
حماية “المدنيين” بين الإسلام والقانون الدولي (1/2)
نوفمبر 14, 2025
الاحتلال يشن حملة اعتقالات وحصاراً على مرابطي الخليل والضفة
نوفمبر 15, 2025الشيخ عبد الله عزام
رحمه الله*
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: سُئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: “مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله”. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رجلاً قال: يا رسول الله! رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضاً من الدنيا. فقال ﷺ: “لا أجر له”. فأعادها ثلاثاً كل ذلك يقول ﷺ: “لا أجر له”.
﴿وَقَـٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةࣱ وَیَكُونَ ٱلدِّینُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡا۟ فَلَا عُدۡوَ ٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِینَ﴾ [البقرة: ١٩٣].
﴿یُرِیدُونَ لِیُطۡفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَ ٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَـٰفِرُونَ * هُوَ ٱلَّذِیۤ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِینِ ٱلۡحَقِّ لِیُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّینِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ﴾ [الصف: ٨-٩].
﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا كَاۤفَّةࣰ لِّلنَّاسِ بَشِیرࣰا وَنَذِیرࣰا﴾ [سبأ: 28]. ﴿ وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: 107].
إن هذا الدين جاء إعلاناً عاماً للبشرية كافة يؤذن أن مجال عمله هو الإنسان، كل إنسان في الأرض.. كل الأرض، ومن ثم فإن الجهاد ضرورة حتمية تلازمه كلما أردنا أن نبلغه للناس أو ننشره في ربوع العالمين، لأنه سيقف في وجهه العقبات الكبرى التي يقوم عليها كيان الجاهلية.. سيقف في وجهه عقبات كأْداء سياسية واجتماعية واقتصادية وعرقية وجغرافية، ولا يمكن لدين جاء لينقذ البشرية أن يقف مكتوف اليدين يبلغ باللسان ويدع للجاهلية السلاح والسنان! لأن الجاهلية نفسها ستتحرك لتحمي كيانها وتجتث الإسلام من الجذور: ﴿یُرِیدُونَ لِیُطۡفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَ ٰهِهِمۡ﴾. وسواء تحركت الجاهلية أم لم تتحرك فلا بد للإسلام أن ينطلق بحركته الذاتية التي لا بد منها لقانون التدافع: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضࣲ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [البقرة: ٢٥١].
إن قانون التدافع بين الحق والباطل هو الذي يحفظ الحياة صالحة، وإلا أسنت الحياة وتعفنت و: ﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَیۡدِی ٱلنَّاسِ﴾ [الروم: 40]..
﴿إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةࣱ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادࣱ كَبِیرࣱ﴾ [الأنفال: ٧٣]، يعني إن لم تحصل الموالاة بين المؤمنين، والجهاد، والهجرة في سبيل الله يعم الشرك الأرض. وقانون التدافع هو التفسير الإسلامي للتاريخ والأحداث إن الإسلام لم يأت ليكون دين الجزيرة العربية فحسب، أو ليكون دين العرب فقط، ثم بعد ذلك يقبع في أرجاء الجزيرة يدافع عن حدودها ويحمي أطرافها، إن رسول الله ﷺ بُعث للأحمر والأسود.
إن الجهاد ضرورة لحماية الشعائر، وحفظ الفرائض التعبدية وأماكن أدائها ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضࣲ لَّهُدِّمَتۡ صَوَ ٰمِعُ وَبِیَعࣱ وَصَلَوَ ٰتࣱ وَمَسَـٰجِدُ یُذۡكَرُ فِیهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِیرࣰاۗ وَلَیَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن یَنصُرُهُۥۤ﴾ [الحج: ٤٠].
فالتمكين في الأرض ضرورة حتمية وفرض لازم لحماية العبادة ﴿ٱلَّذِینَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا۟ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡا۟ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ﴾ [الحج: ٤١].
