
موجز قصة إنشاء (إسرائيل)
نوفمبر 16, 2025
معضلة (الدولة) الإسرائيلية
نوفمبر 16, 2025الذي صار رئيس وزراء بريطانيا وأصدر وعد بلفور
ديفيد فروماكين
المؤرخ الأمريكي*
في جلسة سرية عقدها مجلس العموم البريطاني في 10 أيار (مايو) 1917، فاجأ رئيس الوزراء حتى أحد معاونيه المقربين عندما قال دون أي لبس: “إن بريطانيا لن تتخلى عن المستعمرات الألمانية في أفريقيا المستولى عليها في الحرب، ولن تسمح لتركيا بأن تحتفظ بفلسطين أو بلاد الرافدين”1.
كانت لدى لويد جورج أفكار محددة بشأن مستقبل الأراضي العثمانية المحررة ولكن لا أحد من زملائه كان مطلعاً عليها. فهو قد تجنب القنوات الرسمية ولم يطلع أحداً عليها بتفاصيلها سوى في مجرى مفاوضاته السرية مع أنور باشا. ومن هنا أهمية ما تكشفه.
كان في نية رئيس الوزراء أن ينكر على فرنسا الوضع الذي كان سير مارك سايكس قد وعدها به في الشرق الأوسط بعد الحرب، ورأى أن اتفاقية سايكس-بيكو ليست ذات أهمية، وكل ما يهم هو الحيازة الفعلية. وفيما يخص فلسطين فقد أبلغ السفير البريطاني لدى فرنسا في نيسان (أبريل) ۱۹۱۷ أن الفرنسيين سيجبرون على قبول أمر واقع: “سنكون هناك بقوة الفتح وسنبقى”2.
- رجل بني صهيون المخلص في الوزارة البريطانية
كان لويد جورج الرجل الوحيد في حكومته الذي أراد دائماً استيلاء بريطانيا علي فلسطين. وأراد أيضاً أن يشجع قيام وطن قومي يهودي في فلسطين. وعجز زملاؤه عن معرفة مدى شدة تمسكه بهذه الآراء.
كانت لمعتقدات لويد جورج خلفية يجهلها زملاؤه إلى حد كبير؛ فهو بعكس أعضاء مجلس الوزراء الآخرين، لم يدرس في مدرسة خاصة من المدارس البريطانية التي تشدّد على تعليم اليونانية واللاتينية وآدابهما القديمة.. لقد تربى على دراسة الكتاب المقدس، وكثيراً ما ذكر أن أسماء الأماكن الواردة في الكتاب المقدس يعرفها بأفضل مما يعرف أسماء المعارك والحدود المتنازع عليها في الحرب الأوروبية. وكان في حديثه عن هذه الأماكن يعبر عن نفسه بحرارة. وقد كتب في ما بعد في مذكراته أنه كان قد اعترض على تقسيم فلسطين وفقاً لاتفاقية سايكس-بيكو (معظم فلسطين من نصيب فرنسا أو من حصة المنطقة الدولية) لأن هذا التقسيم يشوه البلد. وقال إن الأمر لا يستأهل كسب الأرض المقدسة لمجرد “تحطيمها إلى أجزاء أمام الرب”3. وأكد أن “فلسطين في حال استعادتها، يجب أن تكون واحدة غير قابلة للتقسيم من أجل تجديد عظمتها ككيان حي”4.
وخلافاً لزملائه كان يعرف معرفة أكيدة وجود اتجاهات عمرها قرون في فكر أتباع الكنيسة الإنجيلية والمنشقين عن الكنيسة البروتستانتية، نحو تقدم الصفوف لإعادة اليهود إلى صهيون. وحقيقة الأمر أن هذه الاتجاهات شكلت خلفية عقيدته الانشقاقية عن الكنيسة. وكان هو الأحدث في سلسلة طويلة من الصهاينة المسيحيين في بريطانيا، وتعود هذه السلسلة في بدايتها إلى البيوراتنيين (الصفويين) البروتستانت، وإلى العصر الذي أبحرت فيه السفينة ميفلاور في طريقها إلى العالم الجديد. لقد كانت الأراضي الموعودة تخطر في البال كثيراً في تلك الأيام، سواء في الولايات المتحدة أو في فلسطين.
