
حشود من النازحين تبدأ العودة غزة
أكتوبر 10, 2025
وجدت النور من رحم الظلام
أكتوبر 11, 2025خالد الأحمر الأنصاري
سفير شباب الأنصار – سفينة آسيا/ الغوث
في ظل الحرب الهمجية البربرية على غزة المكلومة الجريحة، في هذا العالم الصامت الذي اعتاد أن يشاهد ويتابع عبر الشاشات والقنوات بثاً على المباشر، لأهل غزة يموتون بأشكال مختلفة تحت الردم وصوب القصف، ويتساقطون في الطرق من الجوع، جراحهم غائرة ودماؤهم تنزف، أرقامهم تزيد ليس يومياً بل كل لحظة، أرقام الشهداء والأيتام والأرامل والجرحى والسجناء والمفقودين، المنظمات الأممية والدولية اكتفت فقط بتقديم تقارير الأرقام الجديدة المحدثة، في مشهد لم يسبق له مثيل حتى عقب نتائج الحرب العالمية الأولى والثانية!
غزة التي يسميها أحرار العالم بالفاضحة، فضحت حقيقة اليهود، ونزعت عنهم لباس الزور الذي يلبسون، كما ذكرهم القرآن تماماً صدقاً وعدلاً، ومن أحسن من الله قيلاً:
- عداوتهم الشديدة للمسلمين، قال ربنا في ذلك: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: 82].
- استخفافهم بدينهم، وتغييرهم لدين الله عز وجل، يقول الله عنهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: 79].
- إنكارهم لكل جميل، كيف لا وقد سبوا ربهم الذي أعطاهم المن والسلوى! كما قال تعالى حاكيًا عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64]، ووصفوه بالفقر -تعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا- كما قال: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181].
- نقضهم للعهود والمواثيق، كما قال عنهم سبحانه: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 100].
- الحسد، حسدوا نبينا ﷺ، وحسدوا تبعاً لذلك أمته، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54].
- إثارة الفتن والحروب، قال الله تعالى في وصفهم: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِين﴾ [المائدة: 64].
- قسوة قلوبهم، ومن أعرف بالقلوب من الله؟ قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: 13] وقال: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74].
وكثيرة هي مقاطع الفيديوهات التي أظهرتهم وهم يتباهون بقتل الشيوخ والعجائز والأطفال والنساء بل والأجنة!
⦁ كشفت غزة كذلك:
- جبنهم وخوفهم؛ كما وصف القرآن الكريم: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة: 24]، وكما وصف يهود بني النضير: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: 14] وغير هذه من الصفات النتنة -كاسم زعيمهم!- كثيرة جلية واضحة.
في ظل هذه الحرب، وبعد الطوفان المبارك، وانكشاف الصفة الحقيقية لليهود، لم يتحرك هذا العالم، الذي أطنب ساكتاً مشاهداً، حتى المؤسسات الدولية والحقوقية أثبتت عجزها عن معاقبة هذا الكيان المجرم، بل عجزت حتى عن إدانته وتحميله المسؤولية!
محاولات الأحرار لكسر الحصار
في مقابل هذه الإبادة وهذا السكون والمشاهدة، تحرك الأحرار من النخبة والشعوب، الرافضة للظلم والعدوان، فتظاهروا في الساحات والجامعات وأمام المؤسسات، عبروا عن رفضهم للإجرام الصهيوني بكل اللغات، ومزقوا أعلامه كما مزقها الغراب، وكتبوا ونندوا، وقاطعوا بضائعه وفعالياته وحاصروه، ومع ذلك لم يتوقف هذا المجرم ولم يتغير واقع المعاناة الغزاوية، فحملوا أنفسهم على قطع الأمصار والأقطار من تونس الخضراء إلى ليبيا المختار قاصدين ليبيا، فأوقفهم الخارجي حفتر في المنطقة الشرقية مهدداً ومتوعداً ومعتقلاً ومجبراً إياهم على الرجوع! لكن الأحرار ما توقفوا وكانوا كرّارين لا فارين، منطلقين -من جديد- بأكبر أسطول بحري إنساني في العصر الحديث.
