
مواجهات باسلة لاعتداءات المستوطنين على مرابطي الضفة
ديسمبر 13, 2025
حماية (المدنيين) بين الإسلام والقانون الدولي (2)
ديسمبر 13, 2025أ.د. جمال بن عمار الأحمر الأنصاري
سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ في الجزائر
تعريف دلائل النبوة
الدّليل لغةً: “هو المرشد والكاشف، من دللت على الشّيء ودللت إليه. والدّالّ وصف للفاعل”.
والدّليل ما يتوصّل بصحيح النّظر فيه إلى العلم بمطلوبٍ خبريٍّ ولو ظنّاً، وقد يخصّه بعضهم بالقطعيّ.
وقال الجرجاني في التعريفات: “الدليل في اللغة: هو المرشد، وما به الإرشاد”. وفي الاصطلاح: “هو الذي يلزم من العلم به العلم بشيء آخر”.
وقال شيخ الإٍسلام ابن تيمية رحمه الله: “…الآيات والبراهين الدالَّة على نبوَّة محمد ﷺ كثيرة… ويسمِّيها مَن يسمِّيها من النُّظَّار (معجزات)، وتسمَّى (دلائل النبوَّة) و(أعلام النبوَّة)، ونحو ذلك، وهذه الألفاظ إذا سُمِّيت بها آيات الأنبياء، كانت أدلَّ على المقصود من لفظ (المعجزات)”.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: “ما من الأنبياء نبيٌّ إلا أُعطِيَ ما مثلُه آمَنَ عليه البَشَرُ، وإنما كان الذي أُوتِيتُه وَحيًا أَوْحاهُ الله إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثرَهم تَبَعًا يوم القيامة”.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “ودلائل النبوّة من جنس دلائل الربوبية، فيها الظاهر والبيِّن لكلّ أحد؛ كالحوادث المشهودة؛ فإنّ الخلق كلّهم محتاجون إلى الإقرار بالخالق، والإقرار برسله”.
وقال ابن تيمية: “فتقرير النبوات من القرآن الكريم أعظم من أن يُشرح في هذا المقام، إذ ذلك هو عماد الدين، وأصل الدعوة النبوية، وينبوع كلّ خير، وجماع كلّ هدى”.
وقال ابن تيمية: “وهي الأدلة والعلامات المستلزمة لصدقهم، والدليل لا يكون إلاَّ مستلزما للمدلول عليه مختصاً به، لا يكون مشتركاً بينه وبين غيره؛ فإنّه يلزم من تحقّقه تحقّق المدلول. وإذا انتفى المدلول انتفى هو؛ فما يوجد مع وجود الشيء، ومع عدمه، لا يكون دليلاً عليه، بل الدليل ما لا يكون إلاَّ مع وجوده، فما وُجد مع النبوّة تارةً، ومع عدم النبوّة تارةً، لم يكن دليلاً على النبوّة، بل دليلها ما يلزم من وجوده وجودها”.
ودلائل النبوة من الكثرة والوضوح بدرجة لا تخفى إلا على من عميت بصيرته وضل سبيله في هذه الحياة، وقد حصر العلماء دلائل النبوة في خمسة محاور أساس هي:
أولا: بشارات الأنبياء السابقين بالنبي اللاحق.
وثانيا: سيرة النبي وأخلاقه ودلائل صدقه.
وثالثا: الآيات والمعجزات الخارقة للعادة التي يجريها الله على يد النبي ﷺ.
ورابعا: نصر الله وتأييده للنبي ﷺ.
وخامسا: النظر في مبادئ الرسالة ودعوتها إلى الصلاح والسعادة.
هذه هي المحاور الأساس لدلائل النبوة، وهي كما نرى قسمان:
قسم نقلي: يعتمد على الأخبار والوقائع المنقولة وهي البشارات والآيات.
وقسم عقلي: يعتمد على النظر في شخص النبي ودعوته ووقائع سيرته.
الفروق بين آيات الأنبياء وغيرها من خوارق العادات
قد يظن بعض الناس أن معجزات الأنبياء تشبه ما يفعله السحرة أو غيرهم من أمور قد تظهر كأنها خارقة للعادة، غير أن هناك فروق واضحة جلية بين معجزات الأنبياء وغير ذلك من خوارق العادات الموهومة، نلخصها فيما يأتي:
أولا: النبيّ صادقٌ فيما يخبر به عن الكتب، لا يكذب قط، ومن خالفهم من السحرة، والكهّان، لا بُدّ أن يكذب.