- كيف نشأت فكرة إقامة وطن يهودي؟
في منتصف القرن السابع عشر، تقدم اثنان من البيوريتانيين الإنكليز يقيمان في هولندا -جوان وابن عيزر كارترايت- بنداء إلى حكومتهما قالا فيه: إن هذه الأمة الإنكليزية وسكان هولندا سيكونون الأوائل والأكثر استعداداً لنقل أبناء وبنات إسرائيل في سفنهم إلى الأرض التي وعد بها أجدادهم إبراهيم وإسحق ويعقوب لتكون ميراثاً أبدياً5. كان البيوريتانيون، مسترشدين بأسفار التوراة، يعتقدون أن مجيء المسيح المخلص سيكون عندما يعاد أبناء يهودا إلى موطنهم الأصلي.
عادت الفكرة إلى الظهور في منتصف القرن التاسع عشر، أصبح المصلح الاجتماعي أنطوني كوبر، والذي صار ايرل اوف شافتسبوري، مصدر إلهام لحركة إنجيلية قوية داخل كنيسة إنكلترا، هدفها إعادة اليهود إلى فلسطين، وإدخالهم الديانة المسيحية وتسريع “المجيء الثاني”. وأوحى شافتسبوري أيضاً إلى بالمرستون، وزير الخارجية وقريبه عن طريق المصاهرة، بتوفير الحماية القنصلية البريطانية لليهود في فلسطين، لقد كتب شافتسبوري في مفكرته اليومية أن “الله اختار بالمرستون ليكون أداة خير لشعبه القديم”6.
تصرف بالمرستون بدافع مزيج من الأسباب المتعلقة بالمثل العليا والأسباب العملية التي لا تختلف عن الأسباب التي كانت حافز لويد جورج في القرن العشرين. كان بالمرستون يلح على الإمبراطورية العثمانية لإقامة فلسطين يهودية في سياق التنافس مع فرنسا خلال اللعبة الكبرى، وفي زمن من الثلاثينيات والأربعينيات في القرن التاسع عشر، كان فيه نائب السلطان المتمرد في مصر، محمد علي، بدعم من فرنسا قد زحف من مصر على سورية لتهديد وحدة أراضي الإمبراطورية وتهديد عرش السلطان. وكالعادة ساند بالمرستون القضية العثمانية.
كانت إحدى غاياته من الدعوة إلى فلسطين يهودية أن يعزز النظام العثماني بتوفير الدعم اليهودي له. وكان من غاياته الأخرى إحباط خطة الفرنسيين ورجلهم محمد علي بوضع وطن قومي يهودي تسانده بريطانيا على طريق زحفهم بغية إيقاف تقدم الزحف.
وثمة غاية أخرى هي إيجاد جهة صنيعة لبريطانيا في الشرق الأوسط تهيئ لها عذراً للتدخل في الشؤون العثمانية. فالروس بصفتهم حماة المذهب الأرثوذكسي، والفرنسيون باعتبارهم حماة الطائفة المارونية الهامة ذات الموقع الاستراتيجي في لبنان، كانتا تدّعيان حق تمثيل مصالح وجماعات شرق أوسطية هامة. ونظراً لقلة عدد البروتستانت في المنطقة كان على بريطانيا أن تتبنى جماعة أخرى لتتمكن من ادعاء حق مماثل.
وأثبتت فكرة بالمرستون -المتعلقة بإعادة أرض الميعاد إلى الشعب اليهودي- أنها أيضاً سياسة داخلية ذكية. فقد ضربت على وتر حساس في الرأي العام البريطاني يعود إلى الحماسة البيوريتانية. ويقول أحد الثقات في معرفة دبلوماسية بالمرستون، أن سياسته أصبحت على صلة بفكرة صوفية لم تغب غياباً تاماً في القرن التاسع عشر، مفادها أن بريطانيا يجب أن تكون أداة الله في إعادة اليهود إلى الأرض المقدسة7. وهذه الفكرة تعايشت بشكل ما، على أقل تقدير في الطبقات البريطانية العليا، مع معاداة السامية المنتشرة انتشاراً واسعاً.
