
ليلة العمر
مارس 10, 2026
الفرص الثلاث
مارس 13, 2026عبد الـمُصَوِّر الأحمر الأنصاري
ماجستير في إدارة المؤسسات الوثائقية والمكتبات- الجزائر
أخي القارئ.. هذه المقالة ليست وعظية على طريقة أئمتنا في المساجد -بارك الله جهودهم- فلا نستهدف من خلالها القلب، فمحورها وركيزتها ما يقارب تخصصي في علم المكتبات وإدارة المؤسسات المكتبية، بالتنبيه على مسألة يغفل عنها الكثير بسبب تعلقهم ببعض الروايات المعلولة التي تعطل قراءة السُّنّة في شهر رمضان! وفي محورنا الأول لتبين هذا الخطأ الشائع، استسمح القارئ الكريم، في تأكيد -المعلوم- من تقديم القرآن العظيم الكريم وتبجيله، وقد علمنا أنه المصدر الأول في شريعة رب العالمين التي لا يتقدم قبله مصدر..
إن من القطعيات المعلومات، أن شهر رمضان مقرونا بالقرآن من وجوه، نزوله، وقراءته، وقيام اللّيل به، وختمه مرات، شهد بذلك القرآن يُتلى وأحاديث النبي ﷺ تُروى، وقد أنزله الله تعالى من اللّوح المحفوظ في ليلةِ القدر جملةً واحدةً، ثم وُضع في بيت العزة في السماء الدنيا، ثم بعد ذلك أنزله جبريل عليه السلام على نبينا محمد ﷺ مُفَرَّقًا سورة تلو سورة وآية تلو آية على مدة النبوة كاملة. وإن هذا القرآن قد أنزله الله هداية لعبيده وإرشادهم إلى خيري الدنيا والآخرة.
ومشهور ومنقول عن كثير من أعيان السلف تفرغهم التام للقرآن الكريم في رمضان، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يتبعون طريقة التحزيب لختم القرآن في أسبوع، وهي تقسيم القرآن إلى (3 سور، ثم 5، ثم 7، ثم 9، ثم 11، ثم 13، ثم المفصل من سورة ق إلى آخر القرآن)، ونقلوا أن أئمة السلف ضربوا أروع الأمثلة في الانقطاع للقرآن الكريم خلال شهر رمضان، وذكروا لذلك نماذج عن بعض منهم:
- عثمان بن عفان (وُلد 576م-35ه) كان يختم القرآن في كل يوم من أيام رمضان.
- وأن الأسود بن يزيد (وُلد قبل الهجرة وتوفي سنة 75هـ( كان يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان ينام فقط بين المغرب والعشاء.
- وأن مجاهد بن جبر (21ه-104ه) يختم القرآن في رمضان بين المغرب والعشاء.
- وأن إبراهيم النخعي (47هـ-96هـ) كان يختم في كل ثلاث ليالٍ في رمضان، وفي العشر الأواخر يختم في كل ليلتين.
- وأن قتادة بن دعامة (61هـ- 118هـ) كان يختم في غير رمضان كل سبع ليالٍ، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليالٍ، فإذا جاءت العشر الأواخر ختم في كل ليلة.
- وروي عن الإمام أبي حنيفة (80ه-150ه) أنه كان يختمه ستين مرة في رمضان.
- ورُوي مثله عن الإمام الشافعي (150هـ-204ه) أنه يختمه في رمضان ستين ختمة بالنهار والليل، وكل ذلك في غير صلاته.
- وأن الإمام البخاري (194هـ- 256ه) كان يختم في النهار كل يوم ختمة، وكان يقوم بعد التراويح فيختم كل ثلاث ليالٍ ختمة أخرى.
هل ترَك السلف مجالس الحديث في رمضان؟
وروي أن بعض الأئمة كان يترك مجالس الحديث والفتيا تعظيماً لرمضان، وإليك بيانه:
رُوي عن الإمام مالك أنه كان إذا دخل رمضان “يفرُّ من الحديث ومجالسة أهل العلم”. ويُقبل على تلاوة القرآن من المصحف. كما رُوي عن سفيان الثوري قوله: “إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام”.
غير أن بعض العلماء يرى أن التوقف عن العلم لم يكن كلياً عند جميع العلماء، بل كان تقليلاً للمجالس العامة وتفرغاً للعبادة، وأن الغالب عليهم -كما سبق- تقديمهم تلاوة القرآن على ما سواها من العلوم.
