
رجل بريطاني يرتدي البرقع في احتجاج مناهض للمسلمين!
أكتوبر 17, 2026
كاتب بنغلاديشي يدعو إلى إعادة فهم الاقتصاد الإسلامي بعيدًا عن اختزاله في المصارف الإسلامية
أكتوبر 17, 2026بقلم: ميخائيل بالومبو – المؤرخ الإيطالي*
“وعندما سمع عيسو كلام أبيه صرخ صرخة عظيمة ومُرةً جداً وقال لأبيه باركني أنا أيضاً يا أبي. فقال قد جاء أخوك بمكر وأخذ بركتك. فقال إلا أن اسمه دعي يعقوب. فقد تعقبني الآن مرتين أخذ بكورتي وهوذا الآن قد أخذ بركتي”.
سفر التكوين ٢٧: ٣٦
يتضاعف الرعب الذي استحوذ على الفلسطينيين لطردهم من ديارهم ويتفاقم من جراء القبول الذي تلقاه الترهات والأساطير الصهيونية بشأن العام ١٩٤٨ في العالم الغربي. ومن السخريات المأساوية أن معظم الروايات عن الحرب تنظر إلى الصهيونيين بمثابة الضحايا البریئة، وتبخل على اللاجئين الفلسطينيين بما يستحقونه من العطف.
فالرواية الصهيونية للعام ١٩٤٨ يجري تصويرها وسردها باستمرار في وسائل الإعلام والمنشورات الصادرة باللغة الإنجليزية، مثل الكتب والمجلات ومقالات الصحف بالإضافة إلى أفلام السينما وبرامج التلفزيون التي يشاهدها عشرات الملايين من الناس. ولقد أسهمت الدعاية التي تبث وتنشر حول العام ١٩٤٨ في إدامـة الخرافة -داخل الولايات المتحدة وفي بريطانيا بدرجة أقل- والزاعمة بأن الفلسطينيين مسؤولون عن طردهم ونفيهم من بلادهم.
ويرجع جزء من أسباب هذا التصوير غير الدقيق لما حدث عام ١٩٤٨ إلى قلـة المعلومات وندرته -طيلة عقود من السنين بقيت المحفوظات البريطانية والأمريكية والإسرائیلية هذه الفترة مقفلة أمام الباحثين والمحققين- فالتقارير القيمة لمراقبي الأمم المتحدة في فلسطين أُودعت في محفوظات (ارشيف) الأمم المتحدة، والتي بقيت مجهولة لسنوات عديدة باستثناء حفنة من المؤرخين القلائل1.
ولم تُنشر معظم المذكرات التي وضعها قدماء المحاربين الإسرائيليين من العام ١٩٤٨ إلا في فترة حديثة العهد. ولكن المعلومات المتعلقة بالنزوح الفلسطيني، والتي كانت معروفة طيلة عقود خلت، قد أغفلها المؤرخون الصهيونيون.
في العام ١٩٥٩ و١٩٦٠ نَشَر كلّ من ارسكين تشايلدرز ووليد الخالدي بصورة منفصلة وعلى حدة مقتطفات من السجلات الإذاعية التي التقطتها وكالة المخابرات المركزية وهيئة الإذاعة البريطانية BBC، وقد برهنت تلك المقتطفات أن الإذاعات العربية أمرت الفلسطينيين بالبقاء في بيوتهم عام ١٩٤٨ وليس بمغادرتها. ولكن أياً من الروايات الرئيسية عما حدث في العام ١٩٤٨ لا تأتي أبداً على ذكر هذه التسجيلات الإذاعية الهامة.
وعلى نحو مماثل، فإن المذكرات الباكرة التي كتبها قدماء اليهود من العام ١٩٤٨، أمثال آرثر كوستر وليو هايمان اللذين كتبا بصدق عن طرد الفلسطينيين، مفقودة من تواريخ “حرب الاستقلال”.
