
وانتصرت غزة بالله
نوفمبر 5, 2025
شـهيد بالبريج والاحتلال يواصل تدمير غزة
نوفمبر 6, 2025﴿كَم مِّن فِئَةࣲ قَلِیلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةࣰ كَثِیرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِینَ﴾
الشيخ المختار بن العربي مؤمن
عضو مجلس أمناء الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ
إن الدنيا خلقها الله سبحانه لنعمرها ونعبد الله فيها فنحقق مغزى الاستخلاف من وجودنا، إلا أن البشرية منذ أن وطئت أرومتها الأرض بزغ فيها قرن التنازع والاختلاف، ولقد أخبرنا الحق سبحانه عن قصة ولدي آدم فقال: ﴿وَٱتۡلُ عَلَیۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَیۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانࣰا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ یُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا یَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِینَ﴾ [المائدة: ٢٧].
لقد بدأ الصراع حول بنات آدم التي تحل لهابيل ولا تحل لقابيل حسب التشريع الأول، فحاول قابيل ثني هابيل عن بغيته المشروعة فأبَى؛ فهدده وشرع في وجهه آلة القتل بالترهيب لثنيه عن حقه، وهكذا بدأت من هنا قصة التنازع بين الحق والباطل، فماكان من هابيل إلا المهادنة ومحاولة الطعن في الراي أخيه الفاسد وقال له ﴿لَىِٕنۢ بَسَطتَ إِلَیَّ یَدَكَ لِتَقۡتُلَنِی مَاۤ أَنَا۠ بِبَاسِطࣲ یَدِیَ إِلَیۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّیۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ * إِنِّیۤ أُرِیدُ أَن تَبُوۤأَ بِإِثۡمِی وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَـٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَ ٰلِكَ جَزَ ٰؤُا۟ ٱلظَّـٰلِمِینَ﴾ [المائدة: 28-29] إنها ليست قصة خوف منك ولكني أخاف الله عز وجل، الذي حرم الدماء، وحث على التعاون والإخاء، ولكن الشيطان غلب في النزغ والدفع للشقاق والشقاء، فغرر بالنفس يدفعها لرتكاب أول جريمة في الأرض من سفك الدماء ﴿فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِیهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَـٰسِرِینَ﴾ [المائدة: ٣٠].
فصار قابيل إماماً في استنان سنة البغي والعدوان، روى البخاري في صحيحه فقال: “وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا”، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ”.
وإن اليهود قتلة الأنبياء والرسل، أهل بغي وفجور، وظلم وخداع وفجور، لا يروي عطشهم إلا الفساد، وتقتيل العباد، وإهلاك الحرث والنسل في البلاد، ولذلك كلّما توالت الرسالات برزت ضدّها كثير من العدوات التي ملأت نفوساً نفخ الشيطان فيها للوقوف في وجه الحقّ مهما كان، ولو كان حملته الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؛ قال سبحانه ﴿وَكَذَ ٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِیٍّ عَدُوࣰّا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِینَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِیࣰا وَنَصِیرࣰا﴾ [الفرقان: 31].
طالوت وجالوت
وإن مما يجب الوقوف عليه للمتأمل والمتدبر تلك القصة التي وقعت في أتباع سيدنا موسى من بعده، وتكررت في طوفان الأقصى، أو تشابهت الأدوار، واختلفت الأسماء والأقطار، إنها الْمَعْرَكَةُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَهِيَ سُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّدَافُعِ؛ ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ:251]، وَهَذِهِ الْآيَةُ الْعَظِيمَةُ هِيَ الْخَاتِمَةُ لِذِكْرِ الْمَعْرَكَةِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ طَالُوتَ وَجَالُوتَ، وَاشْتُهِرَ فِيهَا نَبِيُّ اللَّهِ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَدْ قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا خَبَرَهَا فِي الْقُرْآنِ لِلْعِظَةِ وَالِاعْتِبَارِ.
وقد بدأت تلك القصة من قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكًا﴾… إلى قوله سبحانه: ﴿وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٍ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ الآيات [242-251].
ويمكننا أن نستفيد منها:
أولاً: أن يستشعر المسلم أنه صاحب دين وعقيدة، وأن أعداءه أهل ضلالة وكفر.. ولذلك طلب المؤمنون من نبيهم فتح الطريق أمامهم للجهاد في سبيل الله.
ثانياً: أن كثيراً من المسلمين يفور حماسهم للدين في الرخاء ولتحرير الأقصى، فلما جاء الطوفان تولوا وهم يجمحون، إلا قليلاً منهم إن جعلنا في الحساب أننا أمة المليارين من البشر، ولكن كثيراً من القلوب يملؤها الجبن والخَور.
وهذا يدل على أن الأمة الإسلامية التي لم تنضج تربيتها الإيمانية، التي تنقلها من القول إلى الفعل، ومن الجبن إلى الإقدام، ومن الشح إلى العطاء.. فعلى العاملين للإسلام أن يدركوا أن هذه هي صفة أغلب البشر، فيكونوا منها على حذر، ويُعدّوا العدّة كي لا تفاجئهم الكثرة بالنكوص، وليستعدوا بمخاطبة النخبة وتوجيهها إلى الأخذ بزمام إعداد الشّباب في محاضن التربية القرءانية، ذات الأبعاد الإيمانية.
ثالثاً: بروز سمة من سمات بني إسرائيل، وهي مجادلتهم للحق بالباطل، حيث اعترضوا على أن يكون طالوت ملكاً عليهم، فأخذوا يجادلون في اختيار الله، ويستنكرون هذا الاختيار، وهذا الذي رأيناه من النّاكصين في طوفان الأقصى من أقلام وألسنة المخذّلين من المنبطحين إلى الصهيونية فكراً وعملاً، حيث يريدون أن تتحرر الأوطان بالخطب الرّنّانة أو السّكون تحت ولاية نواب الصهيونية العالمية، ولست أدري كيف غفلوا أن السلام المزعوم الذي تبنته (منظمة التحرير الفلسطينية) في (أوسلو) لم يأتِ للفلسطينيين إلا بمزيد من الإهانة والتشريد.