في عام ١٩١٤ بدا وكأن دخول الامبراطورية العثمانية الحرب قد أوجد الظروف السياسية التي يمكن من خلالها أخيراً تحقيق الحلم الصهيوني. فقد تساءل الكاتب هـ. ج. ولز في رسالة مفتوحة كتبها لحظة دخول تركيا الحرب: “ما المانع من أن يأخذ اليهود فلسطين ويعيدوا يهودا الحقيقية”؟
بعد ذلك بوقت قصير خطرت فكرة مماثلة في ذهن سير هيربرت صامويل، مدير البريد العام في وزارة اسكويث، وأحد زعماء حزب الأحرار، وأول شخص من العقيدة اليهودية يكون عضواً في مجلس الوزراء البريطاني. فقد أرسل في كانون الثاني (يناير) 1915 مذكرة إلى رئيس الوزراء اسكويث مقترحاً أن تصبح فلسطين محمية بريطانية -لأنها ذات أهمية استراتيجية للإمبراطورية البريطانية- ومؤكداً فوائد تشجيع الاستيطان اليهودي على نطاق واسع فيها.
وكان رئيس الوزراء قد أنهى لتوه قراءة (تانكرد) -وهي رواية من تأليف بنيامين دزرائيلي الزعيم البريطاني في القرن التاسع عشر الذي تنصّر ولكنه ولد لأسرة يهودية- وكان يدعو لعودة اليهود إلى فلسطين – وقد أسر اسكويث لبعضهم أن مذكرة صامويل تكاد تكون طبعة جديدة من رواية (تانكرد) مع تغطية الأحداث حتى الوقت الحاضر. واعترف بأنه لا يشعر بالميل إلى هذه الإضافة المقترحة إلى مسؤولياتنا. ولكن المذكرة تصور تصويراً عجيباً مقولة دزرائيلي الأثيرة على نفسه أن “العرق البشري هو كل شيء” وها نحن نرى أن هذا التصوير العجيب والذي يكاد يكون بأسلوب شاعري إنما يتدفق من عقل هيربرت صامويل المنظم والمنهجي”8.
في شهر آذار (مارس) 1915 وزعت على مجلس الوزراء صيغة منقحة لمذكرة صامويل. ولكنها لم تحظَ بالتأييد، وكان تعقيب اسكويث الخاص عليها أن من الغريب أن النصير الآخر الوحيد لهذا الاقتراح هو لويد جورج الذي لا حاجة بي إلى القول إنه لا يهتم أدنى اهتمام باليهود ولا بماضيهم ولا بمستقبلهم9. ولم يكن رئيس الوزراء على دراية بمجموعة الدوافع وراء الموقف الذي اتخذه لويد جورج، الذي أبلغ مجلس الوزراء أن السماح بسقوط الأماكن المقدسة المسيحية في يد “فرنسا الملحدة العلمانية”10 هو أمر فظيع.
وقد رأى اسكويث غرابة في أن يدعو هيربرت صامويل ولويد جورج إلى جعل فلسطين محمية بريطانية لمثل هذه الأسباب المختلفة: “أليس أمراً فريداً أن يكون بالإمكان التوصل إلى النتيجة نفسها بواسطة مثل هاتين الطريقتين المختلفتين؟”11 لقد كان في هذه الملاحظة شيء من التنبؤ بالمستقبل، لأن المسؤولين البريطانيين الذين سلكوا في السنين التالية عدة طرق مختلفة، قد توصلوا إلى استنتاج واحد: هذا الاستنتاج هو أن إحدى الخصائص المميزة لسياسة بريطانيا التي لا تستقر على حال تجاه فلسطين هي أنه ليس هناك سبب واحد فرد لهذه السياسة.
لقد ألقى كيتشنر بوزن سلطته الكبير ضد اقتراح صامويل. فقد قال لمجلس الوزراء إن فلسطين ذات قيمة ضئيلة من الناحية الاستراتيجية أو سواها، وليس فيها مرفاً واحد لائق12. ولذلك لم يأخذ مجلس الوزراء باقتراح صامويل، ولكن لويد جورج ظل يخالف كيتشنر الرأي في أهمية فلسطين الاستراتيجية.
