
الافتتاحية
أبريل 2, 2026
غموض بشأن مصير الطيار الأمريكي الذي سقطت طائرته في إيران
أبريل 4, 2026تأمل في انسجام البناء القرآني العجيب!
محمد إلهامي
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله..
تلك كانت كلمة ألقيتها في المعتكف، ليلة السابع والعشرين من رمضان، ثم استحسنها بعض السامعين، ورغب بعضهم في كتابتها.. فها أنذا أفعل، والله المستعان..
ولقد رُزِقنا بقارئ متقن حسن الصوت، تلا علينا في الركعات الأربعة الأولى هاتيْن السورتيْن، وفتح الله عليه فيهما، فوقع في خاطري هذا المعنى الذي يجمع بين السورتين ويؤلف بينهما على نحو لم أنتبه له من قبل..
سنبدأ الكلام عن مختصر سورة العنكبوت، ثم مختصر سورة الروم، ثم نتكلم في الانسجام بينهما، وفي العلاقة التي تؤلف بين موضوعيهما..
(1) سورة العنكبوت
من قرأ سورة العنكبوت ظهر له فيها ملمح واضح، وهي أنها سورة “الابتلاء”.. فهي تأخذ في بيان أن الابتلاء سنة من سنن الله، تقع على المؤمنين لتميز الصادق من الكاذب، ولتفصل بين المُدَّعي من المخلص!
ولذا تراها تبدأ على هذا النحو:
﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن یُتۡرَكُوۤا۟ أَن یَقُولُوۤا۟ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا یُفۡتَنُونَ * وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَیَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ صَدَقُوا۟ وَلَیَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَـٰذِبِینَ * أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِینَ یَعۡمَلُونَ ٱلسَّیِّـَٔاتِ أَن یَسۡبِقُونَاۚ سَاۤءَ مَا یَحۡكُمُونَ * مَن كَانَ یَرۡجُوا۟ لِقَاۤءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتࣲۚ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ * وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا یُجَـٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦۤ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِیٌّ عَنِ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [العنكبوت: 2-6].
وتمضي الآيات على هذا الخط، فتذكر أول بلاء ينزل بالمؤمن، وهو الذي يأتيه من أهله.. أبيه وأمه وعائلته.. وكيف أن المؤمن مأمور بأن يثبت على الحق الذي عرفه مهما كان ضغط أهله عليه، وفي نفس الوقت يجب أن يكون ثباته هذا منضبطاً بغاية التأدب والتهذب والمصاحبة بالمعروف، لعِظَم حق أهله عليه..
﴿وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَیِّـَٔاتِهِمۡ وَلَنَجۡزِیَنَّهُمۡ أَحۡسَنَ ٱلَّذِی كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ * وَوَصَّیۡنَا ٱلۡإِنسَـٰنَ بِوَ الِدَیۡهِ حُسۡنࣰاۖ وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِی مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمࣱ فَلَا تُطِعۡهُمَاۤ إِلَیَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [العنكبوت: 7-8].
وتقف الآيات عند حقيقة الابتلاء، وكيف أنه الاختبار العملي لحقيقة الإيمان.. فالمؤمن حقاً هو من يستهين ويستخف بعذاب الناس لأنه يؤمن أن عذاب الله أشد وأعظم، وأما غير المؤمن فيظهر منه ذلك إذا وقع به الأذى من الناس.. اسمع:
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَاۤ أُوذِیَ فِی ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ﴾ [العنكبوت: 10].
وكثير ممن يدّعي الإيمان يحاول أن يظل ممسكاً بالطرفين، فهو يظهر حين تأتي المكاسب وينتصر المؤمنون
﴿ وَلَىِٕن جَاۤءَ نَصۡرࣱ مِّن رَّبِّكَ لَیَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَیۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِی صُدُورِ ٱلۡعَـٰلَمِینَ * وَلَیَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَلَیَعۡلَمَنَّ ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ﴾ [العنكبوت: 10-11].