لقد بلغت الجرأة بأعداء الله أن يعلن أتاتورك تحويل مسجد أيا صوفيا إلى متحف، ويمنع الأذان بالعربية، ويمنع صلاة الناس، ويفرض السفور على كل امرأة تتعامل مع الدولة أو تدرس في مدارسها! ولقد وصل الصلف بعبد الحكيم عامر أن يوزع على خطباء المساجد أن يمتنعوا عن الكلام على فرعون سيدنا موسى! وبلغ الغرور بالنصيري أن يعلن حكم الإعدام عقوبة على مَن ثبت أنه من الإخوان المسلمين! ووصل الاستهتار والسخرية بالقيم عند أحدهم أن يؤسس نوادي للعراة يسميها (صفر في الأخلاق)! ويعلن جمال سالم هزأه بالقرآن الكريم، فيطلب من الأستاذ الهضيبي أن يقرأ الفاتحة معكوسة. ويصرح حمزة البسيوني قائلاً لمن استغاثوا بالله أثناء التعذيب: لو جاء الله لوضعته في الزنزانة!!
إنها مهزلة مضحكة قاتلة أن يقول قائل: إن وظيفة الإسلام أن يقف واعظاً لأمثال هؤلاء ينصحهم باللسان ولا شأن له بالسنان لأنه لا إكراه في الدين! لا بد للإسلام من البيان باللسان، وإزالة الحواجز أمام دعوته بالسنان. نعم ﴿لَا إِكْراهَ فِي الدّينِ﴾ بعد تحطيم العقبات التي تَحولُ دون وصول الإسلام إلى الناس… إن الحق يأبى الحدود الجغرافية، ولا يرضى أن ينحصر في حدود ضيقة اخترعها علماء الجغرافيا، فالدين يتحدى العقول البشرية النزيهة ويقول لها: ما بالكم تقولون إن القضية الفلانية حق في هذا الجانب من الجبل أو النهر، وهي باطل إذا اجتزت هذا الشاطئ إلى الشاطئ الآخر!
وظيفة الجهاد
إن وظيفة الجهاد الإسلامي تتلخص في ثلاث نقاط:
- نشر الدعوة الإسلامية وهذه أهمها وأساسها.
- حماية دار الإسلام التي يقيمها لتكون منطلقاً لدعوته ومحضناً آمناً لفكرته.
- إنقاذ المستضعفين في الأرض.
﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِینَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَاۤءِ وَٱلۡوِلۡدَ ٰنِ ٱلَّذِینَ یَقُولُونَ رَبَّنَاۤ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَـٰذِهِ ٱلۡقَرۡیَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِیࣰّا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِیرًا﴾ [النساء: ٧٥]. إن قيمة الأرض ذاتها ليس لها قيمة ولا وزن في نظر الإسلام، إلا إذا ساد فيها منهج الله، وحكَمتها شريعته، وهيمن عليها دِين. يقول الشهيد سيد: “إن الأرض تعتبر ذات قيمة في المنهج الإسلامي عندما تكون محضناً للعقيدة، وحقلاً للمنهج، وداراً للإسلام، ومنطلقاً لتحرير الإنسان، وحقيقة أن حماية دار الإسلام حماية للعقيدة والمنهج والمجتمع الذي يسود فيه المنهج، ولكنها ليست الهدف النهائي، وليست حمايتها هي الغاية الأخيرة لحركة الجهاد الإسلامي، إنما حمايتها هي الوسيلة لقيام مملكة الله فيها، ثم لاتخاذها قاعدة انطلاق إلى الأرض كلها، وإلى النوع الإنساني بجملته، فالنوع الإنساني هو موضوع هذا الدين، والأرض في مجاله الكبير”.
إن مكة -وهي التي تضم البيت العتيق ويكنّ حبها في قلبه ﷺ- تُترك إذا أقفرت من أن تنبت خضرة أو تعطي ثمرة، إن الجهاد في الإسلام لا يمكن أن يكون دفاعياً عن بقعة أرض أو عن عرق أو قومية.. إنه دفاع عن الدعوة والعقيدة التي يجب أن تعم الأرض، وعن الدين الذي يريد الله أن يُظهره على الدين كله، إن من حق الإسلام أن يتحرك ابتداء، فالإسلام ليس نحلة قوم ولا نظام بشري، ولكنه منهج إله ونظام عالم، ومن حقه أن يتحرك لتحطيم الحواجز بين الأنظمة والأوضاع التي تغل من حرية الإنسان.
