
“الإيكونوميست” تحذر من تضخيم التـ.ـهديد الإسلامي في أوروبا وصعود اليمين المتطـ.ـرف
سبتمبر 21, 2026
كوريا الجنوبية تقدم 5 ملايين دولار لإغاثة الروهينجا
سبتمبر 22, 2026
من مذكرات جنود الحملة الفرنسية
بقلم: تيري كرودي* – مؤرخ فرنسي
انسحب الفرنسيون انسحابًا مذلاً بعد فشلهم في اقتحام عكا، لم يماثله إلا انسحابهم مجددًا من أمام موسكو عام ١٨١٢. وعقب قرار بونابرت برفع الحصار عن عكا، استدعى كبير أطبائه ديجنيت Desgenettes، وطالبه بإعداد خطة لإخلاء الجرحى والمصابين بالطاعون. وسجل بيرنويه Bernoyer رد الطبيب، الذي حدد مصير عدد كبير من الجنود:
“جنرال: في الواقع أنا لا أرى أية إمكانية لإخلائهم. إذ ليس من الحكمة أبدًا افتضاح نبأ تفشي هذا المرض الرهيب في صفوف جنودنا. ولا أرى أي أية وسيلة أخرى سوى أن نتركهم هنا لمصيرهم سبيلاً للتعامل مع هذا الوضع الخطير.. أقرُّ بأن قرارًا كهذا هو قرار قاس كما أنه يفتقر إلى الإنسانية، ولكن الضرورات تبيح المحظورات.. ومن المؤكد أنه ليس أمامنا خيار آخر، إلا أنه بإمكاننا أن نخفّف عنهم باتخاذ إجراء وحيد، وهو أقل وحشية على كل حال. إذ بمجرد أن يدرك العدو انسحابنا، فسوف يبادر إلى احتلال مخيمنا ومستشفياتنا. ومن ثم سيقدم على ذبح أولئك الجرحى والمصابين -الذين سيقعون في أيديهم لا محالة- دون رحمة. لذا يمكننا أن نلجأ إلى خيار “الموت الرحيم” الذي يمكن أن يتم على أيدينا نحن. وبدون ذلك فإننا يمكن أن نُعرّضهم لمعاناة أكبر بكثير. أعتقد، والحالة هذه، أنه في سبيل إنقاذهم من المعاناة على يد عدو همجي، وباسم الإنسانية لابد لنا من وضع كمية كافية من الأفيون في المرق، عشية يوم الانسحاب، ليرقدوا على أثرها إلى الأبد”.
وعلى الرغم من تلك المزاعم التي اصطُنعت من قبل أولئك الذين أقدموا على ذلك، ثم تنصّلوا من الأمر برمته لاحقًا، فقد تم الاتفاق على هذا الإجراء القاسي ونفذ سهم القضاء. فقد سجلت مذكرات كليبر Kléber ما نصه: “لقد اقترح الضباط من الأطباء إعطاء الأفيون للمرضى”…
ويبدو أن هذا المشهد قد تكرر كثيرًا وفقًا للجنرال كليبر الذي ذكر ما نصه: “دعا أحد المشاة من الفوج التاسع عشر -الذين تفشى فيهم الطاعون- واحدًا من رفاقه، وتوسل إليه أن ينهي حياته. ومع الكثير من الحزم ورباطة الجأش، أدى له رفيقه هذه الخدمة”.
ووصف الرقيب بونيفونس Bonnefons مشهدًا يائسًا مماثلاً:
“كان مشهدًا يُرثى له حقًا، فرؤية هؤلاء الرجال من أنصاف الموتى، وهم يطلبون منك باسم الإنسانية مدّ يد العون وعدم التخلي عنهم وتركهم لمصيرهم التعس. وعلى الرغم من الوزن الهائل من الذخائر فقد حملنا كثيرًا منهم على عربات المدفعية، وقد أدى هذا إلى تباطؤ مسيرتنا إلى حد كبير”.