ثانيا: الأنبياء لا يأمرون إلاَّ بالعدل، وطلب الآخرة، وعبادة الله وحده، وأعمالهم البر والتقوى، ومخالفوهم يأمرون بالشرك، والظلم، ويعظّمون الدنيا، وفي أعمالهم الإثم والعدوان.
ثالثا: أنَّ السحر، والكهانة، ونحوهما أمور معتادة معروفة لأصحابها، ليست خارقة لعادتهم. وآيات الأنبياء لا تكون إلا لهم ولمن اتّبعهم.
رابعا: الكهانة والسحر يناله الإنسان بتعلّمه، وسعيه، واكتسابه، وهذا مجرّبٌ عند الناس، بخلاف النبوة؛ فإنّه لا ينالها أحدٌ باكتسابه فهي اصطفاء واختيار من الله عز وجل.
خامسا: لو قُدِّر أنَّ النبوّة تنال بالكسب، فإنّما تُنال بالأعمال الصالحة، والصدق، والعدل، والتوحيد، لا تحصل مع الكذب على من دون الله، فضلاً عن أن تحصل مع الكذب على الله. فالطريق الذي تحصل به لو حصلت بالكسب مستلزمٌ للصدق على الله فيما يُخبر به.
سادسا: ما يأتي به الكهّان والسحرة، لا يخرج عن كونه مقدوراً للجنّ والإنس، وهم مأمورون بطاعة الرسل، وآيات الرسل لا يقدر عليها؛ لا جنّ، ولا إنس، بل هي خارقة لعادة كلّ من أُرسل النبيّ إليه.
سابعا: أنَّ أعمال السحرة يمكن أن تُعارض بمثلها. وآيات الأنبياء لا يمكن أحداً أن يعارضها بمثلها.
ثامنا: أنَّ تلك ليست خارقة لعادات بني آدم، بل كلّ ضربٍ منها معتادٌ لطائفة غير الأنبياء. وأما آيات الأنبياء: فليست معتادة لغير الصادقين على الله، ولمن صدّقهم.
تاسعا: أنَّ هذه قد لا يقدر عليها مخلوق؛ لا الملائكة، ولا غيرهم؛ كإنزال القرآن، وتكليم موسى. وتلك تقدر عليها الجنّ والشياطين.
عاشرا: أنَّ النبي لا يأمر إلا بمصالح العباد في المعاش والمعاد؛ فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر؛ فيأمر بالتوحيد، والإخلاص، والصدق؛ وينهى عن الشرك، والكذب، والظلم. فالعقول، والفطر توافقه؛ كما توافقه الأنبياء قبله؛ فيصدقه صريح المعقول وصحيح المنقول الخارج عمّا جاء به.
حادي عشر: السَّحرَة يذم بعضُهم بعضاً، والأنبياء يصدّق بعضُهم بعضاً.
هذه هي الفوارق الظاهرة بين الأنبياء وغيرهم ممن يدعون قدرتهم الإتيان بأمور خارقة وأفعال باهرة، وبهذه الفوارق يتضح لنا بجلاء أن معجزة واحدة يأتي بها النبي كافية في الإيمان به والتصديق بخبره والطاعة لأمره، فكيف إذا كانت الحال وقد كثرت المعجزات وزادت حتى بلغت المئات وشهدها ورآها من البشر الآلاف. وهذه هي حال رسولنا محمد ﷺ، وهذا ما نقدم منه أمثلة في هذه الرسالة، فمن صفا قلبه وصدق يقينه فلابد له من أن يؤمن بهذا النبي الخاتم ﷺ.
عدد دلائل نبوته ﷺ
وعلامات النبوَّة أكثر من أن تُحْصَى؛ لأن العلامة هي الأَمارَة التي تدلُّ على صدقه ونبوَّته، وتدخل المعجزات في ذلك، والإرهاصات، والأخبار التي سبقت ميلاده، والعلامات التي حَدَثَت عند ميلاده، وفي طفولته، إلى بَعْثَته بالرِّسالة ﷺ، ثم من وقت الرِّسالة إلى وقت الهجرة، ثم من وقت الهجرة إلى آخِر مغازيه المعروفة وأسفاره المشهورة.
ولا نعلم دليلا صحيحا واحدا، على الأقل، يحصر علامات النبوة في ستة وأربعين علامة؛ لأنه توجد علامات وردت بها آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، وفي كلتا الحالين قد تكون صريحة أو غير صريحة.
ومن جهة ثانية نجد دلائل عقلية على النبوة، وهذه لا يمكن حصرها أبدا إذ كل عالم يأتي بما فتح الله عليه منها من خلال الاستقصاء الفكري والاستدلال والاستنباط وغيرها.