إن الإسلام دين واقعي بواجه فساد التصور والمعتقدات بالآيات البينات، ويقابل قوة الجاهلية والسلطان بالقوة.
نقاط مهمة على طريق الجهاد
لا بد من الانتباه إلى بعض النقاط الهامة على طريق الجهاد :
1- إن الطريق إلى الجهاد لنشر دين الله في ربوع العالمين لا بد أن يبدأ بدعوة صريحة للتوحيد الخالص، ولتوضيح لا إله إلا الله في النفوس، وتوحيد الربوبية (المعرفة والإثبات)، وتوحيد الله بأفعاله بأن نثبت له الوحدانية في الرزق والأجَل والإحياء والإماتة والقدرة.
2- توحيد الأسماء والصفات، فنثبت لله الأسماء الحسنة والصفات العليا، دون تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل، كما ورد في الكتاب والسنة، دون اشتقاق أسماء جديدة لله عز وجل، فلا نقول إن الله جابر مع أن اسمه الجبار، فلا نسمي عبد الجابر، ولا نقول يا ساتر لأن صفته الواردة في السنّة الستير.
وهذه الدعوة هي جماع دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِیۤ إِلَیۡهِ أَنَّهُۥ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّاۤ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].
وتبدأ هذه الدعوة إلى التوحيد منذ اللحظة الأولى بتجميع الناس عليها، وعندما يتجمع حولها مجموعة من الناس يضحون من أجلها ويعيشون في سبيل إعلانها تتحرك الجاهلية من حولهم لسحقها وسحقهم، فتقوم المعركة بين الحق والباطل، فيسقط على الطريق أناس، ويُفتن أناس، ويستشهد أناس، ويصبر أناس يحملون اللواء والنبراس وهؤلاء ينصرهم الله ويمكّن لهم في الأرض. ويجعلهم ستاراً وأداة لنصرة شريعته ﴿حَتَّىٰۤ إِذَا ٱسۡتَیۡـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤا۟ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُوا۟ جَاۤءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّیَ مَن نَّشَاۤءُۖ وَلَا یُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِینَ﴾ [يوسف: ١١٠].
لا بد من البحث عن قطعة أرض مناسبة يقام عليها دين الله، وعلى الدعاة أن يركزوا جهودهم وجهادهم عليها حتى يأذن الله لهم بالنصر، ويفتح عليهم بالغلبة، هذه الأرض تكون داراً للإسلام، ومنطلقاً لدعوته، ومحضناً لفكرته، ومناخاً صالحاً لنبتته، ولذا لا بد من وضع النقاط على الحروف في هذه القضية:
- إن سكوت الجاهلية عن الحق ومهادنته لهو أمر خلاف سنة الله في الحياة، وعكس قانونه في التدافع، فإن كان هنالك سكوت فهو أمر عارض ولوقت محدود، ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡیَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَىِٕنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَاۤءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِی جَاۤءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِیࣲّ وَلَا نَصِیرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]. إنه يستحيل على النفس أن تعيش طويلاً في مجتمع فاسد دون أن تتحرك لإزالته وتغييره.
2- إن نصر الله لا يتنزل إلا بعد طول البلاء وشدة المحنة ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُوا۟ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا یَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِینَ خَلَوۡا۟ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَاۤءُ وَٱلضَّرَّاۤءُ وَزُلۡزِلُوا۟ حَتَّىٰ یَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَاۤ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِیبࣱ﴾ [البقرة: ٢١٤]. فالذين ينتظرون أن يتنزل النصر عليهم وراء مكاتبهم وهم جالسون على مقاعدهم. هؤلاء لا يدركون سنة الله في المجتمعات ولا قانونه في الدعوات.. إن الأفغانيين قد قدموا حتى الآن بين مليون إلى أكثر من مليون ومائتي ألف شهيد، ولم يصلوا إلى نصرة دين الله بعد، ولم يتمكنوا من إقامة شرعه في الحياة.