ولم يظهر في اللغة الإنكليزية رواية غير صهيونية واسعة الانتشار تحكي قصة العام ١٩٤٨؛ ففي الولايات المتحدة الأميركية لن تتجرأ شركة رئيسية من شركات النشر على إصدار تاريخ صادق لطرد الفلسطينيين، لأن اللوبي الصهيوني القوي والنافذ سوف يسارع إلى إرغام الناشرین على سحب الكتاب من التداول. وفي الواقع هناك معيار مزدوج في كل من بريطانيا وأميركا، لأن الكتب التي تتناول موضوع “الإرهاب” العربي يتم نشرها عادة دون أن ترتفع أصوات الاحتجاج، بينما يجري اتهام الشخص الذي يضع كتاباً عن الفظائع الصهيونية ضد الفلسطينيين بأنه “معادٍ للسامية”. ولقد أسفر مثل هذا الوضع عن تثبيط عزائم الكثيرين وعدم تشجيعهم على الكتابة بصدق عما حدث عام ١٩٤٨، وهذا مما أتاح المجال للصهيونيين كي يمضوا في إدامة نظرتهم الخرافية إلى ما يسمونه “حرب الاستقلال”.
لقد اشتمل المجهود الصهيوني الرامي إلى تشويه التاريخ على مراقبة كافة المواد التي تكشف عن نوايا الصهيونيين الحقيقية تجاه الفلسطينيين. وهكذا لم تتوفر طيلة عقود من السنين طبعة كاملة وغير منقوصة أو محررة ليوميات ثيودور هرتزل. وحين نشرت في نهاية المطاف طبعة غير مختصرة لليوميات، فإنها احتوت على إشارات الزعيم الصهيوني إلى “تجريد الفلسطينيين من الملكيّة وطردهم أو إزاحتهم”.
وكذلك خضعت أوراق بن غوريون للرقابة ومن جملتها مجموعة رسائل عام ١٩٦٨. ونُشرت مؤخراً صيغة غير محرّرة لرسالة بعث بها عام ١٩٣٧ إلى ابنه، وهي تتضمن النوايا التي سبق ذكرها عن “طرد العرب والحلول مكانهم”. وهناك أمثلة عديدة عن مراقبة العبارات التي تشير إلى طرد الفلسطينيين. ربما كانت القضية الأوسع شهرة، تلك التي أبصرت النور عام ١٩٧٩ عندما قام المترجم بيريتز كيدرون بتسريب الأجزاء المحذوفة من مذكرات اسحاق رابين و ين دونكلمان إلى الصحافة، فكشف بذلك حقيقة ما حدث في اللد والرملة والناصرة عام ١٩٤٨، وبما أن رابين ودونكلمان من ضباط الجيش المتقاعدين، فقد توجب عليهما بالضرورة تقديم المسودات إلى الرقيب العسكري.
وكذلك إسحاق ليفي، الضابط العسكري المتقاعد أيضاً، فإنه انتظر عدة عقود من السنين قبل أن يسمحوا له بنشر رواية خاضعة للرقابة عن مجزرة دير ياسين، ولكن ضباط الجيش المتقاعدين ليسوا وحدهم عرضة للتهديد والوعيد؛ فقد طُردت يوئيلا هارشفي من وظيفتها كمراسلة في صحيفة “حداشوت” عندما حاولت نشر تحقيق صحفي صادق عن قرية الدوايمة، ونحن لا نعرف كم يبلغ عدد الآخرين الذي حاولوا إسكاتهم، ولكن نتيفا بن يهوذا، من قدامي المحاربات الإسرائيليات عام ١٩٤٨، هي محقة على الأرجح في قولها إن “هذه البلاد تعج بالقصص التي لن تُروَى أبداً”.
توضح بن يهوذا الأمر بقولها: “لا يمكن الاعتماد على محفوظات دولة إسرائيل”؛ فالعديد من الملفات الهامة التي تتناول موضوع النزوح الفلسطيني، مثل “مكتب مستشار الشؤون العربية” وقسم كبير من الوثائق العائدة لوزارة الأقليات، هي مغلقة ولا يُسمح بالاطلاع عليها، ويقول مساعد المدير في “محفوظات دولة إسرائيل” إن “حوالي ٢ بالمئة” من المواد الموجودة في الملفات التي يُفترض أنها مفتوحة قد خضعت للرقابة، وعلى الرغم من الثغرات الجلية في المواد المستقاة من “محفوظات دولة إسرائيل”، فلا يبذل كثير من المؤرخين الصهيونيين المحدثين جهوداً تستحق الذكر لتكملة أبحاثهم بالاستناد إلى وثائق متوافرة في المحفوظات الأميركية والبريطانية وغيرها من المحفوظات الأجنبية التي يمكن التعويل على مصداقيتها إلى درجة أكبر.
