
الاحتلال يشن حملة اعتقالات وحصاراً على مرابطي الخليل والضفة
نوفمبر 15, 2025
قصة محامي هرتزل
نوفمبر 16, 2025إيرا م. لابيدس
المؤرخ الأمريكي*
فلسطين هي البقعة الوحيدة التي لم تصبح دولة عربية في الهلال الخصيب، عُرقل الأمر جراء الدعم البريطاني للحركة الصهيونية وبسبب قيام دولة إسرائيل.
انطلقت الحركة الصهيونية بنشر كتاب “الدولة اليهودية” لثيودور هرتزل في 1896، رداً على النزعة الروسية والأوروبية الصاعدة المعادية للسامية من جهة، وعلى ذوبان الهوية اليهودية وضياعها من جهة ثانية. كانت الصهيونية، المستوحاة من المثل الأعلى لثقافة قومية يهودية أُعيدت الروح إليها، ومن مجتمع تسووي اشتراكي في كيان سياسي ديمقراطي، تمثل عملية تحويل جماعة دينية إلى أمة متصورة من منطلق تاريخ وإرث ثقافي مشتركين وبحاجة إلى وطن جغرافي.
وهكذا فإن تطور النزعة القومية اليهودية جاء متوازياً مع انبثاق حركات قومية أخرى في شبه جزيرة البلقان والشرق الأوسط مع نهاية القرن التاسع عشر. إن الحالة اليهودية تعقدت لأن اليهود أرادوا تأسيس الوطن القومي في بقعة جغرافية كانوا فيها أقلية بين كتلة سكانية عربية – فلسطينية. مهما يكن، بادَرَ البريطانيون، في 1917، إلى إصدار بيان بلفور ووعدوا بتأييد قيام وطن قومي يهودي في فلسطين. تصور البريطانيون أن من شأن أي وطن قومي يهودي أن يشكل ذريعة لمطالبة البريطانيين بإدارة البلاد. ظن البريطانيون أيضاً أن بوسعهم حشد تأييد اليهود الروس والأمريكيين لمجهودهم الحربي وقطع الطريق على محاولات ألمانية مشابهة. وحين أقدم البريطانيون على هذا إنما أغفلوا التزاماتهم المتضاربة تجاه العرب.
في البداية، سمح البريطانيون بالهجرة وشراء الأراضي، ودافعوا عن الطائفة اليهودية ضد حوادث الشغب، وأجازوا عملية إعادة تنظيم المؤسسات السياسية اليهودية وتشكيل جيش يهودي. كذلك دأب البريطانيون على قمع المعارضة الفلسطينية – العربية (معارضة عرب فلسطين).
في ظل الحكم البريطاني نمت الجالية اليهودية في فلسطين بسرعة. فمع حلول عام 1939 كان ثمة نحو نصف مليون يهودي في ما يقرب من 250 مستعمرة (مستوطنة). كان اليهود محكمي التنظيم عبر المنظمة الصهيونية، والوكالة اليهودية، و”الواد ليومي” أو الهيئة الممثلة لليشوف (الطائفة اليهودية في فلسطين)، والأحزاب السياسية اليهودية، وحركة عمالية يهودية.
تطورت الحركة الفلسطينية من منطلق التصدي لاحتلال فلسطين من قبل البريطانيين واليهود. في 1920 كانت أكثرية عرب فلسطين من الفلاحين. وطبقة وسطى مؤلفة من أطباء ومحامين وصحفيين وموظفي حكومة كانت صغيرة جداً. كان العرب شديدي الانقسام من جراء وجود عدد كبير من العشائر والجماعات ذات الولاءات القبلية، والتمايز الطبقي الصارخ بين إقطاعيين ومستأجرين ومحاصصين، واصطفافات دينية بين مسلمين ومسيحيين على اختلاف مذاهبهم. لم يكن الفلسطينيون العرب، المتمتعون بنوع من الوعي العشائري والديني القوي والعميق، يملكون إلا القليل من الإحساس بالانتماء الوطني والألفة القومية مع القليل من الاستعداد لتنظيم أي حركة وطنية – قومية جامعة.
غير أن الروابط الفئوية الضيقة ما لبثت، في غمرة النضال ضد البريطانيين والصهاينة، أن بدأت تخلي أمكنتها لنوع من الشعور بهوية إقليمية (جغرافية). ففي عشرينيات القرن العشرين قامت نخبة عربية حاولت بناء حركة مقاومة جماهيرية ضد الصهيونية بغرس وعي سياسي فلسطيني. كانت النخبة مؤلفة من فريقين: كان الفريق الأول مجموعة القوميين الذين بادروا في 1918 إلى تشكيل الجمعيات الإسلامية – المسيحية الأولى للاحتجاج على فكرة الوطن القومي اليهودي. كان هؤلاء في البداية متحالفين مع الحركة الوطنية السورية وحالمين بدولة عربية سورية كبرى واحدة. غير أن النشاط الوطني الفلسطيني أقدم، مع حلول عام 1920، على الانفصال عن الحركة العامة. أسس المؤتمر الثالث لعرب فلسطين (الهيئة التنفيذية العربية) التي كانت ستبقى حتى الثلاثينات الجهة الرئيسة الناطقة باسم مصالح عرب فلسطين.
