
الأذان قادني إلى الإسلام
أبريل 27, 2026
بين الخط المستقيم والصراط المستقيم
أبريل 27, 2026د. باولو كيالو
أنجولا
اسمي “باولو”، وعملي هو الغوص في المناطق التي يفر منها الجميع. أنا طبيب شرعي في المشرحة المركزية بمدينة “لواندا” في أنجولا. لسنوات طويلة، كانت لغتي الوحيدة هي لغة المشارط، وكتل اللحم الباردة التي فقدت نبضها. كنتُ أعيش يومي وسط رائحة الفورمالين وصمت الموتى الثقيل، وقد حولني هذا العمل مع الوقت إلى إنسان “مادي” بامتياز. كنتُ أنظر إلى الجسد الميت كآلة تعطلت، وإلى الروح كخرافة لا يثبتها الميكروسكوب.
في أنجولا، مررنا بحروب وأزمات جعلت الموت ضيفاً ثقيلاً ودائماً. كانت وظيفتي هي تفسير “كيفية” الموت؛ هل هي رصاصة؟ هل هو سم؟ هل هو حادث؟ لكنني لم أسأل نفسي يوماً عن “لماذا” نحيا أصلاً؟ كانت بيئتي الاجتماعية ضيقة جداً؛ فالناس ينفرون من الطبيب الشرعي وكأنه يحمل عدوى الموت معه. كنتُ أعيش في عزلة اختيارية، أدخن بشراهة أمام جثث مجهولة الهوية، وأسخر من طقوس الجنازات الصاخبة التي يقيمها الأنجوليون في الخارج. بالنسبة لي، الإنسان يبدأ في رحم وينتهي في ثلاجة الموتى، وما بينهما هو محض عبث بيولوجي.
نمط حياتي كان كئيباً؛ شقة صغيرة مليئة بالكتب الطبية، وزجاجات نبيذ رخيص أحاول بها طمس صور الوجوه التي شرحتها خلال النهار. كنتُ أظن أنني ملك الحقيقة لأنني أرى نهاية الجميع، لكنني كنتُ أجهل الناس جميعاً بالحقيقة!
موقف غريب!
في ليلة إبريلية خانقة، وصلتني جثة لرجل في الخمسين من عمره. لم تكن هناك آثار اعتداء، ولا أمراض واضحة. وبينما كنتُ أشرع في عملي المعتاد، لفت نظري شيء غريب. وجه الرجل كان يحمل “سَكِينة” لم أرَها على وجه ميت من قبل. لم يكن وجهاً مرعوباً أو شاحباً بالمعنى التقليدي، بل كان يبدو وكأنه نائم في طمأنينة عجيبة.
بحثتُ في أغراضه الشخصية التي وصلت معه، فلم أجد غير ورقة صغيرة في جيبه مطوية بعناية، مكتوب عليها بعض الجمل وكأنها أدعية، يخاطب فيها ربه. بلغة برتغالية مثل: “اللهم حاسبني حساباً يسيراً” و “أتمنى أن ألقى ربي بقلب سليم”، وغيرها من الأدعية.. كانت هذه الجملة هي “المشرط” الذي شق قلبي لا جسده. من هو هذا “الرب” الذي يجعله يرحل بهذه الثقة؟ ومن أين تأتي هذه “السكينة” في بلد يطحنه القلق؟!
البحث عن “النفس”!
عدتُ للمنزل تلك الليلة، وصورة ذلك الوجه لا تفارقني. فتحتُ هاتفي، وبدأتُ أبحث عن كلمات مثل “الروح”، “ما بعد الموت”، “السكينة عند الرحيل”. ومن بين مئات النتائج المشتتة، ظهر لي منشور من صفحة “بصيرة”. كان العنوان جذاباً جداً: “الموت مجرد بداية لا نهاية”.
دخلتُ إلى الصفحة. كانت المنشورات تخاطب العقل والقلب ببراعة. قرأتُ كلاماً عن “خلق الإنسان” وعن “الروح” التي هي من أمر الله. شعرتُ لأول مرة أن هناك من يقدم لي إجابات تتجاوز حدود المشرحة. ضغطتُ على أيقونة المراسلة، وكتبتُ جملة واحدة: “أنا طبيب شرعي، أرى الموت كل يوم، لكنني الليلة فقط شعرتُ أنني أنا الميت.. ما الذي يستطيع الإسلام أن يقدمه لي”؟
بدأ الحوار مع “المحاور”. كان حواراً طويلاً، لكنه كان ممتعاً.