مع أن لويد جورج ينتمي إلى عائلة من ويلز، فقد وُلد في مدينة مانشستر، ثانية كبرى المدن البريطانية وموطن الليبرالية الراديكالية التي استمر يدعمها طوال جانب كبير من حياته السياسية. وكانت مانشستر أيضاً، بعد لندن، موطن أكبر جالية يهودية في بريطانيا. وكان أعضاء البرلمان الذين يمثلون المنطقة، مثل بلفور وتشرشل، مدركين لاهتمامات اليهود الخاصة في منطقتهم الانتخابية.
إن ك. سكوت، رئيس تحرير صحيفة (مانشستر غارديان) الليبرالية الكبيرة، اعتنق الصهيونية في ١٩١٤ على يد حاييم وايزمان العالم الكيميائي اليهودي الروسي الأصل، الذي استقر في مانشستر. وكان سكوت يُعد موضع ثقة لويد جورج وأقرب المقربين إليه سياسياً، وقد تبنى القضية بكل ما عرف عن طبيعته المثالية من عزم. ورأى المراسل العسكري لصحيفة الغارديان، والذي يدعى هيربرت سايد بوثام، جانباً مكملاً للمسألة يتمثل في الفائدة العسكرية لبريطانيا. فقد كتب في عدد الصحيفة الصادر في ٢٦ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩١٥: “إن مستقبل الإمبراطورية البريطانية كله بصفتها إمبراطورية بحرية، يعتمد على جعل فلسطين دولة عازلة يسكنها عرق من البشر شديد الوطنية”13.
لقد تحقق تحول جريدة مانشستر غارديان إلى الصهيونية في سياق الحرب العالمية الأولى، أما لويد جورج فقد انتقل إلى الصهيونية -أو بالأحرى انتقلت الصهيونية إليه- قبل ذلك بعشر سنوات. ففي عام ۱۹۰۳ عمل محامياً بريطانياً للحركة الصهيونية ولمؤسسها الدكتور ثيودور هرتزل، بشأن موضوع تسبب في انشقاق ممض في صفوف الحركة الصهيونية، وهو: هل يجب أن تكون الدولة اليهودية بالضرورة في فلسطين؟ وباعتباره كان يمثل هيرتزل في لحظة اتخاذ القرار، فقد كان في وضع يمكنه من فهم الورطة التي تواجهها الحركة الصهيونية.
- الدولة القومية وتجدد الحلم الصهيوني
كانت الحركة الصهيونية حديثة العهد، أما جذورها فكانت قديمة قدم مملكة يهودا التي قَوّضت استقلالها ثم سحقتها روما القديمة، وتشرد معظم سكانها في أراضٍ أجنبية في القرن الثاني للميلاد. ولكن أبناء يهودا -أي اليهود كما عُرفوا في ما بعد- ظلوا حتى أثناء وجودهم في النفي متشبثين بديانتهم وبقوانينهم وعاداتهم التي تميزهم، وعزلوا أنفسهم عن الشعوب التي عاشوا بين ظهرانيها. إن وضعهم في مرتبة دنيا، والاضطهادات التي تعرضوا لها والمجازر العديدة التي حلت بهم وتكرار طردهم من بلد إلى آخر، قد عزز شعورهم بهويتهم الخاصة ومصيرهم الخاص. في نهاية الأمر -وفقاً لتعاليمهم الدينية- سيعيدهم الله إلى صهيون، ولذلك كانوا خلال احتفائهم بعيد فصحهم كل سنة يرددون الابتهال: “السنة القادمة في أورشليم”.
العودة المستقبلية إلى صهيون ظلت مجرد رؤيا خلاصية، إلى أن حولتها أيديولوجية أوروبا القرن التاسع عشر إلى برنامج سياسي معاصر. كانت إحدى الأفكار المعبرة عن ذلك الزمن -وهي فكرة غرستها في كل مكان جيوش الثورة الفرنسية فأينعت وازدهرت- هي أن كل أمة ينبغي أن يكون لها بلد مستقل (مع أن مفهوم الأمة وما الذي يشكل أمة كان بطبيعة الحال مسألة قابلة للنقاش).
