.. اقتربت مني بخطوات مترددة، وقالت: “دانيال؟”
ابتسمت، وقلت لها: “نعم أنا هوّ!”.
ثم سألتني:”سمعت أخبارًا.. هل هي صحيحة؟”
عرفت ما تقصده.. فأجبت: “إذا كنت تقصدين إسلامي.. فنعم!”.
وضعت يدها على فمها من شدة المفاجأة! ثم امتلأت عيناها بالدموع، وقالت: “الحمد لله.. الحمد لله الذي هداك إلى الحق”.
لم يكن في صوتها انتصار، ولا شماتة. بل فرح وسعادة صادقة.
تحدثنا طويلًا في ذلك اليوم، وأخبرتها أنني لم أسلم من أجلها؛ بل لأنني اقتنعت بالإسلام بعد رحلة طويلة من البحث.. فابتسمت وقالت: “هذا ما كنت أدعو الله أن يحدث”.
وقبل أن نفترق في تلك الليلة، قالت لي: “أسأل الله أن يثبتك”.
كانت تلك الجملة نفسها التي كنت أكره سماعها يومًا، أما الآن فقد أصبحت أحبها كثيرًا.
بعد ذلك عادت العائلتان للتواصل، وبدأت لقاءات جديدة في أجواء مختلفة تمامًا. هذه المرة لم يكن بيننا حاجز ديني، ولم يكن بيننا غضب أو خصومة. بل كانت هناك رؤية مشتركة للحياة.
وبعد فترة اتفقنا على إتمام زواجنا. لكن أكثر ما أسعدني لم يكن اقتراب موعد الزواج، بل الحقيقة التي اكتشفتها في تلك الرحلة!
لقد بدأت قصتي وأنا أظن أن الإسلام أخذ مني أغلى إنسانة في حياتي، وانتهت باكتشافي أن الله أراد أن يقودني إلى الهداية من الباب نفسه الذي ظننته باب خسارة! لقد حاولت يومًا أن أهاجم الإسلام، ثم قادني البحث الصادق إلى معرفته، وحاولت أن أجد فيه سبب تعاستي، فاكتشفت فيه طريق سعادتي!
وما زلت كلما تذكرت تلك الأيام أحمد الله على أنه لم يتركني أسيرًا لغضبي، بل ساقني إلى الحقيقة خطوة بعد خطوة، حتى وصلت إليها في الليلة التي نطقت فيها الشهادتين التى غيّرت حياتي إلى الأبد: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله”.
والحمد لله رب العالمين.