ثم تأخذ الآيات في وصف بلاء الأنبياء: نوح وكيف لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، ثم إبراهيم، ثم لوط، ثم شعيب، ثم موسى..
ثم ابتلاء محمد ﷺ، كيف أنه قد كُذِّب مع أن قومه يعلمون تمام العلم أنه لم يكن يكذب، ولا كان يعرف القراءة ولا الكتابة، وأن الذي جاء به من الآيات يُدهش العقول..
ولم يقتصر تكذيبه هذا على قومه، بل كذَّبه أيضاً أولى الناس أن يؤمنوا به، وهم أهل الكتاب، وذلك لما عندهم من العلم بالكتاب..
﴿وَكَذَ لِكَ أَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَۚ فَٱلَّذِینَ ءَاتَیۡنَـٰهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ یُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَمِنۡ هَـٰۤؤُلَاۤءِ مَن یُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَمَا یَجۡحَدُ بِـَٔایَـٰتِنَاۤ إِلَّا ٱلۡكَـٰفِرُونَ * وَمَا كُنتَ تَتۡلُوا۟ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَـٰبࣲ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِیَمِینِكَۖ إِذࣰا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ * بَلۡ هُوَ ءَایَـٰتُۢ بَیِّنَـٰتࣱ فِی صُدُورِ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا یَجۡحَدُ بِـَٔایَـٰتِنَاۤ إِلَّا ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 47-49].
ثم تأخذ السورة في طمأنة المؤمنين:
طمأنتهم بأن العذاب سيحل بالكافرين ﴿یَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِیطَةُۢ بِٱلۡكَـٰفِرِینَ﴾ [العنكبوت: 54].
وطمأنتهم بأن في الأرض متسعاً إذا ضاقت بهم بلدهم ﴿یَـٰعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِنَّ أَرۡضِی وَ اسِعَةࣱ فَإِیَّـٰیَ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [العنكبوت: 56].
وطمأنتهم بأن الموت سيأتي على الجميع ﴿كُلُّ نَفۡسࣲ ذَاۤىِٕقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَیۡنَا تُرۡجَعُونَ﴾ [العنكبوت: 57].
وطمأنتهم بأن الجنة في انتظارهم ﴿وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفࣰا تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۚ نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَـٰمِلِینَ﴾ [العنكبوت: 58].
وطمأنتهم أن الرزق مكفول.. فالله يرزق الدواب مهما ضعفت ﴿وَكَأَیِّن مِّن دَاۤبَّةࣲ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ یَرۡزُقُهَا وَإِیَّاكُمۡۚ﴾ [العنكبوت: 60].
ثم تختم السورة بالتأكيد على أن الجهاد سبيل المؤمنين، به تنفتح معهم سبل الهداية، وبه يتغير الحال، وينقلب البلاء إلى تمكين ﴿وَٱلَّذِینَ جَـٰهَدُوا۟ فِینَا لَنَهۡدِیَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
(2) سورة الروم
وأما سورة الروم، فحديثها حافل عن آيات الله في كونه.. وكأن قارئها قد انغمر في مشهد كوني هائل من الآيات التي بثها الله في عباده.. فهم يرونها ويعيشونها وإن غفلوا عنها..
وهذه الآيات الحافلة الكثيرة المنهمرة.. يبصر المرء فيها أموراً واضحة تشير إليها:
الأول: أنها دالة على الله ووجوده وحكمته وإحاطة علمه وإحكامه لخلقه وتدبير أمورهم.. فما يكاد يتعرض المرء لهذه الآيات بقلبه حتى يشهد أنه مخلوق ضعيف ضئيل عاجز أمام مشهد عظيم هائل، لا يصنعه إلا الإله العظيم العليم.
الثاني: أنها حافلة بمشاهد التقلب والتغير والتبدل.. فالليل ينقلب نهاراً، والتراب يصير بشراً، والحي يخرج من الميت، والميت يخرج من الحي، والأرض التي كانت جدباء نزل عليها الماء فأنبتت، والسماء التي كانت صافية انبثت فيها الغيوم ونزل منها المطر.. أمورٌ لا تكف عن التبدل والتنقل والتحول!