كان الثوري الإيطالي جيزيبي ماتزيني أبرز الدعاة إلى هذه العقيدة التي بموجبها يجب إطلاق الحرية لكل أمة كي تحقق نبوغها الذي تتفرد به وتتابع رسالتها الخاصة في خدمة البشرية. وهكذا فإن قومية كل أمة لا تخدم مصالحها الخاصة فحسب، بل مصالح جيرانها أيضاً. وخدمة لهذه العقيدة ناضل جيزيبي غاريبالدي زميل ماتزيني -وأعظم أبطال إيطاليا- من أجل الأوروغواي وفرنسا مثلما ناضل من أجل إيطاليا.
كان نقيض هذا الطرح أن أحد الأسباب الأساسية للعلل التي يعاني منها العالم أن بعض الأمم قد حيل دون تحقيق وحدتها أو استقلالها، وهو وضع رأى ماتزيني وأتباعه وجوب تغييره عن طريق الحرب أو الثورة.
وبرنامجهم هذا خطفه اليمين من اليسار -فإيطاليا وألمانيا أصبحتا بلدين موحدين على يد (كافور) في إيطاليا و بسمارك) في ألمانيا- وأصبح هذا البرنامج موضوعاً من مواضيع البحث السياسي المشترك في أوروبا. وتقدمت القومية خطوة أخرى في الحرب الأهلية السويسرية (١٨٤٧) والحرب الأهلية الأميركية (١٨٦١ – ١٨٦٥) عندما حاولت سبعة كانتونات سويسرية متحدة اتحاداً كونفيدرالياً، وإحدى عشرة ولاية أميركية متحدة اتحاداً كونفيدرالياً أن تنفصل، فسحقتها جيوش الحكومة الفيدرالية في الحالتين. وهكذا كان على الشعوب أن تتوحد في أمة واحدة، شاءت أم أبت.
كان هذا يدل على أن القومية الجديدة قد يكون لها جانب مظلم: هو عدم التسامح إزاء مجموعات تختلف عن الأكثرية. وهذا ما واجهه اليهود في الحال. ففي البيئة الوطنية لأوروبا الغربية اتخذت المسألة اليهودية أشكالاً جديدة: هل يهود ألمانيا ألمان؟ وهل يهود فرنسا فرنسيون؟ فإن كانوا كذلك ماذا عن هويتهم الخاصة؟
مع نهاية القرن التاسع عشر كان يهود أوروبا الغربية قد حققوا الانعتاق القانوني من كثير من القيود التي فُرضت عليهم على مدى قرون، فأصبح بإمكانهم الخروج من الغيتوات التي كانوا يقيمون فيها، وأن يمارسوا المهنة أو الحرفة التي يريدون حسب اختيارهم، وأن يشتروا الأرض، وأن يتمتعوا بحقوق المواطنية، ولكنهم ظلوا يواجهون موجة عداء من جيرانهم الذين اعتبروهم غرباء.
كان وضع اليهود خطراً للغاية في أوروبا الشرقية -الإمبراطورية الروسية ومن ضمنها بولندا وبلدان البلطيق وأوكرانيا- كان معظم يهود العالم يعيش داخل ذلك القسم من الإمبراطورية الروسية، وقد حُددت إقامتهم فيه ما داموا يعيشون ضمن ممتلكات قيصر روسيا: أي ضمن “الحظيرة”، وقلة منهم فقط البعض بصورة غير شرعية والبعض الآخر بإذن خاص كانت تعيش في سانت بيترسبورغ أو موسكو أو أي مكان آخر خارج “الحظيرة”.
وكان ضمن هذه “الحظيرة” ستة ملايين من اليهود، هم يهود روسيون لم يكن مسموحاً لهم أن يكونوا روسيين يهوداً. لم يكونوا مقيدين بقيود قانونية بل كانوا ضحية المجازر المنظمة التي يطلق عليها اسم (بوغروم). وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين تزايدت فظاعة هذه المجازر؛ فهرب اليهود بأعداد كبيرة من الإمبراطورية الروسية طلباً للنجاة والملجأ.