وهناك جهود مبذولة للحيلولة دون عرض أي نقاش جدّي لما حدث عام ١٩٤٨ على شاشة التلفزيون الإسرائيلي؛ ففي العام ١٩٧٩ عندما عرض التلفزيون الإسرائيلي مسرحية مستندة إلى “قصة خربة خزعة” التي كتبها ص. يتزهار، ارتفعت الشكاوى والتذمرات من جانب الحكومة وصدرت تهديدات بالطرد ضد المسؤولين عن إخراج المسرحية، وأشارت الصحافة إلى أن قصة يتزهار تنتمي إلى نوع الأدب الخيالي، ولكن معظم الناس في إسرائيل يعرفون أن مثل تلك الأحداث كانت من الإجراءات المعيارية المألوفة عام ١٩٤٨.
فالقاصي والداني في إسرائيل يعرف تمام المعرفة أن معظم الفلسطينيين قد طُردوا عنوةً وبالقوة، وإسرائيل هي بلد صغير، ومعظم الناس لديهم أقارب وأصدقاء وجيران ممن اشتركوا في الحرب، وكل إسرائيلي تقريباً يلم بالقصص عن كيفية طرد العرب، ولكن قلّة من المقيمين في الدولة اليهودية تلجأ إلى التبرير والدفاع والاعتذار؛ فاللازمة المألوفة هي “كانوا سيفعلون بنا الشيء نفسه”. أما التحسّر أو التأسف الوحيد لدى الإسرائيليين بشأن ١٩٤٨ فهو أن المهمة لم تكتمل وتنجز مع احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والذي لم يسفر عن الطرد الكلي لجميع الفلسطينيين من أرض إسرائيل.
فالموقف الصهيوني من الفظائع المرتكبة ضد العرب يشبه موقف الأميركيين في القرن التاسع عشر من المجازر ضد السكان الأصليين من الهنود الحمر: “الهندي الوحيد الطيب هو هندي ميت”.
إن ما يعني أرباب الدعاية الصهيونية أكثر من سواه ليس ما يعتقده الإسرائيليون بشأن ١٩٤٨، بل ما يتم قوله وإبلاغه إلى الجمهور البريطاني، وعلى درجة أكثر من الأهمية إلى الجمهور الأميركي بشأن نزوح الفلسطينيين. هناك ركيزة أساسية وهي بمثابة حجر الزاوية في الدعاية الصهيونية، تقوم على الخرافة القائلة بأنهم -أي الصهيونيين- كانوا على الدوام وهم الآن من الضحايا البريئة “للإرهاب” العربي. فالصهيونيون يراقبون أفلام السينما وبرامج التلفزيون بعناية فائقة وحذر شديد للتأكد من أن وسائل الإعلام المرئي لا تنقل سوى الصيغة والصورة المُصدّق عليها والمستحسنة عن العام ١٩٤٨.
لقد أنتجت هوليوود فيلماً سينمائياً هو “اكسودس” (خروج) (وغالباً ما يجري عرضه على شاشات التلفزيون الأميركي) بالاستناد إلى رواية ليون اوريس التي تقدم الخطّ الصهيوني المعياري حول “حرب الاستقلال”. ويصور كل من الكتاب والفيلم كفاحاً أسطورياً يخوضه الصهيونيون ضد البريطانيين المعادين للسامية والجحافل العربية المتعطشة للدماء على حدّ سواء. ويشير كتاب اوريس إلى “الحقيقة الموثقة بصورة مطلقة من أن الزعماء العرب أرادوا للسكان المدنيين أن يغادروا فلسطين كقضية سياسية وكسلاح عسكري”. ونحن نسمع بالفعل في الفيلم (وبالإنجليزية للتيسير) تلك النداءات الأسطورية التي بثتها الإذاعات لكي تطلب إلى الفلسطينيين مغادرة ديارهم بأمر من زعمائهم الذين استلهموا المستشارين النازيين. فالممثل بول نيومان، على رأس الهاغانا، يبذل محاولة بلا هوادة إنما غير مجدية لإقناع الفلسطينيين بالبقاء، ولكن العرب التعساء يرغمون بالإرهاب والترهيب على المغادرة بواسطة “جماعة المفتي” التي تقوم على تنفيذ مخطط شيطاني وجهنمي.
