
شهداء وجرحى في غزة والأونروا تطالب بالإغاثة
مايو 25, 2026
العدد التاسع والأربعون
يونيو 1, 2026بقلم: د. محمد الصغير- رئيس هيئة أنصار النبي ﷺ
اتخذ الله إبراهيم خليلاً، وفضّله بحصر النبوة في ذريته، فما من نبي بعد إبراهيم إلا من نسله عليه السلام ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: 27]. رزق الله أبا الأنبياء ولدين على الكِبَر:
- البِكر إسماعيل، وأمه السيدة هاجر المصرية التي هاجر بها إلى مكة المكرمة، ونشأ ولدها بين قبيلة جُرهم العربية، وتكلّم بلسانهم وتزوج منهم ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37].
- والثاني: إسحاق، وأمه السيدة سارة التي بشّرتها به الملائكة ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: 71].
جاءت البشارة بالوليد والحفيد، الذي كانت الكثرة العددية من الأنبياء من نسله، وهو يعقوب بن إسحاق، المعروف بإسرائيل عليهم السلام، وعُرفت ذريته ببني إسرائيل، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: “كَانَت بَنُو إسرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبياءُ، كُلَّما هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبيٌّ، وَإنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي، وسَيَكُونُ بَعدي خُلَفَاءُ فَيَكثُرُونَ”1.
ثم تراءت كفتا الميزان بختم النبوة في ذرية إسماعيل، الذي استعرب وكان من نسله نبي آخر الزمان محمد بن عبد الله ﷺ، ومن هنا بدأت جذوة الحقد والعداوة التي استعرت، واستمرت في قلوب اليهود على العرب والمسلمين حتى الآن، وعبر عن طبيعة هذه المعركة أحد كبار شيوخنا من علماء الأزهر الشريف، الأستاذ الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد في كتابه الذي بعنوان “معركة الوجود بين القرآن والتلمود”.
حمي وطيس هذه المعركة في الآونة الأخيرة بعد حلف الصهيونية المتوحشة مع الصليبية المتغطرسة، التي عنوانها “حلف ترامبياهو” الذي تلاقت فيه كل بوادر الجشع وغوائل الطمع على الأصعدة المختلفة، بداية من هدم غزة وتهجير أهلها لتحويلها إلى ريفيرا ومجمع سكني حسب أحلام سمسار العقارات البرتقالي، ثم تسييد “نتن ياهو” وتعميده على المنطقة، بعد إزاحة المشروع المنافس، شرطي المنطقة الذي بدت عليه أمارات التمرد النووي، ثم البُعد الأخطر والأهم، وهو البُعد الديني المتمثل في فرض الإبراهيمية كدين جديد في المنطقة، بقصد سلخ المسلمين من عقيدتهم ليصلحوا كرعايا في الشرق الأوسط الجديد.
كل من يعرف طموحات “نتن ياهو” السياسية، وأطماع ترمب التي بلا حد، يدرك أن القوم انتقلوا من مرحلة التبشير إلى مرحلة فرض الدين الجديد بالقوة، وصرّح ترمب بأن الدخول في الإبراهيمية والقبول بالحياة تحت راية إسرائيل -وليس مجرد التطبيع الشكلي- هو الشرط الأساسي لوقف الحرب الدائرة في إيران وعلى دول الخليج، بل وهدَّد سلطنة عمان علانية، وهي الراعي الوسيط في كل مراحل التفاوض مع إيران، وهي الدولة المعروفة بالنأي عن الصراعات ودقة التوازنات، وتاريخ الحلوى العمانية أقدم من الولايات المتحدة الأمريكية، لكن أبرهة الأشقر في عجلة من أمره، ويريد التفرغ لمخاوف أكبر وهواجس أعظم في حلبة مصارعة تنين الصين المتمدد، وترك المنطقة -خزان المال والطاقة- في أيدي إسرائيل.
وتحملاً للمسؤولية واستشعاراً للخطر، أعلن شيخ الأزهر د. أحمد الطيب رفضه لهذه الدعوة خلال مؤتمر مرور عشر سنوات على إنشاء “بيت العائلة المصرية”، الذي يحضره بابا الأقباط، ورموز الكنيسة المصرية، وقال فيه: “إن هذه الدعوات تطمح فيما يبدو إلى مزج المسيحية واليهودية والإسلام في دين واحد، يجتمع عليه الناس ويخلّصهم من بوائق الصراعات”.