وتم توزيع المرق -الذي وُضع فيه الأفيون- على المصابين بالطاعون في مستشفى جبل الكرمل عشية انسحاب الجيش. سمع فيرتراي Vertray شائعات من هذا القبيل:
“لقد سقط عدد كبير [من المرضى] في أيدي الإنجليز. أما بعضهم الآخر، فقد قيل لي إنهم أصيبوا بالتسمم بناءً على أوامر بونابرت. أما بالنسبة لي، فلست على يقين من أنه تم تنفيذ هذا الأمر الوحشي، لكنني أعرف أن العديد من المرضى كانوا يعرفون ما ينتظرهم، فقد هربوا من المستشفى وسبحوا وسلموا أنفسهم إلى السفن البريطانية”.
بيد أن القاطع البات في هذا السياق كان رواية بيرنويه Bernoyer التي أخذها من فم الجندي لالمان Lallemand، الذي كان قد غادر المستشفى ونجا بحياته في الأخير:
“أخبرني لالمان Lallemand أنه تم توزيع المرق المسمم بالأفيون على الجنود المصابين بالطاعون عشية انسحاب الجيش. إلا أن الأب يافرين Yvarin، من أفينيون Avignon، كان يعرفه جيدًا، قد حذره من شربه. لذا فقد سكب الحساء في وعاء عنده ولم يتذوقه البتة. وفي الليل تناقل المرضى الأخبار عبر غرف المستشفى أن بونابرت وجيشه قد رفعوا الحصار عن عكا؛ فاستحوذ الخوف على الجميع وتملك لالمانLallemand شعورًا بالرعب من هذا الوضع، ثم انتابه شعور بالأسف المصحوب بالمرارة لأنه لم يشرب ذلك الحساء الذي كان من شأنه أن يضمن له موتاً رحيماً، مما قد يعفيه من العذاب في مذبحة متوقعة على يد عدو همجي. ومع تلك الخواطر المرعبة، فقد حزم أمره وصمّم على شرب الحساء. بيد أن الجهد الذي بذله في البحث عن الوعاء الذي وضع فيه المرق البارحة تسبب في تشنج كلّي بجسده، وسرعان ما شعر بأن الدمامل والثآليل التي تسبب بها الطاعون قد فُتحت من جديد، واستولى عليه شعور بالألم المبرّح. ونتيجة لذلك فقد الوعي لفترة امتدت حتى فجر اليوم التالي، ثم لم يلبث أن استيقظ على صوت الجلبة التي انتشرت في أرجاء المستشفى. حيث فتح بعض الأتراك باب غرفته بصخب، ودخلوا وسيوفهم مشرعة في أيديهم.
لقد أكد لي لالمان Lallemand، أنه قد احتسب نفسه في عِداد الموتى عندئذ. ثم لم يلبث -بعد أن لاحظ عن كثب تحركاتهم- أن رأى تعبيرًا في وجوههم ينمّ عن الشفقة، وبينما استولت المفاجأة الممزوجة بالرعب عليه وعلى العديد من المرضى والمحتضرين، رفع الأتراك أيديهم إلى السماء، وألحوا في الدعاء برفع هذه الكارثة. ثم أرسلوا على الفور في طلب الماء الساخن وطالبوا أولئك المرضى الذين يشعرون بالبرد بشربه.
لقد نجا أولئك الذين قاوموا شرب الحساء المسموم؛ حيث تماثل للشفاء قرابة أربعين شخصًا بسبب عناية الأتراك. كما زارهم مفوض من قبل الحكومة الفرنسية بصحبة جراح، فأما الذين تعافوا فقد خُيّروا بين أمرين: إما أن يدخلوا في خدمة الدولة العثمانية، أو أن يتم نقلهم إلى أقرب مركز فرنسي. فاختارت الأغلبية الدخول في خدمة الدولة العثمانية، وسرعان ما أصبحوا أكثر أعدائنا مهابةً وخوفاً بالنسبة لنا. أما بالنسبة للالمان Lallemand، فقد فضَّل العودة إلى فرنسا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أخذت هذه المقالة من كتاب “جيش الشرق” للمؤرخ الفرنسي تيري كرودي الذي جمع عدداً من شهادات جنود الحملة الفرنسية على مصر والشام. تيري كرودي، جيش الشرق: الجنود الفرنسيين في مصر، ترجمة: د. أحمد العدوي، ط1 (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، يناير 2017م)، ص166 وما بعدها.





