
أسطول الصمود ينطلق من صقلية لكسر حصار غزة
أبريل 27, 2026
بُعثت روحي بين الأموات!
أبريل 27, 2026سيلفان ياغونا
جمهورية الكونغو
في “برازافيل” حيث يتدفق نهر الكونغو العظيم كشريان حياة لا يهدأ، كنتُ أنا مَن يصنع ضجيج المدينة. مهنتي كمهندس صوت في أحد استديوهات التسجيل جعلتني أعيش وسط الصخب الدائم؛ إيقاعات “الرومبا” الصاخبة، صراخ المغنيين، وتداخل الآلات الوترية. كانت وظيفتي هي “ضبط الإيقاع”، وتعديل الترددات، وتنقية الأصوات من الشوائب. لكن المفارقة الكبرى أن حياتي الشخصية كانت تعاني من تشويش هائل لم تستطع أعظم أجهزة الصوت في العالم تصفيته.
نشأتُ في حي “بوا بوي” الشعبي، وسط عائلة تعشق الموسيقى وتعتبرها وسيلة الهروب الوحيدة من واقع الفقر. والدي كان عازف غيتار معروفاً محلياً، وأمي كانت تغني في الكنيسة. كنتُ محاطاً بالألحان منذ صرختي الأولى، لكن خلف تلك الألحان كان هناك فراغ روحي مخيف. في مجتمعي، الدين هو “أداء استعراضي”؛ رقص في الكنائس، ووعود بالثراء السريع من قِبل قساوسة يرتدون أثمن البدلات. كنتُ أنظر إليهم من خلف زجاج غرفة التحكم في الاستديو وأقول لنفسي: “هل الله حقاً يحب هذا الضجيج؟! هل يحتاج الخالق لكل هذا الاستعراض لكي يسمعنا؟!
نمط حياتي كان استنزافياً. أقضي لياليّ في الاستديو تحت الأضواء الخافتة، أتعامل مع موجات الصوت الرقمية، وحين أخرج في الصباح الباكر، أشعر بضياع تام. كنتُ أعاني من “طنين” دائم في أذني، لكن الطنين الأكبر كان في رأسي؛ أسئلة لا تتوقف عن جدوى هذا العبث. كنتُ محاطاً بالفنانين والجميلات والمال، لكنني كنتُ أعود لشقتي المطلة على النهر وأشعر ببرودة قاتلة في صدري. كنتُ “مهندس صمت” بارعاً في مهنتي، وفاشلاً في العثور على سكوني الخاص.
أثناء تسجيل ألبوم غنائي لأحد مطربي “برازافيل”، حدث عطل كهربائي مفاجئ أدى إلى احتراق أجهزة التسجيل الغالية. في تلك اللحظة، ساد صمت مطبق في الاستديو. نظرتُ إلى المغني وهو يصرخ بغضب، ونظرتُ إلى الأسلاك المحترقة، وشعرتُ فجأة أن هذا الحريق هو تمثيل لحياتي. “كل هذا التعب من أجل أصوات تتبخر في الهواء؟”، هكذا سألتُ نفسي!
عدتُ للمنزل، وفي تلك الليلة، وبسبب الإحباط، لم أستطع النوم. فتحتُ “فيسبوك” لأتابع أخبار الأجهزة البديلة، ظهر أمامي مقطع فيديو قصير، ليس فيه موسيقى، فقط صوت “أذان” سُجل في مكان مفتوح، ومكتوباً فوقه بالفرنسية: “حين يصمت ضجيج العالم، يبدأ صوت الحقيقة. هل جربت أن تضبط إيقاع روحك على نداء خالقها؟”.
كان صوت الأذان في الفيديو صوتاً بشرياً نقياً، خالياً من أي تعديلات هندسية، لكنه لامس قلبي! ثم واصلت التصفح، فظهر أمامي منشور من صفحة تسمى “بصيرة لدعوة غير المسلمين”. المنشور كان يتحدث عن “القرآن“. دخلتُ إلى صفحة “بصيرة” وبدأتُ أقرأ منشوراتها المختلفة. كانت تتحدث عن “الإسلام والسّكِينة” وعن “الفطرة”. قرأتُ منشوراً بعنوان “في الإسلام لا رهبانية متعبة ولا مادية جشعة”.
على الفور أرسلت رسالة إلى الصفحة. كتبتُ: “قضيتُ عمري في ملاحقة النغمات وضبط الأصوات والإيقاعات، لكنني أبحث عن صوت ما بداخلي، لا أعرف ماهيته! صوت تحرك بداخلي عندما سمعت صوت الأذان منذ قليل! هل عندكم إجابة لرجل لم يعُد يطيق الضجيج؟!
