
تصعيد صاروخي ضد الاحتلال وإصابات بالداخل المحتل
مارس 26, 2026
الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر
مارس 27, 2026العلامة: أبو الحسن الندوي
رحمه الله
بدأ المسلمون في الهند على مر الأيام يتجردون عن صفات الفروسية، وأخلاق الأمم الفاتحة التي امتازوا بها في الماضي، وفتحوا بها هذه البلاد الواسعة بجيش قليل وعدد ضئيل، وفشت فيهم الرخاوة والرقة، وأخلدوا إلى الراحة والتنعم، وضعفت فيهم الحمية الإسلامية، والغيرة الدينية، فكان الثعبان الإنجليزي يبتلع بلاد المسلمين بلداً بعد بلد، وقطعة بعد قطعة، وهم منغمسون في شهواتهم، عاكفون على لذاتهم، لا يحرك ذلك منهم ساكناً، ولا يقض مضجعاً.
وتفاقم هذا الداء، حق بدأوا ينظرون إلى حياة الفروسية، وخلال الفتوة، وإلى السلاح وعدة الحرب بعين الاحتقار والازدراء، ويعتبرونها شعاراً للجهال والأجلاف، ورعاع الناس، ويعتقدون أن ذلك لا يجتمع مع العلم، والعبادة والوقار .
وكان السيد قد ملكته فكرة الجهاد في سبيل الله، وتحرير بلاد المسلمين من المغتصبين وإعلاء كلمة الله، وإعادة مجد الإسلام، واستولت على مشاعره وأعصابه، وأصبحت له الشغل الشاغل، والهم الوحيد، فكان أكثر حديثه عنه، وأكبر اهتمامه به، وأعظم اعتنائه بما يعينه على ذلك .
وشغف بالتربية الحربية، والرياضات البدنية منذ ريعان الشباب، كان أكثر لعبه وتسليته بالمعارك الحربية التي يقيمها مع أقرانه وأترابه من غلمان قريته، وشباب عشيرته، ودخل في سنة ۱۲۲٧هـ في جيش القائد المسلم الشهير نواب میرخان مؤسس إمارة (تونك) الاسلامية، وخاض معه في حروب دامية، ومعارك فاصلة، ورافقه في مغامراته ليتمرن على الحرب، وعلى قيادة الجيوش، وليحقق بها أمنيته اللذيذة العزيزة، وهي إجلاء الغاصبين، وإقامة حكومة إسلامية شرعية، ولم يفارقه إلا حين صالح القائد الإنجليز، وقبل أن يكون أميراً في منطقة صغيرة.
وقد أثرت هذه الرغبة، وهذا الذوق الذي غلب على كل ذوق في أصحابه ورفاقه، وسرى فيهم، فتحولت القرية الهادئة -التي لم تعرف في الأيام الماضية إلا العبادة والذكر والتسبيح- إلى ثكنة، ومركز تربية حربية، فلا ترى فيها إلا التمرن على الرمي وإطلاق النار، والمسابقة في أنواع الفروسية وما ينفع في الحرب، يسهم فيها العلماء، والأساتذة الكبار، وأبناء البيوتات الشريفة، وكبار الأغنياء، والجهال والأميون، والشباب والكهول.
وكبر ذلك على بعض العلماء والعباد الذين قصدوه من أنحاء بعيدة، لينصرفوا إلى حياة الزهد والعبادة، والانزواء والتبتل وحنوا إلى العهد السابق حين كنت لا تسمع إلا دوياً كدوي النحل، وأزيز كأزيز المرجل، وكلموه ولكنه لم يجب طلبهم، وأفهمهم أن ذلك أفضل، وأن المسلمين إلى ذلك أحوج، وذكر لهم ما ورد في فضل الرباط في سبيل الله، وعين تحرس وقدم تُغير في الجهاد.
فاقتنعوا، ورافقوا إخوانهم في الاستعداد للجهاد1.
ولما زار السيد (لكناؤ) في سنة 1243هـ وعليه سلاحه.. قال له أحد الضباط الكبار، وهو عبد الباقي خان: “يا سيدي! إن كل أمرك حسن جميل إلا شيئاً واحداً تلازمه، إن ذلك لم يفعله أحد من أجدادك الكرام، وأنت من بيت دين وصلاح، ومشيخة وعلماء، وكان يجمل بك أن تقلدهم في زيهم وشعارهم وأساليب حياتهم، ولا تأتي بشيء جديد، ولا تفعل ما لم يفعلوه” .
قال السيد: “ما هو ذاك يا شيخ عبد الباقي خان؟!”
قال الضابط: “هذا السلاح الذي تلازمه، وتخرج فيه دائماً، إنه شعار الجهال الأجلاف، إنه لا يجمل بك، ولا يليق” .
واحمر وجه السيد غضباً، ورؤيت الكراهة في وجهه، ولكنه ملك نفسه وقال: “سامحك الله أيها الضابط الكبير، فما أصبت القول، وما هُديت إلى الرشد، وحسبك في هذه الساعة، أن هذه هي أسباب الخير التي أكرم الله بها أنبياءه ليقاتلوا بها الكفار والمشركين، وكان لنبينا منها النصيب الأكبر، والقسط الأوفر، وظهر الإسلام على كل دين، وانتصر الحق على الباطل، والعدل على الظلم، وأنت وآباؤك مدينون لهذا الجهاد أيضاً، فمن يدري في أي دين كنت أنت وآباؤك، لولا قيام المسلمين في القرون الأولى بالدعوة والجهاد، وماذا كان مصيرك؟!” وسكت الضابط الكبير، وأطرق رأسه حياءاً .
وكان كلما رأى شاباً قوي العضلات مفتول الذراعين تبدو على وجهه مخايل الفتوة والشهامة، فرح واستبشر، وتلقاه بالترحيب، وأنزله منه منزلاً خاصاً، لأنه يرى فيه الغناء في الجهاد .
زاره أربعة فتيان من قرية قريبة، ذوو قامات فارعة، وأبدان قوية، فهش لهم وبسط لهم وجهه، ورفع منزلتهم، وقال: “هؤلاء أحب إليّ من أبناء المشايخ، والشباب المتنعمين، فغناؤهم قليل في ميدان الجهاد ومعترك الحرب، أما هؤلاء فيستطيعون أن ينصروا الإسلام ويكتووا بنار الحرب”.
وتعجب هؤلاء، وكانوا في الجيش يتقاضون رواتب زهيدة، ولم يكونوا على شيء من العلم والثقافة ولم يكونوا يتوقعون هذه الحفاوة والإكرام البالغ، فأحبوا السيد ولزموه، ورافقوه في الهجرة والجهاد، فمنهم من أكرمه الله بالشهادة، ومنهم من طالت به الحياة، فعاش على الدين والصلاح والنصح للإسلام والمسلمين والسعي لإعلاء كلمة الدين .
ـــــــــــــــــــــــــ
* أبو الحسن الندوي، إذا هبت ريح الإيمان، ط10 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1985م)، ص47 وما بعدها
1 اقرأ ما دار من حديث بين الإمام السيد أحمد الشهيد، وبين الشيخ محمد يوسف البهلتي من كبار العلماء وعباد جماعته، في (سيرة سيد أحمد شهيد).