الثالث: أنها كلها ذات أجل.. ما تلبث أن تنتهي مهما طالت، وما تلبث أن تنقضي مهما بدا أنها استقرت واستمرت.. فسائر أمور الدنيا مهما كانت ضخمة وقوية وراسخة فإنها لحظات سريعة في عمر التاريخ.. ستطوى صفحتها وإن غرَّت الناس باستقرارها..
وهكذا ترى سورة الروم تأخذ في هذا المسار منذ آيتها الأولى وحتى الأخيرة..
تبدأ بمشهد انتصار الفرس على الروم، والذي بدا في وقته انتصاراً كاسحاً ساحقاً.. لقد اكتسح الفرس أرض الروم حتى حاصروا عاصمتهم القسطنطينية، فما من أحدٍ عاش في ذلك الزمن إلا وظنّ أنه يكتب الصفحة الأخيرة من تاريخ الإمبراطورية البيزنطية..
فلما نزل القرآن يقول بأن الأمر سينقلب، كان ذلك مدهشاً بل هو يشبه الجنون، حتى قال المؤرخ الشهير إدوارد جيبون وهو يصف تلك اللحظة: “تنبأ محمد في خضم الانتصارات الفارسية بأن رايات الرومان ستعود ترفرف مرة أخرى، وفي ذلك الوقت لم يكن شيء أبعد من تحقق هذه النبوءة”.
ثم تأخذ الآيات في إدانة من ينخدعون بالمظاهر ﴿وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا یُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ * یَعۡلَمُونَ ظَـٰهِرࣰا مِّنَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 6-7].
فتأمل كيف وصفهم بالعلم ووصفهم بالجهل معًا.. فهم جهال لأن علمهم مقتصر على “ظاهر” الحياة الدنيا.. وبذلك صاروا “لا يعلمون” مع أنهم “يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا”.
وتأتي على ذلك بالأدلة.. الأدلة من النفس، والأدلة من التاريخ..
﴿أَوَلَمۡ یَتَفَكَّرُوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَیۡنَهُمَاۤ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلࣲ مُّسَمࣰّىۗ وَإِنَّ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَاۤىِٕ رَبِّهِمۡ لَكَـٰفِرُونَ * أَوَلَمۡ یَسِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَیَنظُرُوا۟ كَیۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوۤا۟ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةࣰ وَأَثَارُوا۟ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَاۤ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: 8-9].
فأين ذهب هذا كله؟ لقد انقضى وانتهى..
هذه الحياة القصيرة، حياة النفس الواحدة، تتمثل فيها ذات السنة التي تحكم الحياة الطويلة، حياة الحضارات.. كل شيء في هذه الحياة له (أجلٌ مسمى).. ومهما بلغ قومٌ من القوة والهيمنة والتمكن وإقامة العمران الهائل، فإنهم لم يستطيعوا أن يخرقوا هذه السنة، ولا أن يطيلوا في أعمارهم.. بل مات الجميع، وانقضت الحضارات!!
ثم يأتي دفق الآيات منهمراً.. ﴿فَسُبۡحَـٰنَ ٱللَّهِ حِینَ تُمۡسُونَ وَحِینَ تُصۡبِحُونَ﴾ [الروم: 17].
وتبدأ مجموعة منها بقوله تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾.. فتأخذ الأنظار نحو الحي الذي يخرج من الميت، والميت الذي يخرج من الحي، والأرض التي تخصب من بعد جدب..
وهذا الرجل الذي يبدو قوياً ويستطيع الحياة بنفسه كيف لا تسكن نفسه ولا تستقر إلا إذا اتخذ زوجة أنثى تبدو ضعيفة، فهو في حاجة إليها كمثل -أو بأكثر من- حاجتها إليه!
وهذه السموات والأرض، وهذه اللغات الكثيرة..
وهذا الاتفاق بين البشر مهما تباعدت ديارهم واختلفت طباعهم وثقافاتهم على النوم بالليل والسكون فيه، وعلى العمل بالنهار والسعي فيه..