- إن الصبر الطويل على ظلم الجاهلية، وكبت الأنفاس الحارة من أن تخرج من الأعماق، والزفرات من أن تفرج عن الصدور، قد يظنه البعض مفيداً للدعوات، ولا يعلمون أنه قاتل للنفوس، خاصة إذا صاحبه هلع شديد، وحذر بالغ يصل إلى حد الهوس، وجبن خالع يؤدي إلى الموت البطيء التدريجي. إن الغيرة قد تكبت أولاً، ثم تذوي، ثم تضمحل ثم تموت، فإذا ماتت تحول الإنسان إلى جثة هامدة لا تنكر منكراً ولا تعرف معروفاً، أو كما جاء في الحديث “إنه لم يتمعر [أي يحمر] وجهه يوم غضباً لله”.
إن الصبر الطويل على المنكرات وأنت غارق في سريتك القاتلة يؤدي إلى الاستئناس يومياً بالجاهلية الطاغية، وأخيراً يؤدي للألفة التي تمسخ الفطرة وتعكس النظرة “كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً”، إن الألفة التي تقتل الحس الإسلامي في القلب هي الداء الذي يصيب كثيراً من الدعاء الصامتين، بل أكثر من ذلك: يؤدي إلى اختلاف الدعاة وتمزق العاملين. ورُوي أنه لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم لسان داود و عيسى ابن مريم، ثم تلى ﷺ الآية وقال: “كلا والله لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، ولتأخذنّ على يدي الظالم ولتأطرنّه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ويلعنكم كما لعنهم”.
بل أكثر من ذلك مَن يوسم الذي يغار على الحرمات ويصدع بالحق بالتهور والاندفاع، ويوصَف الساكت بالالتزام والاتزان! قال لي أحد الدعاة: لقد مكثت في مكتب سنتين مع موظف آخر لم يعرف اتجاهي خلالها، فقلت: إذَن لم تتكلم خلال السنتين كلمة واحدة عن الحق الذي تحمله بين جوانحك!
ترى لو فعل الصحابة كما يفعل كثير من الدعاة السريين اليوم، هل تظنون أن الإسلام خرج من حدود مكة؟! لو سكت بلال وراوغ ياسر وسمية واستسلم ظاهراً عثمان بن مظعون، وقبل أبو بكر بشرط ابن الدغنّة الذي أجار أبا بكر ألا يرفع صوته في القرآن لأن صوته مؤثر بأبناء الحي من قريش؟ أقول: لو سكت هؤلاء أمام طغيان الجاهلية وجبروتها، فإن الإسلام لا يمكن أن يخرج من بطحاء مكة ولا يتجاوز الحَرة.
إن إصبع بلال التي تشير إلى السماء وهو تحت العذاب الشديد مردداً: “أَحد أَحد”.. لهو زلزلة للكفر من أعماقه، وهز لكيان الجاهلية من جذوره.. إن الدعوات لا تنتصر في مراحلها الأولى إلا بصوت الروح لا بصوت العقل كما يقول مالك بن نبي. إن مرحلة العقل هي مرحلة تالية لمرحلة (صوت الروح) التي تدفع للبذل وتحرك للتضحية. إن صوت العقل يقول لبلال: اخدع أمية بن خلف وقل له: أنا على دين اللات والعزى، وفي الليل تعال إلى محمد قائدك الحقيقي وواليك ورائدك وقل له: لقد ضحكت على أمية وخدعته فحسبني معه وتركني وشأني! ولكن الدعوات لا تنتصر بهذه الكذب والسياسة، إنها تنكس وتتحطم إذا لم تجد من يغذيها بالدماء، ويبنيها بالجماجم والأشلاء.
لقد أصبح الدعاة يرددون على ألسنتهم: هذا عاطفي، وهذا طيب، وهذا مندفع، وكأن هذه الصفات التي يقوم عليها الحب الحقيقي أصبحت معرة وملامة في أنظار الذين لا يعلمون سنن الدعوات!
لابد من السرية في بداية الأمر، ولا بد من الحذر خلال الطريق، ولا بد من ضبط النفوس أثناء المسيرة. ولكن السرية في دعوة رسول الله ﷺ كان لها وقت قصير سرعان ما تجاوزته إلى الإعلان، والحذر لا بد منه مع النفر ﴿خُذُوا۟ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُوا۟﴾ [النساء: ٧١]. ليس الحذر الذي يؤدي إلى الشلل والجزع والموت.