قال لي المحاور: “يا باولو، أنت تُشرّح الجسد لتعرف سبب الموت، فهل فكرت يوماً في تشريح أفكارك لتعرف سبب الحياة؟ الإسلام لا ينظر للجسد كآلة، بل كوعاء للروح، وهذه الروح هي النفخة الإلهية التي تجعل الإنسان إنساناً، وهي من معجزات قدرة الله سبحانه وتعالى.
سألتُه بمرارة: “لقد رأيتُ في مشرحتي الظلم؛ أطفالاً يموتون جوعاً، أبرياء يُقتلون. أهذا هو عدل السماء الذي يتحدث عنه دينكم”؟
فاجأني المحاور حين قال: “هذا بالضبط هو أكبر دليل على وجود الله والآخرة. لو كانت الدنيا هي النهاية، لاعتقد الناس بأن الله ظالماً. لكن الإسلام يخبرنا أن هذه المشرحة التي تعمل بها ليست نهاية القصة، بل هي بمثابة (غرفة تبديل ملابس) للانتقال إلى المحكمة الكبرى حيث لا يضيع حق، ويُنصف المظلوم، ويقتص من الظالم. الموت في الإسلام ليس عدماً، بل هو ولادة ثانية، وهو الطريق الوحيد إلى الخلود”.
تحدثنا عن “عظمة الخالق” في تفاصيل الجسد التي أعرفها جيداً. بدأ المحاور يقرأ لي آيات من القرآن تصف أطوار الجنين، وتصف نهاية الإنسان. شعرتُ بالخجل؛ فأنا الطبيب الذي درس التشريح لسنوات، لم ألحظ تلك “الدقة الإلهية” التي يتحدث عنها هذا الكتاب.
سألتُه عن “التوبة”. “لقد عشتُ حياتي بعيداً عن الله، سخرتُ من المؤمنين بالله، وشربتُ الخمر حتى الثمالة.. هل يقبلني هذا الدين بكل هذه الآثام؟!”
قال لي المحاور: “يا باولو، ﴿إنّ اللهَ يحبُّ التوابينَ﴾. الله يريد منك قلبك الآن، لا سجلك القديم”.
لحظة البعث والشهادة
في الليلة الرابعة، وبعد حوار امتد حتى الفجر، شعرتُ أن “الورم” الذي كان يسكن روحي قد استؤصل تماماً. اليقين كان يتدفق في عروقي أسرع من أي عقار. نظرتُ إلى يديّ اللتين لمستا آلاف الموتى، وشعرتُ برغبة عارمة في أن أرفعهما للسماء.
كتبتُ له: “أريد أن أخرج من المشرحة إلى النور. أريد أن أكون مسلماً”. لقنني المحاور الشهادة بصوته الهادئ: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله”.
نطقتُها، وفي تلك اللحظة، شعرتُ برعشة في جسدي لم أشعر بها من قبل. أحسستُ أنني ولدتُ للتو، وأن الهواء الذي أستنشقه له إحساس مختلف. لقد أسلمتُ في تلك الليلة بفضل “بصيرة”، وتحول الطبيب الشرعي إلى إنسان مفعم بالحياة.
طبيب للأحياء!
تغيرت حياتي في المشرحة بشكل مذهل. لم أعد أنظر للجثث ككتل لحم، بل أصبحتُ أتعامل معها بوقار وإكرام، لعلمي أن هذه الأجساد كانت أوعية لأرواح ستقف أمام الله. تركتُ الخمر تماماً، واستبدلتُ رائحة الفورمالين برائحة المسك التي بدأتُ أتعطر بها صلاةً لله.
أهلي وزملائي في “لواندا” صُدموا: “باولو الملحد أصبح يصلي ويرفض الرشاوي في التقارير الشرعية!”. كنتُ أبتسم لهم وأقول: “لقد كنتُ أبحث عن أسباب الموت، فوجدتُ سبب الحياة”. بدأتُ أحفز زملائي الأطباء ليروا ويتأملوا “يد الخالق” في كل خلية يشرحونها.
أنا اليوم، بفضل ذلك المنشور العابر عبر صفحة “مشروع بصيرة الدعوي”، لم أعد أخشى الموت، لأنني عرفتُ مَن بيده ملكوت الموت والحياة. شكراً لبصيرة التي كانت المشرط الحقيقي الذي استأصل الكفر من قلبي، ومنحني بصيرة أرى بها النور حتى في عتمة المشرحة.