أين ستكون (إسرائيل): قبرص أم سيناء أم أوغندا؟
وبما أن القومية كانت آنذاك العلاج الشافي للعلل السياسية جميعها، فقد كان أمراً محتوماً أن يقترح أحد ما القومية كعلاج للمشكلة اليهودية. والحقيقة أن الوحدة القومية وتقرير المصير ضمن كومنولث يهودي مستقل قد طرحا في كتب بليغة التعبير، توصل مؤلفوها إلى استنتاجاتهم بصورة مستقلة. إذ لم يكن ثيودور هيرتزل أول من صاغ مثل هذا البرنامج، بل كان أول من أعطاه تعبيراً سياسياً ملموساً، في زمن كان فيه الرواد اليهود من روسيا قد بدأوا يقيمون مستعمرات في فلسطين دون أن ينتظروا تسوية الأمور السياسية.
وعندما جاء هيرتزل، وهو يهودي اندمج في مجتمعه الجديد، بفكرة الصهيونية السياسية كان يرى أن اليهود بحاجة إلى دولة يهودية خاصة بهم، أما موقعها فلم يكن ذا أهمية أولى. وكان هيرتزل يكاد لا يفقه شيئاً عن اليهود واليهودية. ذلك أنه كان صحفياً عصرياً، مراسلاً في باريس لإحدى صحف فيينا، نسي أصوله اليهودية إلى أن حدثت صدمة العداء للسامية في فرنسا في قضية دريفوس، فأقنعته بالحاجة إلى إنقاذ يهود العالم من محنتهم التاريخية.
وباعتباره رجلاً دنيوياً فقد كان على دراية بكيفية عقد صفقات العمل السياسي في أوروبا زمانه، ومن ثم شرع في إنشاء منظمة صهيونية. ثم إنه بدأ مفاوضات باسم الصهيونية مع مسؤولي حكومات مختلفة. ولم يدرك الجاذبية الفريدة التي تتمتع بها البلاد التي تدعى فلسطين -أرض الفلسطينيين- والتي يسميها اليهود أرض إسرائيل، إلا بعد أن بدأ يجري اتصالات عمل مع يهود آخرين، ومع منظمات يهودية كانت على مدى سنوات سابقة تشجع إقامة مستوطنات في الأرض المقدسة.
عند بدء القرن العشرين أجرى هيرتزل مفاوضات مع الإمبراطورية العثمانية، فاقتنع بنتيجتها بأن السلطان لن يوافق على المقترحات الصهيونية على أقل تقدير في الوقت الراهن. وهكذا بدأ يبحث في أماكن أخرى. وفي عام ۱۹۰۲ عقد اجتماعاً هاماً مع جوزيف تشامبرلين، وزير المستعمرات القوي في حكومتي سالزبوري وبلفور. كان تشامبرلين يعتبر أباً للإمبريالية البريطانية الحديثة، وكان يؤمن أيضاً بحل قومي للمشكلة اليهودية، وقد أصغى متعاطفاً إلى اقتراح هيرتزل الذي له أصل سابق يتمثل في إقامة تجمع سكاني سياسي يهودي، أول الأمر في مكان قريب من حدود فلسطين على أمل أن تكون فلسطين في متناول اليد بشكل أو بآخر في نهاية الأمر.
وكان هرتزل يتحدث وفي ذهنه إما قبرص أو قطاع العريش على حدود شبه جزيرة سيناء المحاذية لفلسطين، وكلتا المنطقتين كانتا اسمياً جزئين من الإمبراطورية العثمانية وواقعياً محتلتين من قبل بريطانيا. وقد استبعد تشامبرلين قبرص ولكنه عرض أن يساعد هيرتزل في الحصول على موافقة المسؤولين البريطانيين المشرفين على شؤون سيناء.
ومن أجل الحصول على هذه الموافقة قرر هيرتزل عبر ممثله البريطاني ليوبولد غرينبيرغ أن يستعين بخدمات محامٍ ذي اطلاع واسع سياسياً، فوقع اختياره على ديفيد لويد جورج، الذي تولى القضية باسم شركته اللندنية، شركة لويد جورج وروبرتز وشركاهما. ولكن الاقتراح أخفق بنتيجة معارضة الإدارة البريطانية في مصر، فأرسلت وزارة الخارجية البريطانية رسالتين إلى الدكتور هيرتزل بتاريخ ۱۹ حزيران (يونيو) و١٦ تموز (يوليو) ۱۹۰۳، تبلغه فيهما أن اقتراحه غير عملي.