وهذا البرق الذي يجتمع فيه في اللحظة الواحدة: الخوف والرجاء.. الخوف من صعقة الموت، والرجاء في أنه مقدمة للمطر الذي يحيي الأرض..
وتستمر الآيات القرآنية في وصف الآيات الكونية: السفن التي تسير في البحر، الرياح التي تدفعها، السحب التي تتجمع لتنزل المطر، الإنسان الذي يبدأ ضعيفاً ثم يقوى ثم يضعف مرة أخرى..
وفي ثنايا هذه الآيات حديث عن الإنسان وإفساده في الأرض ﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَیۡدِی ٱلنَّاسِ لِیُذِیقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِی عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمۡ یَرۡجِعُونَ﴾ [الروم: 41].
وحديث عما هو فيه من النزق والجزع ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرࣱّ دَعَوۡا۟ رَبَّهُم مُّنِیبِینَ إِلَیۡهِ ثُمَّ إِذَاۤ أَذَاقَهُم مِّنۡهُ رَحۡمَةً إِذَا فَرِیقࣱ مِّنۡهُم بِرَبِّهِمۡ یُشۡرِكُونَ﴾، ﴿وَإِذَاۤ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةࣰ فَرِحُوا۟ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَیِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَیۡدِیهِمۡ إِذَا هُمۡ یَقۡنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]، ﴿وَلَىِٕنۡ أَرۡسَلۡنَا رِیحࣰا فَرَأَوۡهُ مُصۡفَرࣰّا لَّظَلُّوا۟ مِنۢ بَعۡدِهِۦ یَكۡفُرُونَ﴾ [الروم: 51].
وهكذا.. ترى سورة الروم وهي تأخذ أنظار الناس إلى هذه الدنيا الحافلة بآيات الله.. تدل على علمه وحكمته، كما تدل على قدرته وهيمنته، كما تدل على أن هذا كله إنما يتبدل ويتحول ويتغير..
وتُختم السورة بخلاصتيْن:
- خلاصة عن الكافرين، أنهم مهما تعددت المشاهد والآيات أمامهم فإنهم لا يؤمنون، ولذلك طبع الله على قلوبهم.
- وخلاصة هي توجيه للمؤمنين ألا تغرهم المظاهر، وألا تضغط عليهم كثرة هؤلاء الماديين المنخدعين بها، ولا يستسلموا لسطوتهم.. اقرأ:
﴿وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِی هَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلࣲۚ وَلَىِٕن جِئۡتَهُم بِـَٔایَةࣲ لَّیَقُولَنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُبۡطِلُونَ * كَذَ لِكَ یَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِینَ لَا یَعۡلَمُونَ * فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقࣱّۖ وَلَا یَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِینَ لَا یُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٥٨-٦٠].
(3) التناغم والانسجام بين سورتي العنكبوت والروم
بقي الآن أن ننظر في هذا الترابط والتآلف بين سورتي العنكبوت والروم..
نبدأ من آيتيْن في السورتيْن، هما قريبتان من بعضهما جدًّا، حتى في اللفظ.. وذلك قوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿لِیَكۡفُرُوا۟ بِمَاۤ ءَاتَیۡنَـٰهُمۡ وَلِیَتَمَتَّعُوا۟ فَسَوۡفَ یَعۡلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 66].. وقوله في سورة الروم: ﴿لِیَكۡفُرُوا۟ بِمَاۤ ءَاتَیۡنَـٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُوا۟ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: 34].
إن في العديد من سور القرآن آيات متشابهة جداً، تستحق أن تكون موضوعات للبحث في باب التناغم والانسجام في بناء القرآن.. ولا أدري إن كان أحدٌ اهتم بهذا الأمر أم لا.. ولكنه يبدو باباً ثرياً وعميقاً..
هاتان الآيتان معناهما ظاهر: هذه الحياة الدنيا ابتلاء، وفيها يعطي الله الناس ويؤتيهم من النعم والإمكانيات والقدرات ما يكون اختباراً لهم، فإذا بهذه النعم حين يكفر بها أصحابها ويتخذونها للمتعة العاجلة وحدها، تكون سبباً للعذاب..
