
عظمة أبي بكر الصديق
ديسمبر 15, 2025
مستوطنون يقتحمون الأقصى وإصابة طفل برصاص الاحتلال بالضفة
ديسمبر 15, 2025أبو الحسن الندوي
العلامة الهندي الشهير، رحمه الله*
شهد التاريخ الإسلامي حوادث ردة عديدة، أبرزها وأعنفها ردة القبائل العربية على إثر وفاة الرسول ﷺ، الثورة الكبيرة التي وأدها أبو بكر الصديق في مهدها بإيمانه وعزمه الذي ليس له مثيل في التاريخ، ومنها حركة التنصر التي انتشرت في إسبانيا على إثر جلاء المسلمين، والتي ظهرت في بعض الأقطار التي استولت عليها الدول الغربية المسيحية ونشط فيها القسس و”الإرساليات”، ومنها قضايا شاذة من ارتداد بعض ضعاف العقول وصغار النفوس من المسلمين عن دين الإسلام واعتناقهم للبرهمية أو الآرية في الهند، ولكنها حوادث نادرة جداً، وفي الحقيقة أن تاريخ المسلمين لا يعرف الردة العامة -إذا استثنينا إسبانيا البائسة إذا صح أن نسميها ردة- كما اعترف به مؤرخو الديانات.
وتتسم هذه الحوادث كلها بسمتين: أولاهما: المقت الشديد من المسلمين، والثانية الانفصال عن المجتمع الإسلامي، فكان كل من يرتد عن دينه يستهدف لسخط المسلمين الشديد وينفصل عن المجتمع الإسلامي الذي يعيش فيه بطبيعة الحال، وتنقطع بمجرد ارتداده بينه وبين ذوي قرابته الأواصر والأرحام، وكانت الردة انتقالًا من مجتمع إلى مجتمع، ومن حياة إلى حياة، وكانت الأسرة تقاطعه وتهجره وتقصيه، فلا مصاهرة، ولا زواج، ولا إخاء ولا توارث.
وكانت حركات الردة تثير روح المقاومة في المسلمين والمقارنة بين الديانات، والدفاع عن الإسلام، وكل قطر من أقطار المسلمين ظهرت فيه حوادث الردة تحمس علماء المسلمين ودعاة الإسلام وحملة الأقلام فيه للرد عليها وتتبع أسبابها، وعرض محاسن الإسلام ومزاياه، واجتاحت المجتمع الإسلامي موجة عنيفة من السخط والاستنكار والقلق، وكانت هذه الحوادث المقيمة المقعدة للمسلمين وكانت الحديث العام والشغل الشاغل للعامة فضلاً عن الخاصة وأهل الغيرة الدينية، هذا ما اتسمت به حوادث الردة، على ندرتها وشذوذها وعلى عدم تأثيرها في الحياة.
ولكن جرب العالم الإسلامي في العهد الأخير ردة اكتسحت عالم الإسلام من أقصاه إلى أقصاه ونبذت جميع حركات الردة التي سبقتها في العنف وفي العموم، وفي العمق وفي القوة، ولم يخلُ منها قطر، وقلّما خلت منها أسرة من أسر المسلمين، هي ردة تلت غزو أوروبا للشرق الإسلامي، الغزو السياسي والثقافي، وهي أعظم ردة ظهرت في عالم الإسلام وفي تاريخ الإسلام، منذ عهد الرسول ﷺ إلى يوم الناس هذا.
ماذا تعني الردة في عرف الإسلام وفي مصطلح الشريعة الإسلامية؟ هي إبدال دين بدين، وعقيدة بعقيدة، وإنكار ما جاء به الرسول ﷺ وتواتر عنه وثبت بالضرورة من دين الإسلام.
وماذا كان يفعل المرتد؟
ينكر الرسالة المحمدية -على صاحبها الصلاة والسلام- وينتقل إلى المسيحية أو اليهودية أو البرهمية، أو يلحد في الدين وينكر الرسالات والوحي والمعاد، هذا ما كان يعرفه العالم القديم أو المجتمع القديم من معاني الردة، وكان كل مَن يرتد عن دينه يدخل الكنيسة إذا تنصّر أو يدخل الهيكل أو معبد الأصنام إذا اعتنق البرهمية مثلاً فيعرف ذلك الجميع، ويصبح شامة بين الناس يُشار إليه بالبنان، ويقطع منه المسلمون الأمل، ولا يكون ارتداده -في غالب الأحوال- سراً من الأسرار.