عندئذ قال تشامبرلين إنه يستطيع أن يعرض منطقة للاستيطان اليهودي تخضع لسلطة وزارته؛ فطرح إمكانية الاستيطان في أوغندا في شرق أفريقيا البريطانية. وقد أيد آرثر جيمس بلفور رئيس الوزراء اقتراح تشامبرلين. وكان بلفور قد أولى المسألة اليهودية الكثير من تفكيره واستنتج أنها تتطلب حلاً قومياً. وقد وافق هيرتزل على اقتراح أوغندا، وبناء على ذلك أعد لويد جورج مسودة براءة للاستيطان اليهودي وعرضها رسمياً على الحكومة البريطانية لإقرارها.
وفي صيف عام ۱۹۰۳ أجابت وزارة الخارجية البريطانية بتحفظ ولكن بإيجابية قائلة إنه في حال نجاح الدراسات والمحادثات خلال السنة التالية، ستنظر حكومة جلالته نظرة إيجابية في المقترحات الهادفة إلى إنشاء مستعمرة يهودية. كان ذلك أول بيان رسمي صادر عن حكومة ما إلى الحركة الصهيونية، وأول بيان رسمي يقول بصورة ضمنية بإعطاء وضع قومي للشعب اليهودي14، أي أنه كان إعلان بلفور الأول.
انعقد بعيد ذلك اجتماع للمؤتمر الصهيوني العالمي، وفي هذا الاجتماع طرح هيرتزل اقتراح أوغندا، وحث على الاستيطان في شرق أفريقيا كمحطة على الطريق، وكملجأ على الدرب إلى أرض الميعاد، حيث يستطيع يهود الإمبراطورية القيصرية النجاة من فظائع المجازر. ومع أن المندوبين في الاجتماع أتاحوا لزعيمهم أن يحصل على تصويت بالموافقة، فإن معظمهم لم يبدِ أي اهتمام بأية أرض أخرى سوى أرض أسلافهم. ووجدت الحركة الصهيونية نفسها في نهاية طريق مسدود: لم يعرف هيرتزل كيف يقود الحركة إلى فلسطين، ولم ترغب الحركة في أن تتجه إلى أي مكان آخر. وقد مات هيرتزل في صيف عام ۱۹۰٤ مخلفاً زعامة مفككة ومنقسمة على نفسها انقساماً عميقاً.
عاد لويد جورج في عام ۱۹۰٦ إثر تشكيل حكومة ليبرالية جديدة في بريطانيا فطرح اقتراح سيناء للدراسة، بتحريض من ليوبولد غرينبورغ. ومرة أخرى رفضت الحكومة البريطانية الاقتراح، وكتب سير إدوارد غراي بتاريخ ۲۰ آذار (مارس) ١٩٠٦ قائلاً: “إن موقف وزارة الخارجية لم يتغير”15.
عندما كانت الحركة الصهيونية في سنوات تشكلها كان يمثلها ديفيد لويد جورج في وقت كانت تسعى فيه لإعطاء تعريف لنفسها. ولم تكن الحركة الصهيونية إلا زبوناً واحداً من زبائنه الكثر ولم تكن من هذه الناحية زبوناً كبيراً، مع ذلك ونتيجة لتمثيله المهني لها لم يكن أي زعيم سياسي بريطاني آخر في وضع أفضل من وضعه لفهم طبيعتها وأهدافها. وعندما راودته فكرة فتح فلسطين في عام ۱۹۱۷ وعام ۱۹۱۸، لم يكن أحد يملك فكرة أوضح من فكرته عما يجب أن يفعله بفلسطين إذا ما أصبحت تحت سيطرته.