فتأمل هنا كيف ارتبط معنى الابتلاء بالنعم على الوجهيْن اللتيْن تناولتهما السورتان..
- في العنكبوت التي هي سورة الابتلاء.. أشير إلى أن النعم أيضاً ابتلاء!
- وفي الروم التي هي سورة النعم والآيات.. أشير إلى أن الغرق في هذه النعم والتمتع بها دون فهم ما وراءها من الإله القادر الحكيم، هو من التعلق بالمظاهر الخداعة، وهو من الاغترار بالدنيا!
ثم تأمل أيضاً كيف أن صيغة الخطاب في سورة العنكبوت، وهي التي تخاطب المؤمنين، كانت صيغة الغائب.. فهي حديث عن القوم الكافرين ﴿وليتمتعوا، فسوف يعلمون﴾.. بينما صيغة الخطاب في سورة الروم، التي تخاطب بالأساس المتعلقين بالمظاهر كانت بالـمُخاطَب ﴿فَتَمتَّعوا، فسوف تعلمون﴾.
وقريب من هاتين الآيتين في التشابه أيضاً، قوله تعالى في العنكبوت: ﴿وَٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَاۤىِٕهِۦۤ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ یَىِٕسُوا۟ مِن رَّحۡمَتِی وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ﴾ [العنكبوت: ٢٣]. وفي سورة الروم: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا وَلِقَاۤىِٕ ٱلۡـَٔاخِرَةِ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ فِی ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ﴾ [الروم: 16].
فتأمل كيف كان حضور الآخرة ولقاء الله مناسباً لأهل الإيمان والابتلاء ليتصبروا في الدنيا وليستهينوا بما فيها من العنت؛ فلا ييأسوا من رحمة الله في الدنيا ولا في الآخرة.. وكان كذلك تحذيراً لأهل التعلق بالدنيا والانشغال بها من أنهم يغفلون عنه، وأنهم يعرضون أنفسهم للعذاب!
وفي السورتيْن خطٌّ ناظمٌ عامٌ، وهو: الزمن.. كيف ذلك؟!
إنك إن تأملت رأيت سورة العنكبوت تفيد معنى واضحاً يقول: البلاء مهما بدا طويلاً فإنه قصير.. والطغاة الجبابرة مهما تمكنوا زمناً فإنه في الحقيقة ضئيل..
فسورة العنكبوت تبث في نفس قارئها أن آلة الزمن تعمل بسرعة.. ما يلبث الطغاة أن ينتقلوا ويتبدلوا ويذهبوا مع ريح الزمان وتنطوي صفحاتهم مع التاريخ..
وأما سورة الروم، فهي تضرب المثل بهؤلاء الذين لم يفهموا هذا المعنى وتعلقوا، أو بالأحرى: وعلقوا بزمنهم الحاضر ولحظتهم الآنية، فغفلوا عن الزمن، فاغتروا وخُدِعوا، ولن يستفيقوا إلا يوم القيامة حين تكون الصدمة الصاعقة..
تأمل في سورة العنكبوت تجد أنها على هذا النحو..
حكايات سريعة عن الأنبياء، ليس فيها حوار بين الأنبياء وأقوامهم، وليس فيها أخذ ورد وجدال.. إلا عبارة أو عبارتيْن مع إبراهيم ولوط!
حتى نوح، أطول الأنبياء عمراً، انطوت حكايته كلها في آيتين ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِیهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِینَ عَامࣰا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَـٰلِمُونَ * فَأَنجَیۡنَـٰهُ وَأَصۡحَـٰبَ ٱلسَّفِینَةِ وَجَعَلۡنَـٰهَاۤ ءَایَةࣰ لِّلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [العنكبوت: 14-15].
كيف انطوت ألف سنة في عبارتيْن سريعتيْن هكذا؟!.. ذلك الذي أقوله لك في معنى الزمن كما يظهر في سورة العنكبوت.. آلة زمن سريعة، وصورٌ متتابعة!
