
الخذلان والخيانة بين غزة وذاكرة الأمة
أكتوبر 12, 2025
بن غفير يقتحم الأقصى والاحتلال يحول منازل الضفة لثكنات
أكتوبر 14, 2025ميشيل كابانغا
برازافيل – جمهورية الكونغو
ولدتُ في حي فقير، حيث المنازل مبنية من الطوب والطين، والأزقة مليئة بالأتربة والمياه الراكدة بعد كل مطر. أبي كان عامل بناء بسيط، وأمي كانت تعمل خادمة في البيوت. لم نكن متدينين، بل كنا نؤمن بالخرافات القديمة؛ نضع تمائم حول الرقاب، نخاف الأرواح، ونعتقد أن بعض الأحداث لا يمكن تفاديها إلا بالطقوس.
كبرت وأنا أرى العالم من حولي مليئًا بالصعوبات: ضوضاء المدينة، عمالة الأطفال في الشوارع، فقراء بلا مأوى، سجون مزدحمة، مرضى بلا علاج. لم أكن أفهم لماذا يحدث كل هذا، ولماذا أنا محاصر في هذا الواقع.
منذ صغري، أحببت العمل اليدوي. درست قليلاً، لكنني انخرطت سريعًا في ورشة البناء التي أدارها عمي. كل يوم كان يبدأ عند الفجر، أصحو مع صوت المطارق، وأنتهي في المساء وأنا مُنهك. الحياة كانت مجرد روتين: عمل، نوم، أكل، وربما صراخ أو جدال مع زملاء العمل.
كنت أظن أن هذا كل ما في الحياة، حتى حدثت لي سلسلة من المشكلات المختلفة: مرض أحد أقاربي، فشل مشروع صغير حاولت تمويله، مشاجرات مع الجيران. شعرت أنني أفشل في كل شيء، وأن حياتي بلا معنى.
في أحد الأيام، بينما كنت أستريح بعد العمل، تصفحت هاتفي بملل على فيسبوك. وسط المنشورات المتكررة ، لفت انتباهي منشور بسيط من مشروع يدعو إلى الإسلام باسم ” مشروع بصيرة ” مكتوب فيه:
“هل تبحث عن السلام النفسي والطمأنينة؟ هل تريد أن تعرف سبب وجودك في هذه الحياة؟ نحن هنا لنجيبك”.
توقفت عند الكلمات. شعرت بشيء غريب في داخلي، كأنها موجهة لي شخصيًا. في أسفل الصفحة كان هناك زر: “ابدأ الحوار الآن مع داعية”. ضغطت على الرابط.. ترددت قليلاً، ثم كتبت:
“مرحبًا، اسمي ميشيل. أنا لا أعرف شيئًا عن الإسلام، لكنني أبحث عن معنى لحياتي”.
رد عليّ الداعية بسرعة: “أهلاً بك يا ميشيل، يسعدني الحديث معك. أخبرني، ما الذي يشغل بالك أكثر؟”
كتبت له بصراحة:
“أشعر أن حياتي بلا معنى.. كل يوم مجرد ضجيج وغبار وألم. أريد أن أفهم: مَن خلقنا؟ ولماذا نحن هنا؟ وهل هناك بالفعل حياة بعد الموت أم أنها النهاية؟”
ابتسم في كلماته رغم أنني لم أره، وقال:
“هذه أسئلة عميقة يا ميشيل، وهي بداية الطريق نحو فهم حياتك. في الإسلام نؤمن أن الله واحد، خالق كل شيء، وأن الحياة ليست عبثًا. خلقنا لنعبده، وكل تجربة نمر بها لها حكمة، ولو لم نفهمها الآن”.
بدأت أسأله أسئلة أكثر تحديدًا:
• “لماذا يوجد الفقراء والمعذبون؟”
• “أين الله؟”
• “ماذا يحدث بعد الموت؟ هل هناك أمل؟”
كان يجيب بهدوء وبلغة بسيطة، ويرسل لي مقاطع قصيرة وصورًا مكتوبة من القرآن مترجمة للفرنسية: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35].
شعرت لأول مرة أن الكلمات كانت تخاطب قلبي مباشرة، لا عقلي فقط.
مر الوقت وأنا أطرح أسئلتي، وكل جواب يهدئ جزءًا من قلبي المتعب. شعرت أن هناك شيئًا أكبر من كل هذه الضوضاء والضياع الذي كنت أعيش فيه.
ثم جاء اللحظة التي شعرت فيها باليقين:
قلت له: “أريد أن أعرف كيف أصبح مسلمًا؟”
كتب لي بحماسة هادئة: “نعم يا ميشيل، يمكنك أن تنطق بالشهادتين الآن. ردد معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله أن عيسى عبد الله ورسوله”.
كررتها ببطء، والدموع تملأ عينيّ. شعرت وكأن كل الأحمال الثقيلة التي حملتها طوال حياتي ذهبت في لحظة. شعرت بالسكينة لأول مرة، بشعور لا يوصف بالكلمات.
بعد النطق بالشهادتين مباشرة، أرسل لي الداعية روابط لتعليم الصلاة، الوضوء، ونسخ مترجمة من القرآن. بدأت أتدرّب على الوضوء، أصلي ركعتين، وأستمع للترجمة. لم أكن أعرف كل التفاصيل، لكن قلبي كان مطمئنًا، وروحي شعرت بالسلام.
في اليوم التالي، شعرت بالفرق في كل شيء حولي: الأصوات لم تعد مزعجة، حتى الغبار في الورشة بدا أقل صخبًا.. وجدت طريقًا للسلام.
مع مرور الأيام، صرت أرتب حياتي حول الصلوات. أستيقظ قبل الفجر لأصلي ركعتين، وأقرأ القرآن المترجم بانتظام. بدأت ألاحظ نفسي أتعامل بصبر أكثر مع زملائي في الورشة، لا أغضب بسرعة، ولا أنفعل كما كنت أفعل سابقًا.
أكثر لحظة مؤثرة كانت حين جلست وحدي على سطح المنزل أراقب المدينة المزدحمة، وأفكر في حياتي السابقة: كل الضجيج، الفوضى، الغبار.. وكل ذلك بدا وكأنه لم يكن إلا طريقًا للوصول إلى هذه اللحظة. شعرت أن الله يراقبني برحمة، وأن حياتي ليست عبثًا.
اليوم، أنا أعيش حياة مختلفة: أصلي، أقرأ القرآن، أتعلم تعاليم الإسلام خطوة خطوة، وأحاول أن أكون مثالًا صادقًا لزملائي وعائلتي. لم أعد أرى الحياة مجرد روتين، بل فرصة للعبادة والخير، ولتحقيق المعنى الذي كنت أبحث عنه طيلة سنواتي.
كنت ضائعًا، محاصرًا بين الضجيج والغبار، حتى جاءت يد تهديني، وفتحت لي أبواب نور الإسلام.
الحمد لله الذي هداني، وأسأله الثبات، وأن أكون دائمًا على صراطه المستقيم، حتى ألقاه برضا ونعيم أبدي.
شكراً مشروع بصيرة.





