
وجدت الطريق!
فبراير 23, 2026
بيان من علماء الأمة حول أحداث الحرب الجارية في منطقة الخليج
مارس 1, 2026الذي خشيتُ طرقه طويلاً!
ماركوس دلاميني
جنوب أفريقيا
أنا ماركوس دلاميني، من مدينة ديربان في شرق جنوب أفريقيا. عمري خمسٌ وثلاثون سنة، وأعمل سائق شاحنة لنقل البضائع منذ أكثر من عشرة أعوام. حياتي كلها كانت على الطرق السريعة: بين الجبال، وعلى امتداد ساحل كوازولو ناتال، وفي الحرّ الشديد لأراضي كارو القاحلة، وفي الأمطار الغزيرة التي تضرب الساحل الهندي
كنت أقول دائمًا إن الطريق هو بيتي، وإن صوت المحرك هو رفيقي الوحيد، لكن الحقيقة أنني كنت أهرب.. أهرب من داخلي.
بداية الحكاية
نشأت في عائلة مسيحية، لكنها لم تكن متديّنة كثيرًا. كنّا نذهب للكنيسة مرتين أو ثلاثًا في الشهر، نغني، نستمع للعظات، ثم نعود إلى حياتنا المعتادة. لم أكن أشعر بشيء خاص تجاه الدين، ولم أحفظ يومًا دعاءً واحدًا. وعندما كبرت، ازداد ابتعادي.. انجرفت إلى حياة العمل الشاق، والسفر المستمر، والسهر الطويل في استراحات الطرق، كنت أرى العالم يتغير بسرعة حولي، لكن داخلي كان جامدًا، بلا معنى.
الشرارة الأولى
قبل سنة تقريبًا، كنت أقود الشاحنة على الطريق السريع متجهًا إلى بلومفونتين. الجو كان باردًا، والسماء تمطر بغزارة. توقفت في محطة صغيرة لأرتاح قليلًا، وهناك رأيت مجموعة من الشباب المسلمين يؤدّون الصلاة تحت مظلة ضيقة، رغم المطر والبرد.
وقفتُ أنظر دون قصد، شيء ما في طريقة سجودهم وبساطة وقوفهم جعلني أشعر بشيء غريب.. شيء يشبه الاحترام العميق أو الحيرة العميقة.. لا أعلم!
سألت شابًا منهم بعد أن أنهى صلاته: لماذا تصلّون الآن؟ الجو سيء جدًا.
ابتسم وقال: “لأن وقت الصلاة جاء، ونحن نصلّي لله.. وليس للطقس”.
كان رده بسيطًا، لكن أثره عميق.. ظلّ صوت كلمته يرافقني طوال الطريق.
بحث بلا هدف
مع مرور الأيام، بدأتُ أبحث من باب الفضول فقط. كنت أشاهد مقاطع قصيرة عن الإسلام، وأقرأ منشورات هنا وهناك، لكن بلا نية واضحة. توقفت مرة أمام فيديو لرجل من جنوب أفريقيا يتحدث عن دخوله الإسلام.. قال جملة صدمتني: “لم أدخل الإسلام لأنني أردت ديانة جديدة، بل لأنني كنت أبحث عن نفسي”.
أغلقت الفيديو، وشعرت كأنه يتحدث عنّي.. عن حياتي المبعثرة على الطرق، وعن شعوري الدائم بالتيه رغم أنني حافظ لكل خريطة في البلاد.
اكتشافي لمشروع بصيرة
في إحدى الليالي، بينما كنت في غرفة صغيرة مستأجرة قرب ميناء ديربان، ظهرت أمامي صفحة لمشروع اسمه “بصيرة الدعوي”.
في البداية ظننت أنه شيء محلي، لكنني اكتشفت أنه مشروع عالمي للتعريف بالإسلام ودعوة غير المسلمين إلى الإسلام من غير الناطقين بالعربية من خلال “الحوار أون لاين”.. ولا يجبر أحدًا على شيء.
أعجبني ذلك، لأنني لا أطيق من يحاول دفعك بالقوة نحو فكرة ما.. ضغطت على زر “هل تريد معرفة المزيد عن الإسلام؟”، لأرى بعدها إشعارًا يقول: “سيتم التواصل معك خلال دقائق”.