وإنما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي ﷺ يقول: “الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة”. ومعلوم: أن الجزء من النبوة غير علامة النبوة.
وقال البيهقي: “فأما النبي المصطفى، والرسول المجتبى.. فإنه أكثر الرسل آيات وبيّنات، وذكر بعض أهل العلم أن أعلام نبوته بلغت ألفاً!”. وهنا لا ندري أيقصد بها عدد الآيات والأحاديث الصريحة وغير الصريحة أم عدد الدلائل العقلية أم كليهما!
ونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: “ما أعطى الله نبيًّا شيئاً إلا أعطى الله محمداً ﷺ ما هو أكثر منه!”. فقيل له: أعطى الله عيسى ابن مريم إحياء الموتى؟! فقال الشافعي: “حنين الجذع أبلغ؛ لأن حياة الخشبة أبلغ من إحياء الميّت! ولو قيل كان لموسى فلق البحر، عارضناه بفلق القمر، وذلك أعجب؛ لأنه آية سماويّة! وإن سئلنا عن انفجار الماء من الحجر، عارضناه بانفجار الماء من بين أصابعه ﷺ؛ لأن خروج الماء من الحجر معتاد، أما خروجه من اللحم والدم فأعجب! ولو سئلنا عن تسخير الرياح لسليمان، عارضناه بالمعراج!”.
قال ابن تيمية: “ولهذا كانت طرق الهداية كثيرة ومتنوعة؛ رحمة من الله بعباده ولطفاً بهم؛ لتفاوت عقولهم وأذهانهم وبصائرهم”.
قائمة -غير حصرية- شارحة لصحيح الدلائل النقلية على نبوته ﷺ
أولا: دلائل نبوَّة رسول الله ﷺ في أخبار القرآن الكريم
إنها مبثوثة في القرآن الكريم أولا؛ من ذلك:
إخبار القرآن الكريم عما حدَّثَ به معشرٌ نفوسهم وبما خَطَرَ ببالهم، فأطْلع اللهُ نبيَّه عليه: وأنزل الله قوله سبحانه: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 122]، وقوله: ﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾؛ أي: أن تجبُنا وتضعَفا، والطائفتان هما بنو حارثة وبنو سلمة اللتان همَّتا بالتقاعُس عن الخروج يوم أحد.
إخبار القرآن عن الأُمَم السابقة: وذلك كإخباره عن نوح وهود وصالح وموسى وغيرهم، وعن أقوامهم؛ قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه: 99]. وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: 100]. وقال عزَّ وجلَّ: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: 49]. وإخباره عن بُهتان اليهود: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 156-158].
إخبار القرآن الكريم عن مستقبل يقع فيه انتِصار الروم على الفُرس: في قوله تعالى: ﴿الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: 1-4].
إخبارُ القرآن الكريم عمَّا سيكون عليه الصحابة: وذلك في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: 20]، وسورة المزمِّل من أوائل ما نزل بمكة.
إخبار القرآن الكريم عن مستقبل دخول المسلمين المسجدَ الحرامَ محلِّقين رؤوسَهم: في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: 27]، فدخَلُوه بعد سنة معتمرين، ودخلوه بعد سنتين فاتحين.
إخبار القرآن الكريم عن انتصار المسلمين في المستقبل: في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ* سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: 44-45]، وقد وقع مِصداقُ ذلك يوم بدر.
إخبارُ القرآن الكريم بالإشارة الموحِيَة عن حدوث وَسائِطَ للنقل جديدة غير الوسائل المعرُوفة آنذاك، في المستقبل: وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 8].
احتِواء القرآن على شريعة كاملة صالحة لكلِّ زمان ومكان: أمرٌ يدلُّ على صدق نبوَّة محمد ﷺ.
اشتِمال القرآن على نظرات صائبة إلى حقائق الكون: فلن تجد تناقضا علميا صريحا في القرآن الكريم، وهو غير الترجمة؛ إذ فيه إشارات صادقة إلى بعض الأمور العلمية في الكون والطبيعة والإنسان التي كَشفَ عنها العِلم الحديث، إنَّ ذلك مِن دلائل النبوة، والأمثلة على هذه النظرات والإشارات كثيرةٌ في كُتب التفسير العِلمي.
ثانيا: إخباره ﷺ، عن الأنبياء السابقين وأممهم وتواريخ أخرى، كلها يجهلها أهل الكتاب والعرب والعجم على السواء:
جاءت بها السنة الصحيحة شارحة ومفصلة لما جاء في القرآن الكريم، بل فيها قصص غير موجودة في القرآن الكريم. وقد أغنى ما في القرآن الكريم عن التطويل بإيرادها على جلالتها.