ثم تساءل في خطابه عما إذا كان المقصود من الدعوة “تعاون المؤمنين بالأديان على ما بينها من مشتركات وقيم إنسانية نبيلة؟ أو المقصود صناعة دين جديد لا لون له ولا طعم ولا رائحة؟!”، وأضاف شيخ الأزهر: “إن الدعوة لـ(الإبراهيمية) تبدو في ظاهر أمرها دعوة للاجتماع الإنساني والقضاء على أسباب النزاعات والصراعات، وهي في الحقيقة دعوة إلى مصادرة حرية الاعتقاد وحرية الإيمان والاختيار، وهي أقرب لأضغاث الأحلام منها لإدراك حقائق الأمور وطبائعها، لأن اجتماع الخلق على دين واحد أمر مستحيل في العادة التي فطر الله الناس عليها”.
وعلّق على الموضوع نفسه من رموز الكنيسة الراهب القمص بنيامين، الذي قال: إن “الديانة الإبراهيمية دعوة مسيسة تحت مظهر مخادع واستغلال للدين.”
محاولة فرض الديانة ” الإبراهيمية” على بلاد المسلمين، هي جولة من جولات حروب الردّة التي تصدّى لها علماء الأمة قديماً وحديثاً، وهو الدور المنوط بأعناقهم مع تجدد صولاتها وعودة جولاتها، وذلك وفق دستور الوحي الإلهي ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]. وحذّر السلف من هذا الخلط، الذي سماه القرآن الكريم “اللبس”، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42]. قال قتادة رحمه الله: “لا تُلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام، إن دين الله الإسلام، واليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله”2.
وتناول شيخ الإسلام ابن تيمية هذه البدعة بقوله: “قول القائل: المعبود واحد وإن كانت الطرق مختلفة، ونحو ذلك من الأقوال والأفعال التي تتضمن إما كون الشريعة النصرانية واليهودية المبدَّلتين المنسوختَين موصِّلة إلى الله؛ وإما استحسان بعض ما فيها مما يخالف دين الله، أو التدين بذلك، أو غير ذلك مما هو كفر بالله وبرسوله، وبالقرآن وبالإسلام، بلا خلاف بين الأمة الوسط في ذلك، وأصل ذلك المشابهة والمشاركة”3.
وعلَّق على الفكرة فضيلة الشيخ بكر أبوزيد عضو هيئة كبار العلماء بقوله: “ليعلم كل مسلم عن حقيقة هذه الدعوة أنها فلسفية النزعة، سياسية النشأة، إلحادية الغاية، تبرز في لباس جديد لأخذ ثأرهم من المسلمين، عقيدةً، وأرضاً، ومِلكاً، مستهدفةً إبرامَ القضاء على الإسلام ووهن المسلمين، ونزع الإيمان من قلوبهم من خلال إسقاط جوهر الإسلام واستعلائه، وظهوره وتميزه، بجعل دين الإسلام المحكم المحفوظ من التحريف والتبديل في مرتبة متساوية مع غيره من كل دين محرف منسوخ، بل مع العقائد الوثنية الأخرى.”
أمام هذه الغطرسة الممزوجة بوهم القوة، وأطماع أصحاب المشاريع في السيطرة على مقدرات الأمة وتغيير عقيدتها، علينا أن نعلنها جلية مدوية: ﴿إنّ الدينَ عندَ اللهِ الإسلام﴾، وإن صمت الحكام أمام هذا الطغيان فلا ينبغي للشعوب أن تقبل اللجام، فإن من رضي باللجام أصبح مطية لأي شيطان، ومِن فضل الله علينا أننا ورثنا الحنيفية السمحة، وعلى الإبراهيمية المرضية، ويكفي أن ختام كل صلواتنا اليومية بالصلاة الإبراهيمية:
اللهم صل على محمد وآل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 متفق عليه.
2 تفسير ابن أبي حاتم، (1/98).
3 اقتضاء الصراط المستقيم، 1/540.