رابعاً: أن طالوت بعثه الله ملكاً عليهم ليجاهدوا في سبيل الله، وكان من صفات هذا الملك بسطة العلم والجسم، فعلى المسلمين عند اختيار قيادتهم العسكرية أن لا يغفلوا هاتين الصفتين: العلم والدراية والقوة والبأس، لأنّ انعدامهما أو انعدام أحدهما في القائد العسكري يؤول عليه وعلى جنده بالفشل، ولقد ضربت الفصائل المجاهدة في فلسطين أروع الأمثلة في العلم والتّخطيط، والإعداد العسكري والفكري، والانضباط تحت راية قاداتها الذين سقطوا في ميادين الوغى واحداً بعد واحد، تقبلهم الله في الشهداء، كلما قُتل سيد منهم جاء سيد ينسينا السابقين.
ولقد حق فيهم قول الشاعر:
إذا سيدٌ منا خلا قام سيدُ ** قؤول لما قال الكرام فعولُ
خامساً: أن طالوت بعلمه الذي علّمه الله يدرك الهزيمة النفسية الكامنة في نفوس القوم نتيجة هزائمهم المتكرّرة، وهو قادم بهم على جيش أمّة غالبة، فلا بدّ أن يختبر قوة إرادتهم، وضبط نفوسهم عن الشهوات والنزوات، وتحملها للحرمان والمشقة.
يقول سيد قطب رحمه الله: “فلا بدّ للقائد المختار إذن أن يبلو إرادة جيشه وصموده وصبره أوّلاً للرّغبات والشّهوات، وصبره ثانياً على الحرمان والمتاعب”.
وإن قادة الطوفان أعدّوا جيلاً قرءانياً ثابتاً على الحق، اختار طريقه بتوفيق وسداد، وثبت في ميادين الجمر والجهاد حتى جاء الفرج، ومنهم من ساقه الله إلى مراتب الاستشهاد، لأنهم تربوا على أنّ العزة لا تكون إلا بالإسلام والجهاد، لا بالوطنية الفارغة، والشّعارات المارقة، فلله درّهم كم من دروس لقنوها للأمة الإسلامية، وكم من معاني نشروها في البرية، فتحركت شعوب الكفر قبل أهل الإسلام تندّد بجرائم الصهيونية!
إن النجاح في الامتحان لا يكون حليف الطامعين في الخلود الدنيوي والنهم المادي، ولذلك لم ينجح في الابتلاء من القوم إلا القليل إذ شرب معظمهم من النهر، ولذا كان من الخير أن ينفصل هؤلاء المنهزمون أمام شهواتهم عن الجيش حتى لا يكونوا عبئاً عليه، وبذرة خذلان فيه.
سادساً: أن الجهاد والقتال في سبيل الله لا يكفي فيه التربية الإيمانية العلمية وحدها، بل لا بد معها من تربية وإعداد عملي كما فعل طالوت، وهذا الذي صنعه أهل غزة العزة حيث وقفت للعالم الذي حاربها ليس بترسانتها فهي لا تملك عشر معشار معشارها، ولكن تملك إيماناً راسخاً، وعقيدة صحيحة، وحباً للأرض وشرفاً في العرض، فلم تبالِ بجيوش الأرض، وأعدت ما استطاعت.
سابعاً: أن القائد المحنك لا يهزه تخلّف الأكثرية من جنده عند التجربة الأولى، بل عليه أن يمضي في طريقه، وإعداد جيشه، مهما قل عدد جيشه، وكثر عدد جيش عدوه.
ثامناً: أن هذه القلة المؤمنة التي جاوزت معه النهر كانوا يعلمون كثرة العدو وقوته، لكنهم عندما رأوه رأي العين أحسّ بعضهم بالضعف، وفي مثل هذه الحالة لا يصمد إلا من اكتمل إيمانه واتصل قلبه بربه، وهنا برزت الفئة القليلة المتصلة بربها ذات الموازين الربانية قائلين: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249].
كم كانت فئة الصامدين المجاهدين والمرابطين في عقدهم عظيمة، ترتشف المعونة من القرءان، والصمود من سلف الأمة فتيات وفتيان، فصبروا على الجوع الشديد، والعطش المميت، وقلة الدواء، وخذلان الأشقاء.
تاسعاً: أن الجيوش ليست بالعدد والضخامة، ولكن بالقلب الصادق والإرادة الجازمة.
عاشراً: أن الفئة القليلة المؤمنة الصابرة تستمد قوتها من ربّها، ولذلك لما برزوا لجالوت وجنوده ﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 250].
لقد علمنا أطفال غزة ونساؤها وشيوخها وشبابها أسمى معاني التضحية؛ فلم يخونوا ولم يبيعوا، ولم يتركوا ديارهم رغم الآلة الهمجية الغاشمة التي فتت الصخر، وقتلت الإنسان والحياة، فما كان قولهم إلا أن قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾؛ فعلم الله صدق إيمانهم فأعطاهم ثباتاً تذوب أمامه الجبال الراسيات، والرياح العاتيات؛ فاللهم لك الحمد.
حادي عشر: أن الإيمان الصادق إذا التقى بالكفر الماحق كانت الغلبة للمؤمنين، ولو بعد حين، لأن العبرة ليست بالكثرة المعجبة بنفسها، ولكن بإيمانها بربها في تحقيق وعده للصادقين الصابرين.
هذا والله أعلم.