كانت الشريحة النخبوية الفلسطينية الثانية إسلامية. في 1922 أسس البريطانيون مجلساً إسلامياً أعلى لإدارة المؤسسات والصناديق الوقفية وتعيين الموظفين في المرافق الإسلامية، ونصبوا الحاج محمد أمين الحسيني رئيساً للمجلس ومفتياً للقدس. كذلك كان الحسيني أحد أحفاد النبي، وراعي مهرجان النبي موسى الشعبي، وقد أصبح قابضاً على مفتاح التحكم بالهيئة العربية التنفيذية من جهة والمجلس الإسلامي من جهة ثانية.
ومن هذين المنبرين حاول استثارة تأييد الجماهير عن طريق الاحتجاج على ما تشكله الصهيونية من خطر على الأمكنة المقدسة في القدس. عكف الحسيني وأعيان دينيون آخرون على تنظيم معارضتهم من منطلقات إسلامية –المنطلقات الوحيدة المنطوية على أي معنى بالنسبة إلى الكتلة السكانية الفلسطينية– وبدأوا بنشاط على رعاية عدد من المظاهرات: أحداث شغب النبي موسى في 1920، وحملات مقاطعة المجلس التشريعي، وحملة مكافحة بيع الأراضي، وأحداث حائط المبكى في 1929.
حاول هؤلاء جعل فلسطين قضية إسلامية شاملة، قضية تخص جميع المسلمين. إلا أن القيادة العربية كانت في العشرينات شديدة التمزق والتشظي. وفيما كان الحسيني وأتباعه مسيطرين على الهيئة التنفيذية العربية والمجلس الإسلامي، نجح منافسوهم، بقيادة عائلة النشاشيبي، مدعومة بأعداد من رؤساء البلديات، والإقطاعيين، والتجار، في تأسيس الحزب الوطني (1923) لانتزاع قيادة عرب فلسطين. أفضت الانقسامات الفئوية إلى منافسات بالغة المرارة ونسفت إمكانية التحرك المنسق.
في سنواتها الأولى كانت الحركة الفلسطينية مبتلاة أيضاً بتوترات إسلامية-مسيحية. كان المسيحيون قد اضطلعوا بدور كبير في تطوير فكرة القومية العربية وفي تشكل الروابط أو الجمعيات الإسلامية–المسيحية. كما كان لهم باع طويل في مقاومة الاستيطان والاستعمار اليهوديين. كذلك كان المسيحيون ذوي أهمية من حيث قابلياتهم التفاوضية مع الغرب وربما على صعيد الحصول على التأييد من هذا الغرب. ومع ذلك فإن الوحدة بقيت بعيدة المنال.. ظل المسلمون مرتابين من رؤية المسيحيين مضطلعين بأي دور مستقل، كما ظل المسيحيون مسكونين بالشك إزاء الإصرار على تأكيد الرموز الإسلامية. لم يشارك المسيحيون في مظاهرات 1929 المعادية للبريطانيين واليهود.
رغم هذه العراقيل، ثمة تقدم لا يستهان به تحقق في العشرينات. صيغت عقيدة (إيديولوجية) محددة الطابع العربي لفلسطين والحق العربي فيها. استُنفرت رموز مقاومة إسلامية للصهيونية، وبرز أعيان القدس بوصفهم قادة للكتلة السكانية الريفية، ورغم وجود توترات دينية، بات المسيحيون الأرثوذكس يرون أنفسهم جزءاً من الشعب العربي–الفلسطيني.
بداية الحراك ونشأة (القسّام)
شهدت ثلاثينيات القرن العشرين بدايات حركة جماهيرية، ومع أن جسر الصراع الفئوي بين الحسينيين والنشاشيبيين بقي مشتعلاً تحت الرماد، فإن مفهوم تحرك جماهيري مباشر كان يحظى برعاية جماعات شبابية كفاحية مثل: جمعية الشباب المسلم، بقيادة الشيخ عز الدين القسام.