﴿وَإِلَىٰ مَدۡیَنَ أَخَاهُمۡ شُعَیۡبࣰا فَقَالَ یَـٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱرۡجُوا۟ ٱلۡیَوۡمَ ٱلۡـَٔاخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِینَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُوا۟ فِی دَارِهِمۡ جَـٰثِمِینَ﴾ [العنكبوت: 36-37].
ثم تتابع الصور.. الحكايات الطويلة توجز في كلمات..
﴿وَعَادࣰا وَثَمُودَا۟ وَقَد تَّبَیَّنَ لَكُم مِّن مَّسَـٰكِنِهِمۡۖ وَزَیَّنَ لَهُمُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ أَعۡمَـٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِیلِ وَكَانُوا۟ مُسۡتَبۡصِرِینَ * وَقَـٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَـٰمَـٰنَۖ وَلَقَدۡ جَاۤءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ فَٱسۡتَكۡبَرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانُوا۟ سَـٰبِقِینَ﴾ [العنكبوت: 38-39].
حتى العقوبات التي نزلت بالمكذبين، جاءت على هذا النحو من السرعة..
﴿فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَیۡهِ حَاصِبࣰا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّیۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِیَظۡلِمَهُمۡ وَلَـٰكِن كَانُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ یَظۡلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 40].
حتى قصة إبراهيم، لا تذكر الآيات حواراً، بل يقول إبراهيم ما عنده من الرسالة، ثم تأخذ الآيات في إدانة الذين غفلوا عن مبتدأ الخلق ومنتهاه ﴿أَوَلَمۡ یَرَوۡا۟ كَیۡفَ یُبۡدِئُ ٱللَّهُ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ یُعِیدُهُۥۤ إِنَّ ذَ لِكَ عَلَى ٱللَّهِ یَسِیرࣱ * قُلۡ سِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُوا۟ كَیۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ یُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡـَٔاخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ﴾ [العنكبوت: 17-20].
ثم تُختم قصص الأنبياء بهذه الآية العجيبة ﴿مَثَلُ ٱلَّذِینَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِیَاۤءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَیۡتࣰاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُیُوتِ لَبَیۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُوا۟ یَعۡلَمُونَ * إِنَّ ٱللَّهَ یَعۡلَمُ مَا یَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَیۡءࣲۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ * وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَـٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا یَعۡقِلُهَاۤ إِلَّا ٱلۡعَـٰلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 41-43].
هكذا إذن.. سائر ما فعله هؤلاء الطغاة من الحضارات والعلوم والعمران والقصور المشيدة والآثار المهيبة، ليس في ميزان الزمن الحقيقي عند الله إلا كبيت العنكبوت!!
العنكبوت الذي يرهق نفسه في تشييد بيته، فهو يعمل فيه ليل نهار، فما تلبث أن تأتي نسمة من الهواء، أو غمزة إصبع من طفل، حتى تطيح ببنيانه كله في غمضة عين، إنما هو ﴿أوهن البيوت﴾!!
وكان الشيخ عبد الحميد كشك، رحمه الله، كتب في مذكراته يقول: “سمّى الله السورة التي ذكر فيها الطغاة بسورة العنكبوت، ليدل على هذا المعنى”!
فالقصد هنا أن قارئ سورة العنكبوت -التي تتحدث عن الابتلاء- يرى نفسه إزاء مشهد الزمان الذي سرعان ما ينتقل ويتغير، والطغاة الذين يتتابعون في آية وبعض آية.. فما هم إلا كالعناكب التي اجتهدت أن تبني بيوتها، وهي تحسبها خالدة تالدة، فما هي حتى صاروا أحاديث، وطُويت صفحات حضاراتهم، وصار عمرانهم بين مهدوم ومطمور ومطموس ومخرب.. وحتى ما بقي منه شاخصاً، إنما بقي آية ودليلاً وعبرة، تخبر الناس أن بناة هذا كله قد بادوا وماتوا، ولم يستطيعوا أن يخلدوا ولا أن يتمتعوا بما صنعوه!
