
بيان تعزية في وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني
يوليو 12, 2026
من مقال: جهود صلاح الدين في تجديد الجهاد
يوليو 13, 2026
بقلم: القائد القسامي عبد الله البرغوثي فك الله أسره*
بعد أعوام على مطاردتي مع زوجتي وابنتي تالا وابني أسامة، قدّر الله أن تحمل زوجتي في تلك الظروف الصعبة، ففي بداية الانتفاضة كنت أملك المال، بل أمتلك الكثير والكثير من المال، ولكن بعد اعتقالي لدى أجهزة أمن السلطة ونهب تلك الأموال، اضطررت لبيع ما يمكن بيعه من ذهب، وسحب ما كانت تملك زوجتي من مال، لكن الانتفاضة والمقاومة أكبر بكثير من أن يستطيع رجل واحد تلبية ولو جزء بسيط من احتياجاتها.
فلقد وصل سعر الرصاصة الواحدة لثلاثة دولارات، نعم ثلاثة دولارات، وصولاً لخمسة دولارات حسب نوع الرصاصة والسلاح، ولذلك بحسبة بسيطة جداً فإن أي جولة تخوض فيها اشتباكاً مسلحاً، كنا نطلق عدة مئات من الرصاصات؛ وهذا يعني آلاف من الدولارات في جولة اشتباك مسلح.
عدا عن شراء الأسلحة التي أصبحت نادرة وأصبحت أسعارها جنونية، فالضفة الغربية محاصرة ولا مجال لشراء الأسلحة بها سوى من داخل أراضي فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨م من تجار السلاح ورجال المافيات، ومع تقدم أعوام الانتفاضة العام تلو العام كانت الأسعار ترتفع، ولذلك أصبح أبو علي السلوادي هو من يمول كل تلك النفقات؛ وأكثر من ذلك فلقد كان هو من يمول كل ما تحتاجه كتائب القسام ويمول احتياجات أسر مقاتلي القسام المطاردين.
خلال تلك الفترة شهدت المقاومة حالة من الاستقرار المادي ومن القوة الكبيرة جداً، من خلال شراء كل ما تحتاجه من سلاح وعتاد وسيارات، ومن استئجار مساكن ومواد للصناعات العسكرية، لكن بعد تلك الفترة من الاستقرار المادي قامت قوات الاحتلال بشن حملاتها واقتحاماتها ضد البنوك والمصارف المالية، وضد محاولات الصرافة وتبديل العملة، واعتقلت كل من يشتبه فيه بأنه من ممولي المقاومة الفلسطينية، واستولت على الملايين من الأموال، مما أدى إلى وقوعنا بضائقة مالية أكبر بكثير من السابقة، وخاصة أننا كنا قد توسعنا كثيراً بعملنا، ولقد كان هناك التزامات مالية مثل أجور المنازل المستأجرة ومصروف المطاردين ومصروف عائلاتهم المطاردة معهم.
في تلك الظروف قدر الله يا ابنتي أن تولد أختك؛ فبسبب الاعتقالات الكبيرة أصبحت حركتي صعبة جداً وأصبحت حركة مساعدينا أصعب وأصعب، فلقد أصبح سيد الشيخ قاسم وأبو أحمد الخطيب مطلوبين أيضاً لقوات العدو، وأصبحت حركة أبي علي السلوادي مستحيلة في ظل تلك الظروف.
وقدر الله أن تتساقط الثلوج بشكل كبير مما أدى إلى إغلاق شوارع مدينة رام الله لعدة أيام مما أتاح لعدد من رجال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الفرار من أحد المعتقلات المجاورة لمدينة رام الله وهو معتقل “عوفر”، ففرضت قوات الاحتلال منعاً للتجول على المدينة، وأصبحت مجنزرات تلك القوات تتجول في شوارع المدينة على الثلوج التي كانت تكسو تلك الشوارع، وفي مساء يوم الجمعة 13-1-2003م توجب نقل والدتك إلى المستشفى، لم يكن بذلك اليوم وبتلك الليلة وفي الظروف التي قد ذكرتها، سوى أنا وأمك وأنت يا تالا وأخوك الرضيع أسامة.
كنت قد أعددت خطة لإدارة عملية ولادة أختك الصغيرة، لكن الظروف الميدانية منعت تلك الخطة من أن ترى النور، لكن الله عز وجل كان دوماً مع رجال فلسطين المقاومة؛ فلسطين أرض الرباط والمرابطين، وهنا طلبت منك أن تعتني بأخيك الرضيع، ورغم أن عمرك في تلك الأيام لم يكن قد تجاوز الثلاثة أعوام ونصف إلا أنك قمت برعايته ورعاية نفسك جيداً !