لقد أراد لويد جورج، شأنه شأن وودرو ويلسون، الذي كان اهتمامه في الشرق الأوسط موجهاً إلى المدارس والإرساليات البروتستانتية الأميركية، أن تتولى بلاده ما كان يعتبره عمل الرب في المنطقة. ولكنه، خلافاً للرئيس الأميركي، كان يخطط لزيادة عظمة إمبراطورية بلاده بواسطة القيام بعمل الرب.
لقد تابع لويد جورج نهجه الفكري حتى انتهى إلى الاستنتاج أنه يجب على بريطانيا أن ترعى القومية اليهودية في الشرق الأوسط بعد الحرب. وقد توصل عدد من زملائه في الحكومة البريطانية إلى الاستنتاج نفسه في عام ۱۹۱۷، ولكن بالسير على طرق مختلفة، وطرق كثيرة أدت إلى صهيون.
الغريب في الأمر هو أنهم بعد أن أيدوا الشريف حسين نتيجة أفكار خاطئة عن العرب والمسلمين، أوشكوا الآن على تأييد الصهيونية نتيجة أفكار خاطئة عن اليهود.
ــــــــــــــــ
* ديفيد فروماكين، سلام ما بعده سلام: ولادة الشرق الأوسط، ترجمة: كمال إلياس، ط1 (لندن: رياض الريس للكتب، ديسمبر 1992م)، ص299 وما بعدها. [وقد اخترنا عنواناً مختلفاً لهذا الفصل ووضعنا عناوين جانبية دالّة. مجلة أنصار النبي]
1 جيلبرت، تشرشل، المجلد المرافق، ص٦٠.
2 ايلي كدوري، في المتاهة الإنكليزية-العربية: مراسلات مكماهون-الحسين ومترجموها ١٩١٤-۱۹۳۹،كامبريدج، مطبعة جامعة كامبريدج، (١٩٧٦)، ص١٥٩.
3 ديفيد لويد جورج، مذكرات مؤتمر الصلح (نيوهاتن : مطبعة جامعة ييل، ۱۹۳۹)، المجلد2، ص۷۲۱.
4 المرجع نفسه، ص۷۲۲.
5 بربارة و. توشمان، الكتاب المقدس والسيف: إنكلترا وفلسطين من العصر البرونزي إلى بلفور (نيويورك: فنك وواغنالز، ١٩٥٦) ص١٢١.
6 رونالد ساندرز، أسوار القدس العالية: تاريخ إعلان بلفور ونشوء الانتداب البريطاني على فلسطين (نيويورك: هولت وراينهارت وونستون، ۱۹۸۳) ص5.
7 سير تشارلز ويستر، سياسة بالمرستون الخارجية ۱۸۳۰ – ١٨٤۱: بريطانيا والحركة الليبرالية والمسألة الشرقية (نيويورك: مطبعة هيومانيتيز (۱۹۹۹)، المجلد۲ ص761. انظر أيضاً: ليونارد سيتن، إعلان بلفور (لندن: فالنتاين ميتشل، ١٩٦١)، الصفحات ٥-٩، وكذلك: توشمان، الكتاب المقدس والسيف، الصفحات ٨٠-٢٢٤.
8 هـ. هـ. اسكويث، رسائل إلى فنيشيا ستانلي، أعدها للطباعة مايكل وإليانور بروك، أوكسفورد ونيويورك، مطبعة جامعة أوكسفورد، ۱۹۸۲، ص٤٠٦.
9 المرجع نفسه، ص٤٧٧.
10 المرجع نفسه.
11 المرجع نفسه.
12 المرجع نفسه، الصفحتان ٤٧٧ – ٤٧٨.
13 اشعيا فريدمان، مسألة فلسطين، ۱۹۱٤-۱۹۱۸، العلاقات البريطانية- اليهودية- العربية، لندن: روتلدج وكيغان بول، (۱۹۷۳)، ص۱۲۹.
14 ألكس بين، تيودور هرتزل.. سيرة حياته، مترجمة من قبل موريس صامويل (فيلادلفيا: جمعية النشر اليهودية في أميركا ١٩٤١)، ص٤١١ وما يليها.
15 لندن مكتب سجلات مجلس اللوردات. مجموعة بيفر بروك، أوراق لويد جورج. غ ٣٣-١، الوثائق من 14-16.