كان القسام هذا يدعو إلى الكفاح ضد الإمبريالية البريطانية والاستيطان اليهودي، وقد أسس جمعية الشباب المسلم في حيفا، ونظّم خلايا مقاومة مسلحة عبأها بإسلام تم إصلاحه، إسلام ضد تعاطي الكحول والمقامرة والدعارة. كذلك كان معارضاً للممارسات الشعبية الدينية مثل الحداد وزيارة القبور، كما للاختلاط بين الجنسين. كان إسلامه إسلاماً طهرياً وشعبياً وكفاحياً، متركزاً على العمل من أجل إنقاذ الأرض المقدسة، مفهومه للجهاد والشهيد كانا يتكرران لاجتذاب الجمهور إلى المشاركة في النضال. في الثلاثينات المطبوعة بالروابط الفئوية والقرابية القبلية جداً، وقبل أن تصبح رموز الهوية العرقية الوطنية ذات جانبية واسعة، فقط الرموز الإسلامية كانت قادرة على تعبئة الجماهير الفلسطينية واستنفارها.
لعب القسام وأتباعه دوراً كبيراً في استثارة انتفاضات 1936 – 1938 العربية. راح المعتصمون، وموظفو الرعاية الصحية، والموظفون الإداريون يعبئون القرويين. ففي 1935 و1936 حدث إضراب وطني بدأته الهيئة العربية العليا وانتشر إلى الأرياف. في طول فلسطين وعرضها، أغار قرويون عرب وأفراد عصابات ومتطوعون من سورية ومصر دون أي توجيه مركزي على مرافق حكومية ومستوطنات يهودية، محاولين الإطاحة بالحكم البريطاني ووقف الاستيطان الصهيوني. الانتفاضات المتقطعة أخمدها البريطانيون في 1938.
تمت إزاحة آل الحسيني عن قيادة المجلس الإسلامي الأعلى؛ وجرى حظر الهيئة العربية العليا وفرض إدارة عسكرية بريطانية. تمثل التكتيك الأساسي لدى الفلسطينيين برفض التعاون مع الإدارة البريطانية وفرض القضية العربية عبر المظاهرات، وحوادث الشغب، وصولاً آخر المطاف، إلى حرب العصابات.
من أواخر الثلاثينيات بدأت بريطانيا تغير سياستها في فلسطين لكسب تأييد العرب في الحرب الوشيكة ضد ألمانيا. في كتاب 1939 الأبيض قرر البريطانيون تقييد الهجرة اليهودية وعمليات شراء الأراضي، مع انتهاء الحرب العالمية الثانية رفضت بريطانيا هجرة جميع اللاجئين اليهود باستثناءات محدودة جداً، رغم الضغوط الأمريكية والصهيونية، وفضلت اعتماد وصاية بريطانية جديدة. كان رد الفعل اليهودي على هذا التغيير في السياسة البريطانية مريراً. كان صعود الحركة النازية والإجهاز على اليهود الأوروبيين في الحرب العالمية الثانية قد ضاعف من تصميم الصهاينة على تأسيس دولة يهودية ملاذ للناجين. خاض اليهود كفاحهم المسلح الخاص ضد الانتداب البريطاني.
عاد الفلسطينيون أيضاً إلى تجميع صفوفهم. عند انتهاء الحرب العالمية الثانية رجع الحسيني من منفاه الأوروبي زمن الحرب ليستأنف قيادة الحركة الفلسطينية، وأخذت الجامعة العربية، وقد تأسست في 1945، زمام المبادرة على صعيد الدفاع عن القضية الفلسطينية. في 1947 تخلت بريطانيا عن الانتداب وقسّمت الأمم المتحدة فلسطين إلى دولتين: واحدة يهودية وأخرى عربية.. بادرت الجامعة العربية إلى مقاومة نشوء أي دولة يهودية بالقوة، إلا أن اليهود تمكنوا في الحرب التي أعقبت قرار التقسيم من إلحاق الهزيمة بالدول العربية ومن تأسيس دولتهم الخاصة “دولة إسرائيل” في 1948.
استوعب شرق الأردن الأجزاء الباقية من فلسطين على الضفة الغربية من نهر الأردن، ووضعت مصر يدها على غزة. إن جزءاً لا يستهان به من الكتلة السكانية العربية في فلسطين، ما يزيد على 700 ألف نسمة، أُجبر على التشرد والذهاب إلى المنافي. تشتتت الفلسطينيون في أجزاء الضفة الغربية لنهر الأردن، وطُردوا إلى شرق الأردن، ولبنان، وسورية، وبلدان عربية أخرى.
ومع أن اليهود انتصروا في الحرب وأسسوا “دولة إسرائيل”، فإنهم لم يستطيعوا أن يفوزوا بالسلام، رفض الفلسطينيون ومعهم الدول العربية الاعتراف بالهزيمة، بقيت الجماهير الفلسطينية في المنافي في مخيمات اللاجئين مع بقاء إسرائيل غير مستعدة للنظر في مسألة العودة.
ــــــــــــــــــ
* إيرا م. لابيدس، تاريخ المجتمعات الإسلامية، 2/ 912 وما بعدها.





