
في سبيل الجهاد
مارس 26, 2026
3 شهداء بالضفة وتحذيرات من تهجير 200 عائلة بالقدس
مارس 28, 2026(توفي في 27 رمضان 393هـ)
رينهارت دوزي
المستشرق الشهير المتخصص في الأندلس*
في ربيع ۱۰۰۲م قام المنصور -وقد اقتربت نهايته- بآخر حملة له، وكان يتمنى على الله دائماً أن يلقى ربه ومنيّته في ساحة الوغى، وكان شديد الإيمان بإجابة دعائه هذا، حتى لقد كان يستصحب معه على الدوام كفنه الذي خاطته له بناته، ولم يدفع في هذا القماش غير المال المحمول إليه من ضيعته المحيطة ببيته الموروث في (طرش)، ليكون منزهاً عن كل حرام، وأمر ألا يدفع فيه شيء من مال متحصل عليه من غير هذا الوجه.
وكلما دنا من الشيوخة ازداد تعبداً، ولما كان القرآن الكريم يشير إلى أن الله عاصم من النار وجوه الذين عفروا أقدامهم بتراب الجهاد.. فقد جرت عادة المنصور -كلما بلغ محلة من المحلات- أن يبادر إلى جمع ما يكون قد علق بثيابه من التراب ويحتفظ به في صرة أعدها لهذا الغرض وحده. ولما حضرته المنية أمر أن يجعلوا هذا التراب معه في لحده عسى أن تكون المشقة التي تكبدها في جهاده شفيعاً له عند رب العرش.
ولقد تكللت بالنصر حملته الأخيرة التي شنها على (قشتالة)، شأنها في ذلك شأن جميع حملاته السالفة، وتوغل حتى بلغ Canales ودك دير القديس أملين حامى قشتالة، كما خرب قبل ذلك بخمس سنوات كنيسة حامي غاليسية، وفي أثناء عودته اشتد به المرض، ولما كان سيء الظن بأطبائه الذين لم يتفقوا على تشخيص كنه علته أو كيف يكون برؤه منها.. فقد أصر على رفض كل ما أشاروا به عليه من علاج، يقيناً منه بأنه غير ناج من الموت، وقعد به الداء حتى أعجزه عن امتطاء جواده، فحمل في مِحفة وقاسى الآلام الشداد حتى كان يقول: “إن زمامي يشتمل على عشرين ألف مرتزق ما أصبح فيهم أحد أسوأ حالة مني”.
وظل ابن أبي عامر محمولاً على ظهور الرجال أربعة عشر يوماً حتى أدرك مدينة سالم، لا يشغل باله سوى خاطر واحد هو أن سلطته كانت مضطربة على الدوام غير ثابتة الدعائم وتقابل بالمعارضة، وعلى الرغم من انتصاراته الجمة وشهرته المدوية إلا أنه كان يخشى حدوث ثورة بعد موته تطوح بكل ما لأسرته من البأس، واستبد به هذا الخاطر فعكّر عليه صفو أيامه الأخيرة فدعى إلى سريره ابنه البكر عبد الملك وألقى إليه بتعاليمه ووصاياه. لقد أوصاه أن يكل قيادة الجيش إلى أخيه عبد الرحمن، أما هو فيمضي إلى قرطبة ليأخذ أزمة الأمور في يديه، وأن يبادر إلى قمع كل محاولة يراد بها إثارة الفتنة، فوعده عبد الملك باتباع نصائحه والعمل بإرشاداته.
غير أن اضطراب المنصور كان قد بلغ درجة وصل الأمر معها أنه كلما هم ولده بالعودة -حين يحسب أن أباه قد فرغ من حديثه- أرجعه المنصور إليه خوفاً من أن يكون قد نسي شيئاً، ولم يكن يعدم في كل مرة نصيحة يضيفها إلى ما سبق أن أوصاه به، وحدث أن بكى الشاب فنهره أبوه وأنبه على جزعه الذي عدّه فاتحة خور، ولما انصرف الابن عبد الملك استجمع المنصور قواه بعض الشيء ودعى إليه قواده الذين كادوا أن ينكروه لشدة هزاله واصفرار وجهه حتى لاح كأنه الشبح، وكاد أن يفقد القدرة على الكلام فودعهم بحديث لا يبين أكثره، وعمد إلى الإشارة يفسر بها ما عجز لسانه عن الإفصاح به.