تركت المنزل أنا ووالدتك محاولين التوجه بالسيارة إلى أحد المشافي المجاورة وهو مشفى الهلال الأحمر بمدينة البيرة، لكن السيارة لم تتمكن من السير في شوارع المدينة التي كانت قد أغلقت بسبب الثلوج، ولأن جنود الاحتلال كانوا لا يتنقلون إلا بواسطة مجنزرات فلقد استطعت أن أميز الشوارع التي سلكتها تلك المجنزرات في إطار فرضها منع التجول وبحثاً عن الفارين من رجال الجبهة الشعبية الأبطال من معتقل “عوفر”، ولأن معتقل عوفر ومدينة رام الله ومدينة البيرة متلاصقون بشكل كبير؛ فإن المساحة التي كانت متاحة للفرار كبيرة جداً مما أدى لنجاح تلك العملية المميزة.
سيراً على الأقدام فوق الثلوج اجتازت زوجتي الطرقات وصولاً إلى المشفى، هناك وضعت ابنتي “مريانا”؛ أقصد “صفاء”، فلقد قمت بتسجيل المولودة من خلال عقد زواج مزور وبطاقات للهوية مزورة أيضاً، تفادياً لتسريب الخبر للعدو الصهيوني من جهة ولقوات الأمن الفلسطيني من جهة أخرى.
بعد أن وضعت أمك المولود، عدت أدراجي لأطمئن على أطفالي هناك، وبقيت عدة ساعات أتنقل بين المشفى والمنزل، حتى طلع الصباح وبدأت جرافات بلدية البيرة تحاول فتح الطرقات بعد انسحاب مجنزرات العدو، وهكذا أحضرت سيارتي لنقل زوجتي من المشفى إلى البيت بمجرد أن فتحت الطرقات صباحاً، في تلك الليلة لم يكن في المشفى إلا عدد قليل جداً يُعد على أصابع اليد الواحدة مما جعل الأمور تسير دون مشاكل داخل المستشفى، ووالدتك رغم ألمها؛ فقد ساعدها ربنا وسهل أمور ولادتها بحمد الله.
بالمناسبة يا ابنتي؛ فلقد كان اسم صفاء في تلك الأوراق “مريانا” ولم تكن مسلمة بل كانت نصرانية من بيت لحم ! فلقد كانت تلك إحدى الهويات التي تسترت بها من المطاردة تلك الفترة؛ فلقد كنت نصرانياً وكذلك زوجتي وأنت يا تالا وأخوك أسامة، لم يكن طبعاً اسمك تالا ولا اسم أخيك أسامة؛ بل كنت “سارة” وكان أخوك “إلياس” !
بعد اعتقالي بقرابة العام تذكرت أن أختك لم تكن تملك شهادة ميلاد باسمها واسمي واسم والدتها الحقيقيين، فكلفت المحامية “بثينة” وقامت مديرة جمعية مانديلا المختصة بشؤون الأسرى بالحصول على بطاقة شهادة ميلاد المريانا لتصبح صفاء، صفاء عبد الله البرغوثي.
عندما اعتقلت لم يكن أحد في الدنيا يعلم أني قد أصبح لدي ثلاثة أطفال، حزنت والدتي على اعتقالي؛ ولكن سرعان ما فرحت عندما علمت بالمولودة الجديدة التي كانت تحمل اسمها؛ اسم والدتي، ففرحت أمي صفاء البرغوثي لأجل ولادة صفاء عبد الله البرغوثي.
زوجتي التي كانت عضداً وسنداً لي طوال فترة مطاردتي لم تكن يوماً عبئاً علي؛ بل كانت دافعاً لي لأستمر في مقاومتي بسبب صبرها وإيمانها بما أقوم به، فبعد أن كانت تعيش حياة ملؤها الرغد وبحبوحة الحال؛ أصبحت تعيش مطاردةً بلا بيت ثابت ولا مكان هانئ، فلقد كنا ننتقل خلال تلك الأعوام من مدينة إلى أخرى ومن بيت إلى آخر، حتى أني لا أكاد أذكر عدد تلك البيوت والأماكن، عندما ولدت تالا ارتدت أكثر من مئة فستان أول مئة يوم لها في هذه الدنيا وارتدت الحلي الذهبية، أما صفاء فلم ترتدِ سوى فستانين اثنين فقط لا غير بسبب ضيق الحالة المادية، وبدل أن ترتدي الحلي الذهبية؛ ارتدت قطعة إسوارة بلاستيكية من المشفى كتب عليها: “مريانا بنت أنطوان “!





