
الاحتلال يواصل عدوانه على مرابطي قباطية بالضفة لليوم الثالث
ديسمبر 3, 2025
أبو بكر الصِّديق ومعالم القيادة الرشيدة
ديسمبر 3, 2025بقلم: د. حسن سلمان – عضو مجلس أمناء الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:
يستند المنهاج السياسي في الإسلام -بأصوله الكلية وتفاصيل أحكامه- إلى مصدرين أساسيين هما: القرآن الكريم، والسنة النبوية قولًا وفعلاً وتقريرًا، وقد شكّل هذان المصدران الأساس النظري والعملي لتنظيم شؤون الحكم، وضبط علاقة السلطان بالأمة، وتحديد مقاصد السلطة ووظائفها، غير أنّ البناء السياسي الإسلامي لم يقف عند حدود الممارسة النبوية، بل امتدّ إلى المرحلة الراشدة التي جاءت استمرارًا وتطبيقًا حيًّا للخطاب النبوي، بما تمثله من أنموذج مكتمل في تطبيق الشورى، والعدل، ورعاية مصالح الأمة.
وقد دلّت النصوص الشرعية على حجية هذا الامتداد؛ ففي الحديث الصحيح قوله ﷺ: “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعدي تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ وإيّاكم ومحدثات الأمور”، وفي هذا توجيه صريح إلى ضرورة الاقتداء بمنهاج الحكم الراشدي، والنأي عن المحدثات التي تخالف هدي النبي ﷺ وهدي خلفائه الراشدين. ومن ثمّ فإنّ السنة المأمور باتباعها في الحديث تشمل المنهاج السياسي في الحكم وإدارة الدولة، لأن الحديث ورد في سياق يبرز أهمية الالتزام بمنهج الحكم الصحيح باعتباره من أوثق جوانب الهدي والسنة وأعظمها أثرًا في حياة الأمة، وأن الشريعة قد كملت في حياة النبي ﷺ ولكن حاجة الأمة لممارسة الخلافة والحكم في غيبة المعصوم ﷺ كانت ماسة كما ستعالج مجالات وموضوعات لم تقع في حياته ﷺ، ومن خلال الأنموذج النبوي والراشدي يكتمل التصور النظري والعملي للمنهاج السياسي الإسلامي في ظل قيادة النبي المعصوم ﷺ والخليفة والإمام غير المعصوم.
ولما كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه أول خليفة للمسلمين عقب وفاة النبي ﷺ، فقد شكّلت خلافته المرحلة الأولى من التطبيق العملي للمنهاج السياسي الإسلامي بعد انقطاع الوحي وانتقال الرسول الكريم ﷺ إلى الرفيق الأعلى، وتميزت فترة خلافته بجملة من الخصائص التي أبرزت الأسس الشرعية في اختيار الحاكم وبيعته، كما كشفت خطبته الأولى عن ملامح برنامجه السياسي، والتي تُعد وثيقة مهمة في الفقه السياسي الإسلامي من حيث تحديدها لطبيعة السلطة ووظائفها ومسؤوليات الإمام وحقوق الأمة.
ومن هنا، تسعى هذه المقالة والتي تليها إلى إبراز جانبين رئيسين من التجربة السياسية لأبي بكر الصديق رضي الله عنه:
1- منهج اختيار الأمة لأبي بكر الصديق وبيعته، وما انطوى عليه من شورى، ورضا عام، وقواعد سياسية راسخة.
2- معالم برنامجه السياسي كما وردت في خطبته الأولى، وما تحمله من مبادئ عقدية وأخلاقية وسياسية شكّلت أساس الحكم الراشد.
وتهدف هذه القراءة إلى بيان أنّ التجربة السياسية الراشدة ليست مجرد أحداث تاريخية، بل هي مرجعية معيارية تستند إليها دراسات السياسة الشرعية، وتُسهم في توجيه النظر المعاصر نحو أنموذج حكمٍ يقوم على العدل، والشورى، والأمانة، وصيانة المجتمع من الفساد والفرقة.
أولًا: اسمه ونسبه ومكانته
أبو بكر الصديق هو عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي، ويلتقي نسبه مع النبي ﷺ في مُرّة بن كعب. لُقّب بالصِّدِّيق لسبقِه إلى تصديق رسول الله ﷺ في كل ما جاء به، وخصوصًا في حادثة الإسراء والمعراج، وُلد بعد النبي ﷺ بسنتين وأشهر، وتوفي عن ثلاثٍ وستين سنة، مثل عمر النبي ﷺ.