بدأ الحوار مع “المحاور”، وكان حواراً طويلاً وعميقاً، لم يكن “المحاور” يعاملني كخاطئ، بل كباحث عن الحقيقة. قال لي: “يا سيلفان، أنت تعلم أن الصوت يكون أجمل عندما يكون صافياً نقياً من الشوائب. الروح أيضاً تحتاج لتصفية وتنقية. الإسلام هو بمثابة (الفلتر) الذي ينقي حياتك من ضجيج الشرك والعبثية ويجعلك تسمع نداء فطرتك بوضوح”.
سألتُه بجدية: “أنا أعمل في الموسيقى، والناس يقولون إن دينكم يحرم هذا وفيه كثير من الجمال. فكيف أنتمي إليكم؟”.
أجابني المحاور برصانة وهدوء: “الإسلام لا يحرم الجمال، بل يحرم الغفلة. الموسيقى التي تملأ حياتك الآن هي هروب من الواقع، أما الإسلام فيدعوك لتواجه الواقع بقلب قوي. هو يعطيك (إيقاعاً) جديداً؛ خمس صلوات في اليوم، تنظم وقتك وتربطك بالسماء. هل فكرت يوماً أن ركوعك وسجودك هما أجمل سيمفونية خضوع للخالق؟! هل وجدت السكينة في جمال الموسيقي أم وجدته في سماع الأذان كما ذكرت أنت”؟!
تحدثنا عن “وحدانية الله”. شرح لي المحاور أن الله واحد لا يحتاج لموسيقى الكنائس ولا لوسطاء القساوسة لكي يسمع عبده. قال لي: “الله يسمع نبض قلبك قبل أن تنطق بكلمة”. هذه الجملة جعلتني أفكر كثيرًا؛ فقد كنتُ أظن أنني يجب أن أصرخ لكي أُسمع!
في الليلة الثانية من الحوار، سألتُه: “مهنتي تتطلب مني البقاء في الاستديو وسط الموسيقى، هل يجب أن أترك عملي فوراً؟”.
قال لي المحاور: “الإسلام يبدأ من القلب. أسلم لله أولاً، والله سيفتح لك أبواب الرزق الحلال ويوفقك لما فيه خيرك. المهم الآن هو أن تُقبل على الله بكل حواسك”.
كانت ليلة مختلفة جداً حيث وقفتُ في شرفة شقتي، أنظر إلى نهر الكونغو وهو يجري بصمت مهيب. شعرتُ أن “ترددات” قلبي قد استقرت أخيراً. لم يعد هناك تشويش!
عدتُ إلى المحادثة وكتبتُ: “أنا جاهز. أريد أن أضبط إيقاع حياتي على الإسلام”.
لقنني المحاور الشهادة بصوته الهادئ: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله”.
نطقتُها بلساني، لكنني شعرتُ بصداها في كل خلية في جسدي. كان شعوراً بالسكينة التي لم يسبق لي أن شعرت بها أبداً في حياتي. لقد ولدتُ من جديد في تلك اللحظة، وسط سكون غرفتي، بفضل منشور عابر من مشروع دعوي على الفضاء الأزرق؛ إنه مشروع “بصيرة”.
أول ما فعلته هو تغيير نمط عملي في الاستديو؛ أصبحتُ أرفض تسجيل الأغاني التي تحتوي على كلمات بذيئة أو تحض على الفجور، وبدأتُ أتخصص في تسجيل الوثائقيات والأصوات الطبيعية والكتب الصوتية.
لم أعد أشعر براحتي في حياة السهر في الملاهي الليلية التي كانت تستهلك صحتي. أمشي في شوارع “برازافيل” الهادئة، وأتفكر في بديع صنع الله في هذا الكون! انضممت لقسم التعليم في مشروع بصيرة، وبدأتُ أتعلم اللغة العربية لكي أفهم القرآن فهماً جيداً. عندما أسمع القرآن الآن، أشعر أن هذه هي “الهندسة الإلهية” الحقيقية؛ أصوات ومخارج حروف موزونة بدقة مذهلة تؤثر في النفس دون حاجة لآلات موسيقية.
أنا اليوم، بفضل الله ومنه عليّ قدراً بـ”مشروع بصيرة “، أعيش في سلام وسكينة لم أحلم بهما يوماً قط! لم يعد الطنين يطاردني، لأن قلبي أصبح يردد ذكراً واحداً يطغى على كل ضجيج الدنيا. لقد وجدتُ الإيقاع الحقيقي الذي لن ينقطع أبداً.. الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.