ظهرت ثلة من الأحرار الذين لم يرضوا بالسكوت ولم يختاروا الحياد، ولا أن يصطفوا ويقفوا في المنطقة الرمادية، تعددت أعراقهم وتنوعت ألوانهم، بل واختلفت مللهم ومذاهبهم، لكن اجتمعوا على نبذ الظلم وإنكار القتل العلني، الذي زاد ضحاياه من الشهداء ما يقارب من ثمانين ألفاً، وقرابة مليونين من المشردين والمهجرين في إبادة جماعية لم يُشهد لها مثيل!
المنظمات الإغاثية، العربية والأعجمية، والإسلامية وغيرها كثير، تحت مظلة واحدة سميت (الأسطول العالمي لكسر الحصار عن غزة وفلسطين) في مشهد إنساني عظيم، ضم نحو 60 سفينة وباخرة، كبيرة ومتوسطة وصغيرة، راكبة عباب البحر وأمواجه، لهدف واحد، هو كسر الحصار الخانق لغزة، الذي أوصل غزة إلى المستوى الخامس والأخير من المجاعة، وأوصل أكثر من 150 طفل إلى الموت جوعاً.
وبعد أن عرف العالم حقيقة الصهيونية النازية الفاشية، بأنها خطر ليس فقط على فلسطين والشرق الأوسط فحسب، بل خطر على العالم كله وليس على الإسلام -وإن كان عدوه الأول- فحسب بل على كل الملل والنحل. قال الجميع: يجب إيقاف هذا الوحش الذي يتغذى على دماء الأطفال والنساء والشيوخ، بل وحتى الرضع والأجنة، ولم يسلم منه أحد! يُجهز على المرضى وهم في سكرات الموت ونزعاته، ويجهز على الأطباء والمسعفين والتدخل المدني، أولئك المحميون بالقوانيين الأممية غير آبه بأحد، معتداً بالفيتو واليد الأمريكية المجرمة التي إذا رُفعت ضد قرارات توقيف الحرب، أعطت الضوء الأخضر بل كل الأسلحة الفتاكة لاستمراريتها! مستهدفاً الضعفاء المدنيين في خيامهم وأثناء نومهم وأثناء وقوفهم لأخذ ما يحول بينهم وبين الموت جوعاً من المساعدات. وزادت شدة الخناق خلال السبعمائة يوم الأخيرة، حتى رأينا الشباب وليس الأطفال فقط يموتون جوعاً عام 2025!
تم تنظيم ما يُسمى بأسطول الصمود العالمي لكسر الحصار عن غزة، باتحاد الكثير من المنظمات الحقوقية والإنسانية، مثل تحالف أسطول الحرية واللّجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة الصغيرة حجماً الكبيرة شرفاً وثباتاً، فعُوملت أسوأ معاملة من حفتر وميليشياته المدخلية، خَدَمة الخائنين والمحتلين، فأُغلقت أمام الأسطول كل الطرق، وخُطف من المشاركين السلميين أكثر من خمسة عشر ناشطاً وفاعلاً، وحوصرت القافلة البرية، لثلاثة أيام وأربع ليالٍ، تحت تهديد السلاح والمساومة بإرجاع المخطوفين.
ولم يكن مصير قافلة الصمود ومشاركيها براً في مصر مختلفاً عن حال المشاركين جواً! فبعد وصولهم إلى مطار القاهرة، مُنعوا في مطار القاهرة الدولي من الوصول إلى إخوانهم في غزة، بل تم حجزهم واعتقال أكثرهم في المطار، من غير سبب أو ذنب أو جريرة! فكل النشطاء دخلوا بصفة قانونية وأوراقهم أثبتت ذلك، ورُغم ذلك طُردوا من المطار إجبارياً تحت التهديد والتعنيف من قوات السيسي وجنوده، والذين استطاعوا الدخول إلى مصر وتجاوزوا المطار كان مصيرهم أسوأ فقد تم الاعتداء عليهم بالعنف والضرب وسالت دماؤهم في سبيل كسر الحصار ودخول المساعدات المكدسة أمام معبر الخزي والعار رفح! حيث يموت الغزاويون المسلمون جوعاً على مقربة من القناطر المقنطرة من الغذاء، ويموت المرضى على مقربة من الأدوية التي انتهت صلاحيتها، والله المستعان!