فهل ثبت عن السلف أنهم كانوا يتركون مجالس العلم عموماً والأحاديث النبوية خصوصاً في رمضان؟
وما كان لنا أن نلزم أنفسنا بالتحقيق في المسألة لولا أنها صارت معتمد كثير من طلاب العلم، وسُنتهم كلما حل رمضان!
أسند ابن عبد البر في التمهيد عن يونس بن يزيد: “كان ابن شهاب إذا دخل رمضان يقول: فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام، وكان ابن شهاب أكرم الناس وأخباره في الجود كثيرة جداً”.
وفي هذا السند عبد الله بن محمد بن جعفر أبو القاسم القزويني، قال ابن عساكر في ترجمته: “قال ابن المقرئ: هكذا حدثنا هذا الشيخ ورأيت أصحابنا ضعفوه بعد كتابنا عنه والله أعلم وأنكروا عليه أشياء”. وقال فيه كذلك: “خلط في آخر عمره ووضع أحاديث على متون محفوظة معروفة وزاد في نسخ معروفة مشهورة فافتضح وحرقت الكتب في وجهه وسقط عند الناس وترك مجلسه، فلم يكن يجئ إليه أحد، توفي بعد ذلك بيسير”. وعليه فهذا الإسناد لا يصح.
وقد ذكر ابن رجب ثلاث روايات دون إسناد:
- أن الزهري إذا دخل رمضان يقول: “إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام”.
- قال ابن الحكم: “كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم”.
- قال عبد الرزاق: “كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن”.
والحقيقة لم يثبت أن السلف كانوا يتركون مجالس العلم في شهر رمضان ويتفرغون لقراءة القرآن، فلم يرد شيءٌ عن الصحابة في ترك السُّنة (الأحاديث) في رمضان، والتفرغ للقرآن كما يُشاع هنا وهناك! وإنما ورد ذلك عن ثلاثة من علماء السلف دون إسناد، وهم: التابعي الزهري، واثنين من تابعي التابعين وهما: الثوري ومالك، ولا يقوى به العمل.
وبخلافه نقول: لقد ثبت عن عديد من علماء السلف والتابعين الاهتمام بقراءة الحديث النبوي ودراسته في رمضان، مع إعطائهم الأولوية للقرآن، وإن كان بعضهم (وليس كلهم) يترك مجالس التحديث العامة ويتفرغ للقرآن، غير أن في المقابل استمر علماء آخرون في دراسة الحديث وتدريسه، لاسيما أبواب الصيام وفقهه في رمضان، لأنه من الواجب على الصائم (رجل وامرأة) أن يتعلم العلم الشرعي في رمضان بخاصة الفقه بأحكام الصيام لمن كان علمه به ضعيفاً حتى لا يرتكبون نواقض ومفسدات الصوم وهم لا يعلمون.
فكيف يعقل أن يستقيل علماء الأمة من واجب البيان والتفصيل، والله يقول: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. [التوبة: 122]. ويقول عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
وابْنِ عَبَّاسٍ يصف رسول الله ﷺ، قَالَ: “كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ”.
قال ابن القيم: “الجود بالعلم وبذله وهو من أعلى مراتب الجود، والجود به أفضل من الجود بالمال؛ لأن العلم أشرف من المال”.
ومن استقرأ سيرة السلف في كتب تراجمهم يعلم ما اشتُهر عند أهل التواريخ والسير أن غزوة بدر وفتح مكة كانتا في شهر رمضان، فإن كان جهاد البدن مرغوباً مشروعاً في شهر رمضان فكيف بالجهاد العلمي ممثلاً في نشر سنة النبي ﷺ الذي يرغب العلماء في حظ وافر من دعائه: “نضَّر الله امْرَأً سمِع مقالَتي فوعاها وحفِظها وبلَّغها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقهُ منه، ثلاثٌ لا يغلُّ عليهنَّ قلبُ مسلمٍ: إخلاصُ العملِ للهِ، ومناصحةُ أئمَّةِ المسلمينَ، ولزومُ جماعتِهم، فإنَّ الدعوةَ تحيطُ من ورائِهم”.
هذا والحمد لله رب العالمين.