بالطبع، من المحال التفكير بأن هوليود سوف تنتج على الإطلاق فيلماً صادقاً عن العام ١٩٤٨. فالرواية الدقيقة للنزوح الفلسطيني غير مسموح بها حتى في فيلم تسجيلي على التلفزيون الأميركي. هذا ما حدث عام ١٩٨٦، عندما أعلنت شبكة PBS التلفزيونية في برامجها بث فقرة من تسعين دقيقة لعرض الصراع العربي-الإسرائيلي من وجهتي النظر في النزاع القائم، فبادر الصهيونيون إلى إرغام الشبكة على إلغاء عرض الفيلم التسجيلي في كثير من المدن، بالرغم من أن تكاليف البرنامج كانت مدفوعة سلفاً.
احتوى الفيلم التسجيلي على شريطين حاولا تقديم وجهة النظر الصهيونية ومن ثم العربية إلى الوضع في الشرق الأوسط. وتلهف الصهيونيون بنوع خاص لإيقاف البرنامج برمته من تسعين دقيقة، لأنهم لم يشاءوا للشعب الأميركي الاطلاع على وصلة من الشريط تتضمن شهادات الناجين من مجزرتي دير ياسين والدوايمة. وكما قال الباحث والعلامة الفلسطيني إدوارد سعيد: “إذا كنت بحاجة إلى شرطي فعلي للفكر من أجل نصرة قضية، فلا بدّ من وجود خلل ما”.
وفي بريطانيا يُسمح بتنوع أوسع للرأي حول الشرق الأوسط، ولكن الصهيونيين يبذلون كل جهد لطمس الحقيقة وإخفائها. فعندما قدّم التلفزيون البريطاني في شهر أيلول ١٩٨٦ لمشاهديه برنامجاً أعدّه كينيث غريفيث وعنوانه “النور: حياة دافيد بن غوريون”، تضمن البرنامج أخطاء كثيرة ومعلومات غير دقيقة، لا سيما بشأن الفلسطينيين. ولحسن الحظ أسهمت الصحافة البريطانية في انتقاد غريفيث. وفي ١١ أيلول أعربت مجلة “ذي ليسنر” The Listener عن استيائها من “التحيز المراهق والمنغلق عقلياً” لدى غريفيث. ولكن التلفزيون البريطاني عمد بعد فترة وجيزة إلى عرض مسلسل “عامود النار”. وهو مسلسل إسرائيلي على حلقات يكرّر الخرافات المعتادة عن قيام الدولة اليهودية عام ١٩٤٨. وفي غمرة الوفرة من الأدلة الجديدة قد يصبح ممكناً في نهاية المطاف تقديم فيلم تسجيلي حول العام ١٩٤٨ في التلفزيون البريطاني يتصف بالدقة والأمانة.
لم يصل التعتيم الإسرائيلي وطمس الحقائق بشأن النزوح الفلسطيني إلى نهايته. ونظراً للمضامين والعقابيل فإن الصهيونيين لن يعترفوا أبداً بأن طرد مئات الآلاف من المدنيين العرب الأبرياء جاء متعمداً وعن سابق تصور وتصميم بأي معنى من المعاني. فالرقابة على الكتب والبرامج التلفزيونية وإقفال السجلات التاريخية سوف تستمر على الأرجح. وربما كان مدى الجهد الصهيوني المتداول لإخفاء ذلك القدر من الأدلة المتعلقة بالعام ١٩٤٨، خير برهان على ما حدث آنذاك بالفعل والواقع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ميخائيل بالومبو، كيف طُرد الفلسطينيون من ديارهم عام 1948، ترجمة: ط1 (بيروت: دار الحمراء، 1990م)، ص186 وما بعدها.
1 أعلن بالومبو عام ١٩٨٠ عن اكتشافه لملفات ولجنة جرائم الحرب التابعة للأمم المتحدة (UNWCC) في محفوظات الأمم المتحدة (صحيفة نيويورك تايمز ٢٨ آذار، ١٩٨٠). وبعد برهة من الوقت استطاع تعيين مكان التقارير التي رفعها مراقبو الأمم المتحدة عن فلسطين في العام ١٩٤٨ داخل المحفوظات المشار إليها. كما عثر ضمن الملفات على إضبارة تتعلق بمعلومات عن كورت فالدهايم.