الغريب في الأمر أن قافلة الصمود البحرية ما تزال تحاول متحدية التهديدات من الكيان المسخ، الذي يراقب ويهدد بطائرات درون التي تحوم فوق سفن الأسطول لردهم عن هدفهم ومقصدهم، لكن قافلة الصمود الدولية -والتي يشهد موفد الهيئة العالمية لأنصار النبي الشاب خالد الأنصاري- عن نفسه وعن جميع إخوانه الذين جمعتهم الساحات البرية، والموانئ البحرية، وسفن الأسطول، على قلب رجل واحد في بلوغ هدفهم وكسر هذا الحصار الغاشم البشع، وإدخال الغذاء والدواء لإخواننا في غزة المكلومة.
ومن المفيد ذكر سفينة مادلين التي رأى كل العالم كيف تم إيقافها واعتقال كل الناشطين الذين كانوا عليها من قِبل جنود الاحتلال الصهيوني، وذلك في المياه الدولية التي يحق للجميع الإبحار فيها، في انتهاك واضح وصريح وصارخ لكل القوانين الدولية والحقوق المكفولة المصونة! وقبلها كانت سفينة الضمير التي كانت تتجه أنظار العالم نحوها، غير أن المفاجأة المحزنة والغير سارة، كان استهدافها بصاروخين من مُسيَّرة تابعة للاحتلال، وأخطر من ذلك وأكبر، ما كان في سواحل مالطا التي تبعد عن الكيان المحتل مسافة، تتعجب كيف لمسيرة أن تقطعها! لكن هذا ما يثبت ويؤكد وحشية هذا المحتل وانتهاكه لكل القوانين الدولية، وأنه يضرب أينما شاء، كيفما شاء، في الوقت الذي يريد، بحماية من أمه أمريكا، راعية السلام العالمي المزعوم! والحقيقة أنها راعية الإرهاب منذ فتكها بالهنود الحُمر السُّكان الأصليين لأمريكا.
كل ما سبق من تجارب ومحاولات لكسر الحصار كانت بمثابة دروس تَعلم الجميع منها، وأُخذت كلها بعين الاعتبار أثناء التنظيم لهذا الأسطول العالمي البحري الكبير، بدل أن تكون سفينة واحدة يسهل حصارها والإطباق عليها، صارت 60 سفينة، وبدل سبعة أو عشرة ناشطين في هذا الأسطول، الآن أكثر من 400 ناشط، وبعد ما كان المشاركون من دولة أو دولتين أو ثلاث دول، في هذا الأسطول نتكلم اليوم عن مشاركين من 44 دولة، من مختلف الجنسيات.
وبذكر السفن فهي على أنواع: الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، منها ما يكون طولها في حدود سبعة أمتار وعرضها المترين، ومنها ما يفوق طولها متراً وعرضها 15، فمن الجزائر (سفينة آسيا / الغوث) على متنها نائب رئيس الأسطول العالمي ونائب رئيس المبادرة الجزائرية ومؤسس في أسطول الحرية قبلهما، النائب يوسف عجيسة، الذي سبق وأدلى بتصريح عن الوضع القانوني والواقعي للأسطول للهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ، شاكراً لهم جهودهم في نصرة الجناب النبوي الشريف، وغيرها الكثير من السفن، 22 منها انطلقت من برشلونة و23 من تونس، وواحدة من ليبيا، وأخرى من ماليزيا، وبقية السفن وإلى اللحظة تلتحق تباعاً بالأسطول في إيطاليا واليونان وعرض البحر.
السفن مجهزة بكل ما تحتاجه للإبحار بعد الفحوصات والمراقبة التقنية المثبتة في شهادة الأهلية والصلاحية للإبحار، محملة بالمساعدات، خاصة منها الطبية مثل الأدوية بكل أنواعها وأجهزة الأكسجين والضمّادات والجبائر وغيرها، وكان ذلك بعد ما رأينا من حال المرضى والوضع الكارثي في المستشفيات التي دُمرت بالكامل على مَن فيها، فالجرحى والمرضى في الشوارع يئنون في وضع مأساوي مما يضطر الأطباء لإسعافهم دون أدوية، والبتر بسبب الإصابات دون تخدير!