وضبط النفس أثناء المسيرة ليس عن إعلان العقيدة وتوضيح المبدأ، فهذا شيء لم يضبط أحد من الصحابة نفسه عنه عند عرض الدعوة، وإشهار الدين كان ديدن كل مسلم بعد أن نزل قوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 2]، إن الصبر له حدود، والصمت له مدى وإلا فهو يغير الفطرة ويقتل الغيرة.
- إن المعركة مع الجاهلية بالسلاح والسنان لا يمكن إلا إذا سبقتها معركة البيان واللسان، وإن التضحية بالنفس والروح في أرض القتال لا يكون إلا بعد بذل الوقت والمال.
إن الذين يعجزون أن يسيروا أمتاراً سيهلكون إذا حاولوا قطع الأميال. إن الذين ينتظرون من حفنة من الضباط أن يقيموا لهم دين الله في الأرض وهم يصدرون الأوامر لهم أثناء انشغالهم بالدنيا والأموال وتسجيل العقارات، هؤلاء يظنون أن إقامة المجتمعات وتغيير النفوس والأشخاص والقلوب وصقلها يتم بهذه السهولة وبهذا الرخص من التضحية!
5- إن المعركة والجهاد في سبيل الله هي التي تفرز القيادات وتبرز الرجال من خلال التضحيات، إن قدْر أبي بكر بين المسلمين بحيث كان انتخابه بشبه إجماع لم يأت مصادقة ولا اعتباطاً، إنما أبرزت أبا بكر الأحداث، وميزته التضحيات، ورفعته المواقف والمحن والملمات، ولذا قال عمر يوم تبوك بعد أن جاء بنصف ماله ورأى أن أبا بكر جاء بماله كله، وقال لرسول ﷺ عندما سأل: “ماذا تركت لأهلك”؟ قال: “تركت لهم الله ورسوله”. وعندها قال عمر: “ما تسابقت أنا وأبو بكر في مسألة إلا سبقني أبو بكر”.
ولم يكن أبو بكر بحاجة إلى دعاية انتخابية، ولا للاشتراك في قائمة مرشحين، لأن قدره قد برز أثناء المسيرة، وعلى طول الطريق، فلم يعد بحاجة إلى شراء الضمائر بالأموال، ولا إلى تضليل النفوس ببريق الإعلام وتلميع الأعمال، إن المجتمعات الراكدة كالماء الراكد لا يطفو عليه إلا العفن والطحالب والاشنات، فقيادة المجتمعات الراقية التي لا تتحرك للقتال تطفو متعفنة فاسدة، وأما المجتمع المجاهد فإنه كالماء المتحرك والنهر الجاري يأبى أن يحمل العفن أو يطفو على وجهه الخبث.
كيف يمكنني أن أسوي بين إنسان عادي تاجر أو صاحب مال يأتي من السعودية أو دول البترول ليقدم ماله بيده ويقدم زكاته بنفسه إلى المجاهدين ويطلع على أحوالهم، كيف أسوي بينه وبين داعية يحضر إلى باكستان لأداء امتحان في جامعة من جامعاتها ويمكث شهراً أو شهرين انتظاراً لموعد مناقشة الماجستير أو النظر في أمر تسجيله في الجامعة دون أن يخصص أسبوعاً للمجاهدين! أنا أقول في نفسي: إن هذا الداعية لم يعد في نفسه أية حرقة على هذا الدين، وأية غيرة تدفعه للاهتمام بأمر المسلمين، ولا يمكن لقلبي أن يصدق أن هذا من الدعاة.. بل إن ذلك الإنسان المعادي عندي أفضل بكثير من هذا الداعية الذي طال عليه الأمد فقسى قلبه، وأرجو ألا يكون من الفاسقين، من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
ــــــــــــــــ
* عبد الله عزام، الذخائر العظام فيما أثر عن الإمام الهمام الشهيد عبد الله عزام، ط1 (بيشاور: مركز الشهيد عزام الإعلامي، 1997م)،، 1/ 653 وما بعدها.