الفلسفة التي حملتها أوروبا إلى الشرق
حملت أوروبا إلى الشرق الفلسفات التي قامت على إنكار أسس الدين وإنكار القوة المصرفة لهذا العالم، القوة الواعية التي أخرجت هذا العالم من العدم إلى الوجود وبيدها زمام الكون (الإله، الخلق والأمر) وعلى إنكار عالم الغيب والوحي والنبوات، وإنكار الشرائع السماوية، وإنكار القيم الروحية والخلقية، منها ما تبحث في علم الحياة والنشوة والارتقاء، ومنها ما تتصل بالأخلاق، ومنها ما تدور حول علم النفس، ومنها ما موضوعها الاقتصاد والسياسة، ومهما اختلفت هذه الفلسفات في ألوانها وأهدافها وأسسها، فإنها جميعاً تلتقي على النظرية المادية المحضة إلى الإنسان وإلى الكون والتعليل المادي لظواهرهما وأفعالهما.
غزت هذه الفلسفات المجتمع الشرقي الإسلامي وتغلغلت في أحشائه وكانت أعظم ديانة ظهرت بعد الإسلام في التاريخ، أعظمها انتشاراً وأعمقها جذوراً وأقواها سيطرة على العقول والقلوب، وأقبل عليها زهرة البلاد الإسلامية وزبدتها عقلاً وثقافة، وساغتها وهضمتها ودانت بها كما يدين المسلم بالإسلام والمسيحي بالمسيحية بكل معنى الكلمة، فهي تستميت في سبيلها وتقدس شعارها وتجل قادتها ودعاتها وتدعو إليها في أدبها ومؤلفاتها، وتحتقر كل ما يعارضها من الأديان والنظم والعقليات وتؤاخي كل من يدين بها، فأفرادها أمة واحدة وأسرة واحدة ومعسكر واحد.
الديانة اللادينية
وما هي هذه الديانة وإن أبى أصحابها أن يسموها ديانة؟
إنكار لفاطر الكون العليم الخبير الذي قدر فهدى، وإنكار للمعاد وحشر الأجساد ووجود الجنة والنار والثواب والعقاب، وإنكار النبوات والرسالات وإنكار الشرائع السماوية والحدود الشرعية وإنكار أن الرسول الأعظم ﷺ هو الذي فرض الله طاعته على جميع الخلق وحصر الهداية والسعادة في اتباعه، وأن الإسلام هو الرسالة الأخيرة الخالدة المتكفلة لجميع السعادات الدنيوية والأخروية ونظام الحياة الأمثل الأفضل، وهو الدين الذي لا يقبل الله غيره ولا يسعد العالم سواه أو إنكار أن الدنيا خُلقت للإنسان وأن الإنسان خَلْق الله.
هذه ديانة الطبقة (المثقفة الممتازة) التي تملك زمام الحياة في أكثر البلدان الإسلامية، وإن لم تكن كلها طبقة واحدة في الإيمان بها والتحمس لها، وفيها ولا شك مؤمنون بالله متدينون بالإسلام، ولكن سمة هذه الطبقة التي تغلب عليها مع الأسف وديانة أكثر أفرادها ورؤسائها هي الديانة المادية وفلسفة الحياة الغربية التي قامت على الإلحاد.
إنها ردة، أعود فأقول: اكتسحت العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه وغزت الأسر والبيوتات، والجامعات والكليات والثانويات والمؤسسات، فما من أسرة مثقفة -إلا من عصم ربك- إلا وفيها من يدين بها أو يحبها أو يجلها وإذا استنطقته أو خلوت به أو أثرته عرفت أنه لا يؤمن بالله، أولا يؤمن بالآخرة، أو لا يؤمن بالرسول ﷺ، أو لا يؤمن بالقرآن كالكتاب المعجز الخالد ودستور الحياة، وأفضلهم من يقول أنه لا يفكر في مثل هذه المسائل ولا يهتم بها كبير اهتمام.
إنها ردة ولكنها لم تلفت المسلمين، ولم تشغل خاطرهم، لأن صاحبها لا يدخل كنيسة أو هيكلاً ولا يعلن ردته وانتقاله من دين إلى دين، ولا تنتبه لها الأسرة فلا تقاطعه ولا تقصه بل يظل يعيش فيها ويتمتع بحقوقها وقد يسيطر عليها، ولا ينتبه لها المجتمع فلا يحاسبه ولا يعاتبه ولا يفصله بل يظل يعيش فيه ويتمتع بحقوقه وقد يسيطر عليه.
قضية ولا أبا بكر لها
إنها قضية العالم الإسلامي الكبرى، إنها مشكلة الأمة الإسلامية الكبرى، ردة تنتشر وتغزو المجتمع الإسلامي ثم لا ينتبه لها أحد، ولا يفزع لها العلماء ورجال الدين، لقد قالوا قديماً: (قضية ولا أبا حسن لها)، وأقول: قضية ولا أبا بكر لها.