السفن تحمل كذلك حليب الأطفال والرضع الذي استعمله المحتل سلاحاً لقتل الصغار البرآء، والمواد الغذائية التي قطعاً لا ظناً لن تكون كافية للقطاع لمدة أسبوع واحد! لكن الهدف أسمى وأكبر من إيصال هذه المساعدات البسيطة، وهو كسر الحصار، وإعطاء الفرصة لدخول مساعدات أكثر وأكثر، لدخول السفن بحراً والشاحنات براً وربما الطائرات جواً.
الإبحار تحت القصف والمشقات
ولم يكن تنظيم هذا الأسطول العالمي بالسهل ولا الميسور، فقد كانت تحيطه صعوبات قانونية واقتصادية وسياسية ودبلوماسية وغيرها، فجميع هذه السفن وهذه الجنسيات وتغطيتها القانونية، عجزت عنها الدول مجتمعة، فكيف بمتطوعين بعضهم يؤمن بالله وآخرون يؤمنون بالإنسانية؟! يضاف إلى ذلك أن كل سفينة لا بد أن تتمتع بالمطلوب شرعاً وقانوناً وتقنياً بما يضمن الوصول والسلامة وإصلاح الأعطال وسد النقائص، والتأكد التام من جاهزيتها وقدرتها على الوصول إلى غزة.
ويتعلق بالسفن كذلك إيجاد القباطين من الثِقات المستأمنين المؤهلين، لأن عملهم مضنٍ، خاصة وأن كثيراً منهم انسحبوا بعد قيام الصهاينة باستهداف سفينتين في ليلتين متتاليتين الثامن ثم التاسع من سبتمبر! مطلقة سائلاً حارقاً لا يعرف كُنهه، وذلك قُبالة ميناء سيدي بوسعيد بتونس العاصمة، ثم الحاجة للمال بالعملات الصعبة كحقوق للقباطين يضاف إليهم تكاليف البنزين بما يكفي السفن، طيلة الإبحار ذهاباً وإياباً، وحيث توجد بعض السفن التي يتسع خزانها إلى أكثر من 50,000 لتر، اكتشفنا أن بعضها يسرب الوقود مما زاد من صعوبة الأمر.
وبعد كل المراحل السابقة من الإعداد القانوني، وتجهيز السفن، وشراء بعضها كحالنا في سفينة آسيا/ الغوث الجزائرية، لابد من التأكد من العُدة والعتاد، وتجريب السفن، والتأكد من الطاقم والمشاركين والوقود، تتحضر كل سفينة للانطلاق والخروج، وفق المراحل التي ذكرنا، وإن دلت هذه الجهود والإجراءات، فإنما تدل على حجم الجهد والوقت والمال المبذول في ذلك الإعداد.
وسط احتفالات جماهير غفيرة في الموانئ، كانت تخرج السفن يومياً، سفينتان أو ثلاثة أو أربعة سفن، في جو بهيج وفرح غامر عم كل الناس، لعلها كانت فرحة ارتياح ضمير، أو انزياح بعض من ثقل التقصير، وكذلك تفعيل حسن ظن بالتيسير من خلال كل سفينة، تنتفض الجماهير، جماهير الحرية، الجماهير الحية الفاعلة، وليست جماهير الملاعب التافهة بهتافاتها للفرق واللاعبين، إنما صيحات التكبير والتهليل والنشيد لغزة، تُحرك مشاعر القلوب الحية، والأنفس الأبية، فتسيل منها دموع الشوق والإشفاق ودموع الحسرة والمعذرة!