كان من سادة قريش المرموقين في الجاهلية، معروفًا برجاحة العقل، وحسن السيرة، وخبرة واسعة بالأنساب، ولما بُعث النبي ﷺ كان أبو بكر من أوائل من أسلم، بل هو أول الرجال إسلامًا، وقد شهد له النبي ﷺ بعلوّ مكانته، فقال: “ما كلمتُ في الإسلام أحدًا إلا أبى عليّ وراجعني الكلام إلا ابن أبي قحافة، فإني لم أكلمه في شيء إلا قبِله واستقام عليه”.
وكان صاحب النبي ﷺ في الهجرة، ونزلت فيه آية الغار: ﴿ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ﴾ [التوبة: 40]، وهي أعظم شهادة لصحبته وفضله. وقد تواترت النصوص التي تدل على مكانته العظيمة عند الله ورسوله ﷺ وفي قلوب الصحابة.
إشارات النبي ﷺ إلى تفضيله لأبي بكر
لم يصرّح النبي ﷺ بتعيين خليفة باسمه قبل وفاته، لكنه ترك دلائل واضحة تُظهر أن أبا بكر أحق بالخلافة، ومن هذه الدلائل:
- إمامته للناس في الصلاة
لما اشتد مرض النبي ﷺ قال: “مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس” متفق عليه، وكانت الصلاة أعظم شعائر الدين، واختيار الإمام فيها إشارة قوية إلى أولويته في إمامة الأمة.
- رغبته في كتابة كتاب يقطع النزاع
قالت عائشة رضي الله عنها: قال النبي ﷺ:”ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمنٍّ ويقول قائل: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر”.
- الأمر بالاقتداء به
قال النبي ﷺ: “اقتدوا باللذَين من بعدي: أبي بكر وعمر”، وهو تصريح بفضله ولزوم الاقتداء به وعظيم مكانته بعد النبي ﷺ.
- تخصيص بابه بالبقاء مفتوحًا في المسجد
قال ﷺ قبل وفاته: “لا يُبقينَّ بابٌ في المسجد إلا سُدّ، إلا باب أبي بكر”، وهي إشارة إلى شرفٍ لا يشاركه فيه أحد.
- إحالته السائلين إليه بعد موته
قال رسول الله ﷺ لامرأة سألته عن أمر تعود إليه فيه: ”فإن لم تجديني فأتي أبا بكر” متفق عليه.
- إخباره بأن أبا بكر هو مرجعية الزكاة بعده
عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: بعثني بنو المصطلق إلى رسول الله ﷺ أن سَلْه: إلى من ندفع صدقاتنا بعدك؟ فأتيته فسألته فقال: “إلى أبي بكر”.
هذه النصوص مجتمعة وغيرها تبين بوضوح أنّ النبي ﷺ كان يرى أبا بكر الأحق بخلافته، وأن الأمة ستجتمع عليه. ومع وضوح هذه الإشارات، واجه المسلمون بعد وفاة النبي ﷺ موقفًا حاسمًا يتطلب اختيار قائد وإمام وخليفة يجمع الكلمة ويوحّد الصف، وهنا يبرز السؤال: كيف تعامل الصحابة مع هذا الحدث الجلل؟ وكيف تمت بيعة أبي بكر الصديق خليفة للمسلمين؟
ثانيًا: طريقة اختيار أبي بكر وكيفية مبايعته
لما توفي رسول الله ﷺ وارتقى إلى الرفيق الأعلى أصابت الناس دهشة عظيمة، حتى إن عمر بن الخطاب أخذ يهدد ويتوعد كل من يقول: “مات رسول الله ﷺ”، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: وقال عمر: “والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، ولَيَبْعَثَنَّهُ اللهُ ولَيَقْطَعَنَّ أيدي رجالٍ وأرجلهم”. وكان أبو بكر غائبًا ذلك اليوم، فلما حضر كشف الأمر للمسلمين وأكد لهم حقيقة موت النبي ﷺ، كما جاء عن الزهري قال: حدّثني أبو سلمة عن عبد الله بن عباس: أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس، فقال: “اجلس يا عمر”. فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر. فقال أبو بكر: ”أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدًا ﷺ فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت”. ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144]. فقال عمر: “والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت حتى ما تُقِلُّني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي ﷺ قد مات”. وكان ذلك يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة للهجرة.