كنت مترددًا! لكن فضولي كان أقوى.
الرسالة الأولى
وصلتني أول رسالة من المحاور: “مرحبًا ماركوس، يسعدني الحوار معك. يمكنك أن تسأل ما تشاء”.. شعرت براحة غريبة، وكتبت له: “أنا لا أعرف شيئًا عن الإسلام. فقط رأيت أشياء جعلتني أفكر. ربما تكون أسئلتي لك مزعجة”.
فأجاب: “لا يوجد سؤال مزعج في طريق البحث عن الحقيقة”.
تلك الجملة بالذات جعلتني أفتح قلبي.
أسئلة الرجل الذي تاه طويلًا!
بدأت أسئلتي بسيطة: “لماذا تصلي؟ لماذا خمس مرات؟ لماذا لا تغيّرون القرآن بما يناسب العصر؟ هل الله واحد فعلًا؟ كيف تعرفون ذلك؟”
كان يجيب بهدوء ولطف، دون انتقاد، ودون نبرة سخرية.
شرح لي أن في الإسلام لا يُعبد البشر، ولا تُقدّس الصور، ولا يُوضع بين الإنسان وربه وسيط.
وقال: “الله أقرب إليك مما تتخيل، فقط تحتاج أن تقترب قليلاً وتدعوه”.
تأملت الجملة طويلًا.. فأنا طوال حياتي لم أنادِ أحدًا. لم أثق أن أحدًا يسمعني أصلًا.
الأسئلة الصعبة
ثم انتقلت إلى الأسئلة التي كنت أهرب منها منذ سنوات:
“لماذا تحدث المآسي؟ لماذا يموت من نحب؟ لماذا نشعر بالفراغ؟ وهل الله يهتم بشخص مثلي.. شخص أخطأ كثيرًا؟”.. توقعت أن يغضب.. لكنه لم يفعل.
وقال لي: “الله لا يرفض عبدًا رجع إليه. الإسلام ليس للملائكة.. بل للناس الذين يخطؤون ويتعثرون ثم يستغفرون ويقومون مرة أخرى”.
كلماته كسرت شيئًا داخلي.. كنت أظن أنني لست صالحًا لأي طريق روحي، لكنني شعرت لأول مرة أن بابًا ما ربما.. فتح لأمثالي.
لحظة المكاشفة
بعد حوار دام أكثر من ساعتين، سألني المحاور: “ماركوس.. ماذا تريد من هذا الحوار؟ مجرد معرفة؟ أم تبحث عن طريق جديد؟”
ترددت.. ثم كتبت ببطء شديد: “أظن أنني أبحث عن السلام”.
فقال: “السلام لا يوجد إلا عندما تعرف الله حق المعرفة. هل تريد أن أشرح لك معنى الشهادة؟”
هنا توقف قلبي لحظة. شعرت بخوف.. وفرح.. وارتباك لا يوصف!
لكنني كتبت: “نعم، أريد أن أفهمها”.
الشهادة.. قبل أن أتوقع
بدأ المحاور يشرح بعبارات بسيطة: معنى لا إله إلا الله، وأن الحياة كلها تصبح لها قيمة عندما تعترف بأن خالق الكون واحد، ومعنى محمد رسول الله، وأنه آخر الأنبياء، جاء ليدلّ الناس على الطريق المستقيم.
كنت أقرأ وأشعر بأن الكلمات ليست غريبة كما توقعت.. كأنني أعرفها منذ زمن بعيد.
فجأة سألته: “هل يمكن أن أصبح مسلمًا الآن؟ أم يجب أن أنتظر؟”
قال: “الإسلام ليس له وقت معين. إن كان قلبك مستعدًا الآن فلا تتأخر.. فالباب مفتوح”.
نظرت حولي.. الغرفة كانت مظلمة إلا من ضوء الهاتف.. الليل كان ساكنًا، حتى صوت البحر بدا بعيدًا.. كتبت له: “أنا.. مستعد الآن.. الآن“.