قصص عجيبة على متن الأسطول
أما المشاركون في هذا الأسطول المبارك التاريخي، فقد خرج وكل منهم يدرك أنه قد لا يعود، وأنه قد يرجع معاقاً، أو قد يصبح أسيراً في أسوأ سجون العالم بين أقبح السجانين! لا تفرق في همة وإقبال وعزيمة المشاركين بين الشيوخ والكهول والشباب ولا حتى بين الرجال والنساء من تونس الخضراء، والجزائر البيضاء، ومغرب القرويين، ولا بين موريتانيا الشعراء وليبيا المختار وعُمان الجنان، وبحرين النخيل، ولا بين غيرهم من الأوروبيين، من أسبانيا وإيطاليا ومن تركيا ومن جنوب أفريقيا، نذكر مشاركة حفيد الزعيم مناضل الحرية السجين الأفريقي مانديلا، ولك أن تتصور أيها القارئ الكريم الفاضل، أكثر من 44 دولة تشارك في هذا الأسطول، الذي لم يكن له مثيل قبل اليوم!
لكل سفينة قصة، ولكل راكب على ألواحها منهم قصة، أملاً في بلوغ المأمول وتحقق المرغوب، منهم البرلمانيون والسياسيون، ومنهم الأكاديميون الذين تعددت تخصصاتهم، ومنهم الإعلاميون والصحفيون، والكتّاب والمؤلفون، والأطباء والمسعفون، ومنهم الرياضيون والفنانون، وغيرهم الكثير الكثير..
كل من المشاركين ترك وراءه أهلاً وأحباباً، ومشاريع وقصصاً، وذكريات وآمال، والكثير الكثير في سبيل الله وابتغاء مرضاته ونصرة للمظلومين المقهورين، المجروحين المغبونين، بما تقتضيه أخوّة الإيمان والدين، والأمة الواحدة والجسد الواحد.
ومن المشاركين من لا يؤمن بكل ذلك إنما بداعي الإنسانية والبشرية الآدمية، لم يقدروا على مشاهدة الإبادة والتنكيل والتهجير والتشريد، لم تتحمل قلوبهم بكاء النساء والرجال، والولدان، لم تتحجر قلوبهم وهم يشاهدون ويتابعون أنين المرضى، وبيانات واقع الأسرى، دون فعل أي شيء أو محاولة تغيير الواقع، أو مساعدة على الأقل، بل إن بعضهم أعلن إسلامه ونطق بالشهادتين، وحرك لسانه بآيات من كلام ربنا الرّحمن الرّحيم!
ومما رآه سفير هيئة أنصار النبي ﷺ عياناً من أحد هؤلاء، وكان إيطالياً، أنه كان يمشي حافياً لما يفوق الساعة والنصف، كي يُتم بعض الواجبات التنظيمية، تأملته ودعوت الله أن يهدي قلبه للإسلام وتساءلت في نفسي: ما لبعض المسلمين -وهم أحق منه وأجدر- ألا ينفروا خفافاً وثقالاً؟ لكنهم تثاقلوا وتخلفوا ولم يأبهوا، هل نسوا غزة وشيبها وشبابها وأطفالها، هل نسوا نساءها ورجالها؟ أما سمعوا أنينهم؟ أما رأوا دماءهم؟ أما رأوا أطرافهم تتطاير، وجوارحهم تُبتر؟ أما سمعوا صرخاتهم حتى انقطعت أصواتهم، أما زلزلتهم وأخافتهم وأرعدتهم مقولتهم: لا تشفع لهم يا رسول الله؟!
هل اعتادوا مشاهد أجساد تتطاير وعمارات تُنسف، ومعتقلات للأحرار والحرائر، وجوعى يتساقطون، ومرضى يئنون، وجرحى يستنجدون؟ ما لكم أفلا تبصرون؟ ولا تسمعون، ثم لا تتحركون؟! من أجل كل ذلك كان لا بد أن يكون الطوفان، وأن يصطفي الله الشهداء والأبرار، والخُلص من عبيده، الموعودين بالجِنان وبالحوريات الحِسان وأنهار الماء والعسل والألبان!
استيقظ الآن من نومك أيها المسلم، قم إلى الواقع واخدم قضيتك ودينك، قاطع وقاوم، وانشر وجاهد، بمالك ولسانك وقلمك، وبكل ما تستطيع، علّك تسلم من الديّان من جريمة الخذلان، والله المستعان.