ثم لم يلبث أن لفظ نفسه الأخير في مساء الاثنين العاشر من أغسطس (۲۷ رمضان ۳۹۲هـ)، ودُفن في مدينة سالم وقد نقش على قبره هذان البيتان:
آثاره تنبيك عن أخباره ** حتى كأنك بالعيون تراه
تالله لا يأتي الزمان بمثله ** أبداً، ولا يحمي الثغور سواه
أما الكلمة التي أودعها راهب مسيحي في حولياته فلم تكن أقل بياناً عن هذين البيتين؛ إذ يقول فيها: “في سنة ١٠٠٢م، مات المنصور وذهب إلى الجحيم”. ولا شك أن هذه الكلمات البسيطة التي أملتها على الراهب كراهيته لعدو موسد في الثرى هي أفصح في تقدير مكانته من المراثي الطنانة التي قيلت فيه.
والواقع أنه لم يكن لنصارى الجزيرة خصم كهذا الخصم، فقد شن المنصور عليهم أكثر من خمسين حملة (إذ كان من عادته أن يغزو غزوتين كل سنة، إحداهما في الربيع والأخرى في الخريف)، وقد خرج منها كلها ظافراً، وإذا أسقطنا من حسابنا ما هدمه من البلدان التي كان من بينها ثلاث عواصم: ليون وبانبلونة وبرشلونة؛ فقد خرب كذلك هیکلي: حامي غاليسية وقديس قشتالة، ويقول أحد المؤرخين النصاري: “في هذا الوقت البعيد اندثرت العبادة الربانية من إسبانيا وتضاءل كلياً مجد خدام المسيح، ونُهبت أموال الكنيسة المتجمعة خلال عدة قرون”.
ولقد أصبحت قلوب النصارى ترجف لذكر اسمه، وطالما أنقذه هذا الذعر الذي بثه فيهم من أخطار دفعته إليها جرأته، حتى لم يكونوا يجرؤون على الانتفاع بالظروف التي يتهيأ لهم فيها أن يكون تحت أيديهم وفي متناولهم..
فقد حدث ذلك مرة أن سلك شِعباً ضيقاً بين جبلين شاهقين ودخل في أرض العدو ومضى جنده ينهبون ويخربون ذات اليمين وذات الشمال، ولم يجسر المسيحيون على النهوض إليهم لمقاومتهم، فلما قفل المنصور راجعاً رأى أعداءه قد استولوا على ذلك الممر وعدم المسلمون الوسيلة لدفعهم، وأدرك ابن أبي عامر حرج موقفه فدبر خطة حازمة وظل يبحث حتى هداه البحث للعثور على ناحية ملائمة ابتنى بها عدة دور ومنازل، ثم أمر بضرب رؤوس جماعة من الأسرى وتكديس جثثهم لتكون متاريس، ولما أخذ فرسانه يذرعون البلد ولم يجدوا طعاماً أمر بجمع آلات الحرث وطلب إليهم فلاحة الأرض، فاشتد جزع أعدائه من تلك الإجراءات العظيمة التي أدركوا منها أن المسلمين عاقدون العزم على ألا يبرحوا بلدهم هذا، فترددوا عليه يسألونه الصلح وأن يخرج غانماً بما أصاب، فرفض المنصور هذا العرض قائلاً: “إن أصحابي أبوا أن يخرجوا، وقالوا إنا لا نكاد نصل إلى بلادنا إلا وقد حان وقت الغزوة الأخرى، فلنقعد هاهنا حيث نحن إلى أن يحين وقت الغزو، فإذا غزونا عدنا إلى بلادنا”.
وبعد عدة مفاوضات أذعن النصارى ورضوا أن يذهب المنصور بغنائمه ودفعهم ذعرهم منه إلى أن تكفلوا له بمدّه بدواب الحمل لنقل ما غنمه، وبالميرة حتى يبلغ الأطراف الإسلامية، وتعهدوا أن ينحوا الجيف التي تسد عليه الطريق.
وحدث في مرة من مرات العودة من إحدى الحملات أن نسي حامل الراية رايته وتركها مركوزة على قمة جبل مشرف على إحدى المدن المسيحية، فظلت الراية مكانها أياماً لم يجرؤ النصارى على التقدم نحوها ليروا هل رحل المسلمون أم لا زالوا مقيمين.