وأما سورة الروم.. فهي تتوقف عند القوم الذين علقوا في لحظتهم الحاضرة وغفلوا عن الحياة الآخرة.. فالزمن متضخم في أذهانهم وضمائرهم، يحسبون أنه كل الزمن، ويحسبون الحياة الدنيا هي كل الحياة.. فلذلك أخذت السورة تلفت نظرهم إلى ما في هذه الحياة الحاضرة نفسها من آيات ضخمة يجب أن تدلهم على أنها حياة فانية ومتحولة، وأنها تدلّهم على خالق حكيم عليم قد صنع هذه الآيات..
﴿أَوَلَمۡ یَتَفَكَّرُوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَ اتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَیۡنَهُمَاۤ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلࣲ مُّسَمࣰّىۗ وَإِنَّ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَاۤىِٕ رَبِّهِمۡ لَكَـٰفِرُونَ * أَوَلَمۡ یَسِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَیَنظُرُوا۟ كَیۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوۤا۟ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةࣰ وَأَثَارُوا۟ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَاۤ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاۤءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَیِّنَـٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِیَظۡلِمَهُمۡ وَلَـٰكِن كَانُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ یَظۡلِمُونَ * ثُمَّ كَانَ عَـٰقِبَةَ ٱلَّذِینَ أَسَـٰۤـُٔوا۟ ٱلسُّوۤأَىٰۤ أَن كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ بِهَا یَسۡتَهۡزِءُونَ * ٱللَّهُ یَبۡدَؤُا۟ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ یُعِیدُهُۥ ثُمَّ إِلَیۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [الروم: 8-11].
ولذلك جاءت الآيات الكونية صريحة في أن الله هو الخالق: فسبحان الله.. يخرج الحي.. ويخرج الميت.. ومن آياته.. خلقكم.. خلق لكم.. يريكم.. وله من في السموات والأرض.. يبدأ الخلق ثم يعيده.. له المثل الأعلى.. الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم.. وهكذا!
وحتى الإشارة إلى أن الربا مما يكرهه الله (لاحظ أن سورة الروم مكية، ولم يكن الربا قد حُرم) جاءت على هذه الصيغة ﴿وَمَاۤ ءَاتَیۡتُم مِّن رِّبࣰا لِّیَرۡبُوَا۟ فِیۤ أَمۡوَ الِ ٱلنَّاسِ فَلَا یَرۡبُوا۟ عِندَ ٱللَّهِۖ﴾ [الروم: 39]. فتأمل في أن القرآن، ومنذ العهد المكي، ينصب ميزانيْن: ميزان الدنيا وميزان الله.. فالمال الذي يبدو كثيراً في ميزان الدنيا ليس كذلك في ميزان الله، بل العكس صحيح ﴿وَمَاۤ ءَاتَیۡتُم مِّن زَكَوٰةࣲ تُرِیدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ﴾ [الروم: 39].. فالذي يقرض بالربا لن يجد ذلك في الآخرة، ولكن الذي يتصدق فيبدو كأنه خسر ماله في الدنيا فهذا الذي سيجده مضاعفاً يوم القيامة!
حتى من ظنَّ أن الانشغال بالدنيا سينتج عمارتها ونهضتها، تأتيه الآية فتقول ﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَیۡدِی ٱلنَّاسِ لِیُذِیقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِی عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمۡ یَرۡجِعُونَ﴾ [الروم:41].. فصلاح الدنيا وعمارة الأرض على الحقيقة لن تكون صحيحة ونافعة إلا لو كانت على يد الذين ينشغلون بالآخرة!!
لقد صوَّر الله المنشغلين بالدنيا تصويراً عجيباً.. صَوَّرهم كالموتى! وكالصُم الذين ينطلقون هاربين ولا يسمعون ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَاۤءَ إِذَا وَلَّوۡا۟ مُدۡبِرِینَ * وَمَاۤ أَنتَ بِهَـٰدِ ٱلۡعُمۡیِ عَن ضَلَـٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن یُؤۡمِنُ بِـَٔایَـٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [الروم: 52-53].