بعد أن تيقّن الصحابة من وفاة النبي ﷺ، بادروا في أمر الخلافة، فالتف المهاجرون حول أبي بكر، واجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة حول زعيمهم سعد بن عبادة. أما علي والزبير ومن معهما فانشغلوا بتجهيز النبي ﷺ.
فلما بلغ خبر اجتماع الأنصار إلى المهاجرين، ذهبوا إليهم لمناقشتهم في أمر الخلافة وجمع كلمة المسلمين على رجل واحد، وقد روى ذلك الإمام البخاري من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فيما يرويه عن خطبة عمر رضي الله عنه، التي جاء فيها قوله:”إنه قد كان من خبرنا حين توفّى الله نبيّه ﷺ أن الأنصار خالفونا، واجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار. فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا رجلين صالحين منهم، فذكرا ما تمالأ عليه القوم. فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. فقالا: لا عليكم ألّا تقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينهم”.
قال عمر: “فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مُزَمَّلٌ بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة. فقلت: ما له؟ قالوا: يوعَك. فلما جلسنا قليلًا تشهّد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: نحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم -معشر المهاجرين- رهط، وقد دَفَّتْ دافّة من قومكم، يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر”.
قال عمر: “فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنت قد زوّرت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحدّ، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك. فكرهت أن أغضبه. فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها، حتى سكت”.
ثم قال أبو بكر: “ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحَيّ من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم“، وأخذ بيد عمر وبيد أبي عبيدة بن الجراح. قال عمر: “فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدَّم فتُضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم، أحب إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسوِّلَ إليَّ نفسي عند المنصب شيئًا لا أجده الآن”، فقال قائل من الأنصار: “أنا جَذِيلُها الـمُحَكَّكُ، وعُذَيْقُها الـمُرَجَّب؛ منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش”، فكثر اللغط وارتفعت الأصوات، حتى خشِيَ عمر من الفتنة، فقال: “ابسط يدك يا أبا بكر نبايعك! فبسط يده فبايعتُه، وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار”.
وفي اليوم التالي خرج أبو بكر إلى المسجد فبايعه الناس فيما عُرف بالبيعة العامة، وقد جاء عن الزهري عن أنس بن مالك قال: سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر. فلم يزل به حتى صعد المنبر، فبايعه الناس عامة.
وبذلك كانت بيعة أبي بكر بإجماع الصحابة. يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: “وقد اتفق الصحابة رضي الله عنهم على بيعة الصديق في ذلك الوقت، حتى علي بن أبي طالب والزبير بن العوام رضي الله عنهما”، والدليل على ذلك ما رواه البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قُبض رسول الله ﷺ فاجتمع الناس في دار سعد بن عبادة، وفيهم أبو بكر وعمر. فقام خطيب الأنصار فقال: “أتعلمون أننا أنصار رسول الله ﷺ، فنحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره”. فقام عمر بن الخطاب فقال: “صدق قائلكم، ولو قلتم غير هذا لم نبايعكم”. ثم أخذ بيد أبي بكر وقال: “هذا صاحبكم فبايعوه”. فبايعه عمر، وبايعه المهاجرون والأنصار، ثم قال: فصعد أبو بكر المنبر، ونظر في وجوه القوم فلم ير الزبير، فدُعي الزبير فجاء. فقال له عمر: “ابن عمّة رسول الله ﷺ! أَرَدْتَ أن تشق عصا المسلمين؟” قال: “لا تثريب عليك يا خليفة رسول الله” فقام فبايعه. ثم نظر فلم ير عليًا، فدُعي بعلي بن أبي طالب. فقال له عمر: “ابن عم رسول الله وخَتَنه على ابنته! أَرَدْتَ أن تشق عصا المسلمين؟” قال: “لا تثريب عليك يا خليفة رسول الله” فبايعه.
هذه هي ملامح اجتماع السقيفة مع بعض التفصيلات هنا وهناك، ونعرض في المقال القادم جملة من الملاحظات التي نراها مهمة في سياق بحثنا، إن شاء الله تعالى.