ويقال أيضاً إن رسولاً من قِبل المنصور وصل إلى بلاط غرسية ملك نفارة، فبولغ في الحفاوة به، ثم وجد في إحدى الكنائس عجوزاً مسلمة ذكرت له أنها أُسرت في صباها ولازالت رهن الأسر في تلك الكنيسة، وتوسلت إليه أن يروي للمنصور خبرها، فوعدها الرسول الذي قص على الوزير خبر سفارته، فلما فرغ من تقريره سأله المنصور عما إذا كان قد أبصر في نفارة أمراً استنكره؟ فأفضى إليه بخبر الأسيرة المسلمة، فصاح به المنصور: “ويحك! كان عليك أن تبتدرني بهذا الخبر”. وجهّز في لحظته حملة تقدمت إلى حدود نفارة، فاشتد جزع غرسية وأنفذ إليه في ساعته رسالة يستفسره فيها عما اقترف من الذنب؟ لأنه لم يكن يرى أنه جاء بشيء يهيج حفيظته، وإذ قال الوزير للرسل الذين حملوا إليه هذا الخبر: “كان قد عاقدني ألا يبقى بأرضه أسيراً ذكراً كان أو أنثى، وقد بلغني بعدُ مُقام فلانة بتلك الكنيسة، والله لا أنتهي عن أرضه حتى أمسحها”.
فلما وقف غرسية على جواب المنصور بادر فأرسل إليه المرأة التي طلبها وكذلك أخرتين هداه إليهما البحث، وأقسم في الوقت ذاته إنه لم يرَ أبداً هؤلاء النسوة، ولم يبلغه خبرهن من قبل، وأعلمه أنه أمَر بهدم الكنيسة التي أشار إليها المنصور.
ولقد بلغت إسبانيا زمن المنصور من القوة درجة لم تتهيأ لها أبداً من قبل، حتى ولا زمن عبد الرحمن الناصر، ويرجع الفضل في ذلك إلى الجيش الذي أنشأه المنصور ودربه على الطاعة والامتثال لأمره، ولم تقتصر خدمة المنصور على هذه الناحية فحسب بل لقد كان يعمل على نشر الحضارة وأدى لها خدمات جمة.
وكان المنصور يتفحص كل أمر جلّ أو تفه، وكان إذا أراد الأقدام على أمر هام استشار في العادة أهل الحل والعقد وإن كثرت مخالفته لمشورتهم، إذ لم يزِد هؤلاء الرجال أبداً عن كونهم رجالاً عاديين قد استعبدتهم العادة والعرف المألوف، فهم يعرفون ما عمله عبد الرحمن الناصر أو الحكم الثاني في ظروف مماثلة لظروفهم، ولا يؤمنون بقدرة امرء على سلوك سبيل غير السبيل التي سلكها مَن قبلهم، كانوا إذا رأوا المنصور قد خالف مشورتهم إلى نهجه الخاص أيقنوا بفشله، ثم تبرهن الأحداث على خطئهم الفادح.
غير أن العدل يقتضينا أن نذكر إلى جانب ذلك أنه كان وفياً كريماً عادلاً، طالما كانت أطماعه غير خطرة، فإن كان الأمر هكذا فالصرامة -كما قلنا- أساس شخصيته. وكان إذا صمم على شيء استحال صرفه عنه.
لم يكن الألم الجثماني ليقعد المنصور عن طلبه الشيء وإلحاحه فيه؛ فقد حدث ذات يوم أن كان به داء في رجله، فأخذ يكويه أثناء اجتماع مجلس المشورة ومضى يتكلم كأن ليس ثَم شيء، وما كان لأحد من الجالسين أن يعرف ما يحدث لولا أن تصاعدت رائحة الجلد المحترق، وهكذا كان كل ما فيه صورة للقوة والثبات العجيبين، وكان ثابتاً في محبته ثبوته في كراهيته، فلم ينسَ لأحد قط معروفاً أسداه إليه، ولم يغفر لأحد ما سيئة ارتكبها ضده، وقد آمن بذلك رفاقه الذين خيرهم وهم شباب ما يختارون من الأعمال فيما لو آلت الوزارة إليه، فحصل الطلاب الثلاثة الذين حملوا كلامه على محل الجد، فسمّوا يومذاك ما يطمعون فيه من وظائف، أما رابعهم الذي سخر به فقد كفر عن حماقته بمصادرة كل ممتلكاته.
