
رمضان شهر الجهاد
مارس 7, 2026
لماذا نصوم؟
مارس 8, 2026سبيل الرشاد.. معالم طريق التحرر الإسلامي (2/2)
مؤمن سحنون
كاتب تونسي
مقومات المجتمع في الإسلام
إن الولاء في الإسلام للمرجعية لا للحاكم، والحاكم لا يستأثر -عبر التعليم- في بناء عالم أفكار المسلمين عامة والمحيطين به خاصة في أجهزة الدولة، فهذا التكوين العلمي قد عملت عليه مؤسسات مستقلة إداريًا وماليًا من جهة البرمجة والمحتوى التربوي، مستقلة عن سلطة الحاكم، ما يصنع مجتمعًا حرًا، يستعصي على الحاكم تطويعه أو تغيير منظومته القيمية.
فالفارق هائل بين الموظف في الدولة القومية من ناحية التكوين والوظيفة، وبين العامل في الدولة في الإسلام من حيث التكوين ومن حيث الرسالة، ويمكننا أن نعتبر بأن الدولة القومية الحديثة قد صنعت جيشًا من العبيد في السلم الوظيفي للدولة.
فإذا كان الإسلام قد أسس لنظام فيه سلطة الحاكم محدودة، فإنه أسس في نفس الوقت لمجتمع يكتسب مقومات القوة والعزة والحياة.
فالمجتمع المسلم مجتمع مسلح؛ يُشاع فيه تعلم أدوات الدفاع على النفس، تحثه الأحاديث النبوية على تعلم الرماية والسباحة وركوب الخيل، مجتمع يعيش أفراده في جاهزية دائمة لخوض المعامع متى نودي لذلك.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آلية تقويم مستدامة وفعالة داخل الأمة، يبرز فيها دور العلماء وكلمة الحق التي استحقوا بحملها ميراث النبوة، ودورهم في الصدع بالحق وبيانه أمام كل انحراف مهما كان متأتّاه، خاصة إذا كان مصدره السلطة، ولعظم هذه المهمة رتب الله عليها ذلك الجزاء الوفير، قال رسول الله ﷺ: “سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ورجلٌ قام إلى إمامٍ جَائِرٍ فأمرَهُ ونَهاهُ، فَقَتَله”.
من ذلك ما يتجلى به الإسلام على الجانب الاقتصادي، بخلاف الدولة القومية الحديثة التي أممت كل شيء لصالحها، لتصبح كل القوى بيد سلطة تحكم مجتمعًا ضعيفًا، فإن الإسلام قد مكّن للمجتمع من اكتساب ما يمكنه به الوقوف والحركة والنشاط بتحرر من قيود السلطة الحاكمة.
فقد أسس الإسلام لرابطة الأخوّة بين المؤمنين تأسيسًا متينًا، ورتب على تلك الأخوة واجبات بين المسلمين، إذ تربط فريضة الزكاة بينهم بآصرة التراحم، فيدفعها الغني منهم للفقير، فتذوب معها مشاعر الحقد الطبقي الذي لم يوجد في أمة الإسلام كما كان في أمم الغرب.
فضلًا عن الدور الذي تلعبه المؤسسات كالمساجد في تقوية الرابطة بينهم فتجمعهم مناسبات ومواعيد يومية وأسبوعية وموسمية في لقاءات متعددة ومتكررة، تزيد من وشائج التلاحم بينهم.
وكذا كان في الصيام، الشعيرة التي تطهر المسلمين من تعلقهم بالاستهلاك، وتسمو بأرواحهم وعقولهم، وما يصاحبه من اجتماع على الطعام في الإفطار، ومن تآلف قلوبهم وتواددها.
والحج الذي يمثل موسمًا روحانيًا سنويًا، يسافر فيه المسلمون من كل أصقاع الدنيا، ملبين نداء الله، متوجهين لشعائر الإسلام، مجتمعين في ذلك الموكب المهيب، الذي ما زالت صوره تحير الغرب، وتحير العالم.
فالمجتمع الإسلامي مجتمع ترتبط فيه روابط المسلمين بمواثيق كبيرة، تدعمها الشعائر وتجددها في كل نسك وعبادة وتكليف، وإن مجتمعًا هذا هو أسلوب حياته لجدير بأن يملك من أسباب القوة والعزم ما تعجز أي سلطة عن التنكيل به أو تحريف مفاهيمه.
فضلًا عن المؤسسات المستقلة التي أنشأها الإسلام، كالوقف الذي يمثل طاقة اقتصادية تصنع استدامة المهام الحيوية للمجتمع، وكذا ما أرساه الفقه من حق إحياء الأرض الموات لاستغلالها وانتفاع المسلمين بها.
كما أجاز الإسلام مسألة الظفر بالحق، حتى لا تضيع حقوق المسلمين، ويبقى صمام الأمان محكمًا، ولا يُقهر الناس على سلب حقوقهم ويُمنعون من استرجاعها حال تمكنهم من ذلك على شروط.
ومن رحمة الله بالمسلمين أن شرع لهم الحق في الخيرات الطبيعية التي تخرجها الأرض فيما يعرف بزكاة الركاز، إذ لكل فرد في الأمة الحق في نصيبه من بترول وثروات أرض المسلمين، ليفيض الخير على عامة الأمة، ولا تستأثر به عائلة أو حكومة، ولا تنهبه شركات أجنبية بالاتفاق مع سلطة عميلة في عقود استعمارية، في غفلة عن الشعوب الفقيرة والمحرومة.