اللحظة الفاصلة
أرسل لي نص الشهادة ..كنت أقرأه وقلبي ينبض بقوة لم أعرف مثلها. ثم طلب مني أن أكررها بصوت مسموع حتى لو كنت وحدي.. رفعت رأسي قليلًا، أخذت نفسًا عميقًا، وقلت ببطء:
“أشهد أن لا إله إلا الله.. وأشهد أن محمدًا رسول الله”.
ما إن انتهيت، حتى شعرت بقشعريرة تسري في جسدي كله.. كأن شيئًا مظلمًا كان داخلي وخرج، أو كأن ثقلاً هائلًا انزاح عن روحي.
لم أبكِ.. لكنني ابتسمت.. ابتسامة حقيقية لم أبتسمها في حياتي من قبل.
كتب المحاور: “مبارك عليك يا ماركوس.. أنت الآن مسلم”.
أغلقت عيني، وقلت لنفسي: “لقد عدتُ.. عدتُ أخيرًا”.
ماذا بعد الشهادة؟!
في الأيام التالية، تغيّر كل شيء في حياتي، لم يعد الطريق مجرد طريق، وأصبحت أرى الجبال وأشجار الأكاسيا والوديان الخضراء بنظرة مختلفة.. وكأن العالم أصبح أوضح، أنقى.
التحقت بقسم التعليم بمشروع بصيرة، وبدأت أتعلّم الصلاة خطوة بخطوة.. كان معلم مشروع بصيرة يرسل لي مقاطع صوتية، وصورًا، وتوضيحات تساعدني كثيرا.
كنت أتوضأ داخل استراحات الطريق، وأضع سجادتي الصغيرة خلف الشاحنة، وأصلي.
في البداية كنت أرتبك وأخطئ، لكن السجود تحديدًا.. كان له أثر لا يوصف، كأنني أضع روحي على الأرض، وأرفع عبئًا عمره ثلاثون عامًا.
مواجهة المجتمع
لم أخبر أحدًا في البداية، لم أكن خائفًا.. لكنني أردت أن أفهم نفسي أولًا، ثم أخبرت صديقي المقرّب، فاستغرب وقال: “أنت؟ مسلم؟! كيف؟!”
فقلت له بهدوء: “بقلب عرف مكانه أخيرًا”.
لم يقاومني أو يعترض، فقط نظر إليّ مطولًا ثم قال: “لكنني لم أرَك بهذا الهدوء من قبل”.
صدق.. لقد تغيرت من الداخل قبل الخارج.
معنى جديد للحياة
بدأت أعيش بشكل مختلف: أقل غضبًا، وأكثر صبرًا مع زملائي في الطريق،أنظّم وقتي، وأختار طعامي، وأتفادى المشروبات التي كنت أفرّ بها من ضغوطي.
أستيقظ أحيانًا لصلاة الفجر في منطقة نائية لا يسمع فيها أحد غيري صوت الريح.. فأشعر بقرب لا يشبه أي شيء. وأكثر ما كان يدهشني.. أنني لم أعد أشعر بالفراغ الذي لازم حياتي كلها.
لماذا أكتب قصتي؟
لأنني أريد لإنسان آخر مثلي، يعيش على الطرق، أو ينام في غرف مؤجرة، أو يشعر أن قلبه بلا منزل.. أن يعرف أن الطريق إلى الله ليس معقدًا. وأنه ليس حكرًا على أحد.
وأن الإسلام يمكن أن يصل إليك في شاشة هاتف، في ليلة هادئة، عبر كلمات صادقة من محاور لا يعرفك ولا تعرفه، ساقه الله إليك.. لأنه يريد لك الخير.
وختاماً
دخلت الإسلام في ليلة واحدة.. لكنني عشت عمري كله أبحث عن تلك الليلة دون أن أدري!
والآن، كلما قدت شاحنتي على الطرق الطويلة، ورأيت الغروب يختفي خلف جبال دراكنسبرغ، أذكر تلك اللحظة التي نطقت فيها الشهادة وأقول لنفسي: “الحمد لله.. لقد وجدت الطريق الذي لم تَدلّني عليه الخرائط”. وهذه كانت قصتي مع دخول الإسلام عبر مشروع بصيرة الدعوي، في ليلة لن أنساها حتى آخر يوم في حياتي.
أسأل الله أن يثبتني على الإسلام حتى ألقاه.
والسلام..