غير أن المنصور كان يتغلب في بعض الأحيان على عناده إذا تبين له خطأه، فقد سُئل ذات يوم الصفح عن جماعة من سجنائه، فلما سرح عينيه في القائمة طالعه اسم أحد غلمانه، وكان يضمر له الحقد الدفين وقد مضت عليه في الحبس فترة طويلة بلا جريرة تبرر كل هذا العقاب، فكتب على الهامش: “لا سبيل إلى إطلاقه حتى يلحق بأمه الهاوية“، ثم جاء الليل وطلب النوم فاستعصى عليه ووخزه ضميره، وبينما هو بين المنام واليقظة خُيل إليه أنه رأی آتیاً کریه الصورة عنيف الأخذ يأمره بإطلاق سراح الغلام ويتوعده بحبسه هو، وحاول عبثاً طرد هذه الأفكار السوداء عنه، وذلك حمله على أن بعث في طلب الورق وهو في فراشه وكتب بإطلاق سراح السجين، وكتب هذه العبارة: “هذا طليق الله على رغم أنف ابن أبي عامر”.
ولقد ذهب إيثاره العدل مذهب المثل السائر، فكان يحب تنفيذ العدالة دون رعاية لأحد ما، ولم يدع لعطفه على بعض الناس مجالاً يطغى عليه فيجعلهم بمنجاة من القانون..
حدث أن وفد عليه رجل من العامة وقال له: “يا ناصر الحق، إن لي مظلمة عند ذلك الوصيف الذي على رأسك”، وأشار إلى فتى صقلبي يحمل الدرقة وكان أثيراً عند المنصور، ثم تابع كلامه فقال: “وقد دعوته إلى القاضي فلم يأت”، فقال المنصور: “أو عبد الرحمن بن فطيس بهذه المنزلة من العجز والمهانة وكنا نظنه أمضى من ذلك؟ اذكر مظلمتك يا هذا!” فروى له الرجل كيف تعاقد مع الصقلبي الذي بدى له أن ينقض ما أبرم، فلما فرغ من كلامه قال المنصور: “ما أعظم بليتنا بهذه الحاشية”! ثم التفت إلى الصقلبي الذي ارتعدت فرائصه خوفاً وقال له: “ادفع الدرقة لغيرك وانزل صاغراً، وساوِ خصمك مقامه حتى يرفعك الحق أو يضعك”، ثم قال لعامل الشرطة: “خذه إلى صاحب المظالم ليقضي فيه بما يوجبه الحق عليه”.. فانتصف القاضي للرجل الذي عاد إلى المنصور شاكراً له يده، فقال له الوزير: “ قد انتصفت أنت فاذهب لسبيلك، وبقى انتصافي أنا ممن تهاون بمنزلتي”.
وحدث فى مرة أخرى أن تخاصم أكبر خدمه مع تاجر مغربي فاستدعى القاضي الخادم للحضور أمامه لحلف اليمين، فكبر عليه أن يقف ويقاضى، وفي ذات يوم بينما كان المنصور فى طريقه إلى المسجد وفي صحبته رئيس خدمه هذا إذا بالتاجر المغربي يدنو منه ويقص عليه ما حدث، فأمسك الوزير لساعته بخادمه وأمره بالشخوص إلى القاضي، فلما ثبتت إدانته صرفه المنصور عما بيده.
وقصارى القول إنه إذا كانت الأساليب التي اصطنعها المنصور للاستيلاء على السلطة قد تجرمه وتدينه، إلا أنه يجب الاعتراف بشرف سيرته ونبل خطته حينما استتب له الأمر، ولو كان القدر أتاح له أن يولد في مهاد الملوكية لما أسرف الناس في لومه إلى هذا الحد على ما اقترفه من الأعمال، ولربما عدوه إذ ذاك أحد الأمراء العظام الذين يبجلهم التاريخ ويحفظ ذكراهم، غير أنه لما كان قد أطل على الحياة في بيت ريفي قديم، فقد اضطرته الرغبة في تحقيق هدفه إلى سلوك سبيل جم العثرات والمزالق.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
- رينهارت دوزي، المسلمون في الأندلس، ترجمة وتعليق: د. حسن حبشي، ط (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994م)، 2/ 145 وما بعدها.