كما قرر الإسلام تحريم أخذ المال من الناس ما عدا الزكاة والخراج والعشور المفروضة بنص الدين، بالتالي منع المكوس الظالمة على الناس وعدّها من أكبر الكبائر التي توازي السرقة والزنا، وللمسلمين الحق في مقاومة الحاكم الذي يفرض عليهم ما لم يفرضه الله.
ولأن الإنسان خطّاء بطبعه، أوجد الإسلام في حياة المسلمين آليات إصلاح الخلل الذي قد يطرأ في الممارسة، ومن ذلك ما ناقشه الفقهاء حول حدود طاعة ولي الأمر، وعلى شرعية الخروج عليه، ودارت المسألة حول نقطتين:
1- ألا يؤدي الخروج على السلطة إلى مفسدة أكبر من الوضع القائم.
2- ألا تؤدي طاعة السلطة إلى مفسدة تفضي إلى مزيد من الانحراف والطغيان.
وقد ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن الظلم وحده كافٍ للخروج على السلطة، طالما لم يترتب على ذلك فساد أكبر، كما أن الطاعة للسلطة لا تكون إلا في المعروف ولا تُطاع في معصية، وإذا لم يكن السلطان عدلًا فقد انحصر حقه في الرعية في أمرين: الخروج إلى الجهاد المشروع معه، وبذل الزكاة المشروعة له، هكذا قرر العلماء.
ومما سبق يتبين ألا قيام لأمة المسلمين إلا بإعادة حكم أنفسهم بمنهج دينهم، المنهج الفريد الذي يعتقدون أنه المنجي في الآخرة، والذي يفهمون أنه المنهج الأقوم والأجدر لصلاح الدنيا.
كيف نبدأ؟
إن التغيير الكلي الذي تصبو إليه الأمة لن يتحقق إلا بحمل رسالة هذا المنهج وإقامتها في الواقع بدل الواقع الفاسد الذي يهيمن عليها، وإن هذا التغيير يحتاج إلى قائد ورجال، لن تعدم هذه الأمة من إفراز القادة، الذين يوجد كثير منهم مغمورون في الخفاء، لا يعلمون هم بمواهبهم القيادية، وهنا دور كل المسلمين في اكتشاف هؤلاء وحثهم على معرفة مواهبهم والعمل للقضية.
فإذا وجدت القيادة المخلصة، وجب أن يلتف حولها الرجال الذين يملكون الصفات التي تؤهلهم لخوض المعركة، والذين تخلصوا من صفات الوهن والإحجام والصفات الذميمة، وفي هذا يكون أثر التزكية كي لا تسقط العقيدة في فخ السياسة فينحرف العمل، وكي لا تلعب الأهواء بالعاملين فيسقطوا في فخ عدوهم ويصبحوا منفذين لمآربه، وكي يوجد العنصر البشري المؤهل لخلافة من سيُفقد أثناء السير في الطريق.
أما القائد والرجال فمهمتهم بكل وضوح هي الوصول إلى السلطة، فبلوغ للسلطة هو الوسيلة لإحداث التغيير الشامل، مصداقًا لقول عثمان بن عفان رضي الله عنه: “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، وقول الإمام ابن حجر: “الناس على دين ملوكهم فمن حاد من الأئمة عن الحال مال وأمال”.
من أين نبدأ؟
إن لكل بلد مركز إشعاع وتأثير وهو العاصمة، وكل عمل في المدن الكبيرة والعواصم سيكون له تأثيره البالغ على كل بقية البلاد، فوجب التركيز على العمل في العواصم المؤثرة، مع أهمية العمل في بقية المناطق التي يحدث فيها تأثير أسهل وأسرع عادة، لكن يبقى التأثير المركزي هو نتيجة العمل في العواصم.
إن السيطرة على العاصمة هي التي تجعل الأمر مستتبًا في بقية المناطق، والتأثير فيها يُلقي بإشعاعه إلى ما وراءها من مدن، ويحسم الأمر لصالح التغيير الجديد.
ورأى الكاتب أهمية القاهرة بين العواصم، وكون العمل فيها أو العمل المؤدي لنشأة عمل فيها هو أمر مهم ومفيد للأمة عمومًا، لما تتصف به مصر من موقع، ولما لها من ثقل سكاني، وبُعد حضاري، وأثر في خريطة الأحداث الاستراتيجية في المنطقة والأمة ومستقبلها.
كيف لا، ومصر اليوم هي حجر الزاوية في تحرير فلسطين، ومصر اليوم هي معسكر الحصار الذي يطوق غزة، وبنادق جيش مصر اليوم تتجه إلى شعبها وتقهره، وقاهرة المعز اليوم تُسيّرها إسرائيل.
كيف لا، ومصر اليوم تسمح بعبور البوارج العسكرية الأمريكية من قناة السويس وتمثل شريان الحياة لتدفق التجهيزات للكيان الصهيوني، في الوقت الذي تمنع فيه هدير القوافل الشعبية من المرور إلى رفح ومنها إلى غزة، ومصر اليوم تُتلِف المساعدات والتبرعات على حدود المعابر بينما صراخ الجوعى يسمعه عساكر الحراسة المصريون، الساهرون على انتهاك دماء المستضعفين والشاهدون بجمودهم على أبشع حصار بشري في العصر الحديث، كيف لا ومصر اليوم أسيرة الإرادة الصهيونية، ومن قبل ذلك أسيرة الهيمنة الأمريكية.
إن تحرير مصر هدف سامٍ ومركزي لا بد أن يعمل عليه أحرار مصر وأحرار هذه الأمة بكل الوسائل الممكنة، ومن أهمها العمل على تحرير بلادهم التي يعيشون فيها، فكلما تحررت رقعة من جغرافية الأمة كلما ضعف الاحتلال المحلي في بقية المساحات، وإن يوم الحرية لآتٍ.