ثم تأتي الآية التي تقرب صورة الحياة كلها بأقرب تشبيه.. فالدنيا كلها مثل الإنسان الواحد، ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِی خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفࣲ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفࣲ قُوَّةࣰ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةࣲ ضَعۡفࣰا وَشَیۡبَةࣰۚ﴾ [الروم: 54]. قانون الزمن لا يقف له أحد..
لو كان أحدٌ يملك أن يقبض على الدنيا لكان أهون عليه أن يقبض على أيامه هو، وأن يمنع فِعْل الزمن في نفسه هو.. لو أنه استطاع أن يمنح جسده القوة ليكبر، أو يمنع جسده من أن ينحط إلى الشيخوخة بعدما كبر، لو أنه استطاع ذلك فلربما كان مفهوماً أن يفكر في أن يحتفظ بالدنيا ويقبض عليها.. ولكن هيهات!
من عجز عن تدبير أمر نفسه وجسده فهو عما فوقها أعجز وأصغر وأضأل وأقل!
ولقد سمعت بعض إخواننا ومشايخنا يذكر أن سر تسمية هذه السورة بسورة الروم هو هذا المعنى: الغربيون (وهم الروم) هم أصحاب الحضارة المادية التي غرقت في متع الدنيا وملذاتها، ولم تحفل كثيراً بالدار الآخرة.. فطالما أنهم أقوياء متمكنون فهم يتشربون الدنيا ويترعون بها، ولا يفكرون في الآخرة.. منذ اليونان والرومان وحتى نسختهم الحديثة المعاصرة!
وهذا القول لمع في ذهني حين لاحظت أن سورة الروم هي السورة الوحيدة في كتاب الله التي جاءت فيها آية تقرن العلم بالإيمان، لأن العلم وحده بغير إيمان إنما يكون سبباً في الغفلة والانشغال بالدنيا، فحين يتفاجأ المنشغلون في الدنيا بيوم القيامة يسمعون هذه العبارة: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِیمَـٰنَ لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِی كِتَـٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِۖ فَهَـٰذَا یَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ وَلَـٰكِنَّكُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: 56].
وهنا يتذكر المرء الآية التي في أول السورة ﴿یَعۡلَمُونَ ظَـٰهِرࣰا مِّنَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]. فهؤلاء الذين أوتوا العلم بالدنيا، ولم يكن عندهم إيمان فوجئوا بالحقيقة الصادمة الصاعقة.. يوم البعث..
ولكن، كيف شعروا ساعتها؟!
هذا ما تخبرنا به الآية السابقة: ﴿ وَیَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ یُقۡسِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ مَا لَبِثُوا۟ غَیۡرَ سَاعَةࣲۚ﴾ [الروم: 55].
ها هي الآن حقيقة الزمن.. الزمن في ميزان الدنيا، والزمن الحقيقي.. سيكتشف الذين انشغلوا بالدنيا أنها كانت قصيرة.. قصيرة جداً جداً.. بل إنهم سيُقسمون على ذلك! ويا لها من صدمة ومن صعقة ومن هول رهيب وموقف شديد شديد شديد!!
وهكذا يأتي الختام ﴿فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقࣱّۖ وَلَا یَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِینَ لَا یُوقِنُونَ﴾ [الروم: 60].
تلك الحياة هي معركة بين الذين يوقنون، والذين لا يوقنون.. من يوقنون بأن الزمن أوسع من اللحظة الحاضرة، وأن المنتهى في يوم القيامة، ولهذا فهم يصبرون على البلاء ولا تغرهم الحياة ولا يستخفنهم سطوة الذين علوا في الأرض..
إن حقيقة البلاء وحقيقة الصبر مكنونة في حقيقة الإيمان بأن هذه الدنيا ساعات، وأن هذا البلاء ساعات، وأن الأجر يقينًا موجود في يوم القيامة.. وكما قال الإمام ابن القيم نقلاً عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية: “بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين”، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَىِٕمَّةࣰ یَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا یُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].





